Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كاميرا ميشال فرنكو تنقل العنف المكسيكي إلى مهرجان البندقية 

السائح الأوروبي تبهره شمس أكابولكو وينزلق في متاهاتها المعقدة

الممثل تيم روث في فيلم "سانداون" (الخدمة الإعلامية للفيلم)

في بحثنا المستمر عن الأفلام المميزة خلال متابعتنا لما هو معروض ضمن مسابقة الدورة الـ78 من مهرجان البندقية السينمائي، الممتد من 1 إلى 11 سبتمر (أيلول) الحالي، وجدنا أنفسنا أمام فيلم عذب للمخرج المكسيكي ميشال فرنكو بعنوان "سانداون"، يروي بعض عطشنا لهذا النوع من السينما. هذا عمل يفيض بالمشاعر الرقيقة وهو نقيض ما شاهدناه إلى الآن من أعمال تتغلب فيها التقنيات على الأحاسيس وعلى الإنسان في آلامه وتناقضاته وصراعاته الداخلية التي لا تنتهي. سينمائيون كثر استعرضوا عضلاتهم في أفلام عدة، كانت تجارب ناجحة تقنياً، ولكن جوهرها فارغ بلا روح. 

في "سانداون" يلعب الممثل البريطاني تيم روث (سبق أن مثّل في "كرونيك" لميشال فرنكو) دور إنسان سلبي يُدعى نيل، بمعنى أنه يتلقى كل الضربات من دون أن يرف له جفن، ولا يرد الضربة بضربة أخرى أو ضربة أكبر. يتلقاها فحسب في سلسلة أحداث تغيّر مجرى حياته في غضون أيام قليلة. الشخصية التي يلعبها يمكن اعتبارها استعارة للإنسان الغربي الأوروبي الأبيض الميسور الذي مل كل شيء، اعتاد الرفاهية والثراء والحياة المنتظمة التي يعرف تماماً كيف ستنتهي وفي أي نهر ستصب. وبات يبحث عن نقيض ما يعيشه، حتى لو كان هذا النقيض فيه مخاطر جسدية وضرر نفسي. في فيلم نرويجي عُرض في مهرجان برلين قبل بضع سنوات، كانت تقول إحدى الشخصيات، إنه لا يمكن الحصول على كل شيء، "إما الرفاهية الخاصة بالبلدان الاسكاندينافية الباردة، أو… الشمس! ولكن لا يمكن جمع الاثنين تحت سقف واحد". وهذا ما يصوره ميشال فرنكو الذي يعرض جديده بعد عام فقط على عرض فيلمه السابق، "النظام الجديد"، في مسابقة البندقية وقد فاز عنه بجائزة لجنة التحكيم الكبرى. 

حقائق وأسرار

في أكابولكو تبدأ الحكاية بسلسلة مشاهد هادئة توحي بأننا في ميلودراما عائلية أفرادها يتصارعون، ثم تظهر حقائق دفينة وأسرار علانية قبل المصالحة الكبرى في الختام. لكن في جعبة المخرج أشياء أخرى، وتفاصيل غير متوقعة، ومفاجآت لا تخطر في البال.

لفهم الفيلم الذي تجري فصوله بالكامل في أكابولكو، المدينة التي لن تكون مجرد نقطة انطلاق كما هي حال مدن العالم الثالث في كثير من الأفلام الأوروبية والأميركية، يجب فهم السياق الاجتماعي حيث تقع الأحداث. فأكابولكو هذه منتجع سياحي في المكسيك، تقع على خليج كبير مدعوم بالمباني الشاهقة وجبال سييرا مادري ديل سور. ذاع صيتها بصخب المشاهير والأثرياء في الخمسينيات والستينيات، ولا تزال إلى اليوم تشتهر بالحياة الليلية المفعمة بالحيوية. لكن في المقابل، تملأها عصابات منظمة ومجرمون يقتلون الناس في وضح النهار. هناك من جانب سياحة أوروبية وأميركية طاغية، ومن جانب آخر فقر وعنف يظهران بوضوح ما إن يغامر السائح ويخرج قليلاً من حيّز الفنادق الفخمة المخصصة للرجل الأبيض، التي يحميها مكسيكيون برشاشاتهم من مكسيكيين آخرين.

عن هذا الجانب من الفيلم، يقول فرنكو، "حدوث الفيلم في أكابولكو ليس مصادفة. أمر صادم بالنسبة لي أن أشهد تحول المدينة التي قضيت فيها إجازات الصيف عندما كنت طفلاً إلى بؤرة للعنف. ينبع الفيلم من ضرورة استكشاف مكان يبدو اليوم بعيداً وغريباً لي. هذا الاستكشاف لجميع وجهات النظر الموجودة في أكابولكو هو أيضاً دراسة لشخصية نيل ودراسة لديناميات الأسرة. تحتل الشمس مكانة أساسية. الشمس تضرب دائماً بقوة وبشكل مباشر. كان على الصورة التي شكلتها أن تعكس أمرين، الحالة العاطفية للشخصيات والعنف السائد في محيطهم".

العودة والبقاء

يفتتح الفيلم مع نيل وعائلته، وهم يمضون بضعة أيام في فيلا مدهشة تطل على المحيط الهادئ. يسترخون جنب حوض السباحة ويحتسون شراب المارغاريتا، وهم يحدقون في الفراغ. فجأة، يتلقون اتصالاً يفيد بأن الوالدة قد توفيت، فيهرعون على إثره إلى المطار للعودة إلى لندن. لكن نيل يتظاهر بأنه نسي جواز سفره في الفيلا، ليبقى في أكابولكو، حيث يؤكد رغبته سريعاً في التخلي عن كل شيء والبقاء في "موطنه" الجديد. آفاق جديدة تفتتح أمام هذا الرجل الستيني. نراه يتسكع في شوارع المدينة ويجلس إلى ناسها وينصت إلى ما يروونه له من أمور تافهة، من دون رغبة في القيام بأي عمل مفيد سوى التفكير في إيجاد حجج جديدة للبقاء في هذه البقعة وتأجيل العودة إلى لندن. ولكن إلى متى يستطيع الخداع والهروب من مسؤولياته تجاه عائلته التي تواجه ظروفاً صعبة في ظل الحداد الذي تعيشه، خصوصاً أن المكان لا يبدو آمناً، على الرغم من الأريحية التي يتنقل بها نيل في أزقة المدينة؟

سؤال نيل نفسه لا يعرف جوابه. فهو يستسلم للعفوية بشكل كامل، بلا أي خطة حتى للغد القريب. وبسرعة، يتحول إلى الإنسان الأوروبي الذي يكتشف عالماً جديداً يهب نفسه إليه وهو يحضنه كما يحضن المراهق فتاة للمرة الأولى، بمزيج من الرعونة والإصرار والدهشة. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صحيح أن الفيلم بسيط ومكثف ولا ينطوي على أي تعقيدات، إلا أن اكتشافنا التدريجي لتفاصيل عدة على غير "حقيقتها" الظاهرة، يؤكد براعة فرنكو في كتابة السيناريو. فالسيدة (شارلوت غينسبور) التي اعتقدناها في البداية بأنها زوجة نيل، يتبين بأنها شقيقته. ونكتشف تباعاً في أسلوب لا يخلو من اللبس بأن الشقيقين من عائلة بالغة الثراء، ولكن نيل يبلغ لشقيقته بأنه يريد التخلي عن إرثه كله لها، مقابل مرتب شهري والإقامة في أكابولكو، حيث يعتقد بأنه وجد فردوسه أخيراً وهو في مرحلة عمرية متقدمة.

قد لا نكشف سراً إذا قلنا إن نهاية الفيلم تكون نقيضاً للبداية، أي أن الأشياء لن تنتهي كما بدأت، تحت شمس حارقة وبألوان فاقعة. هناك مأساة تقع لتجر الحكاية إلى مكان آخر، وتترك أثرها المباشر سواء عند نيل أو المُشاهد. على الرغم من وضوح القصة بتفاصيلها العديدة، فسلوك الشخصيات يبقى غامضاً، إذ يترك الفيلم تأويله لكل مُشاهد، على أن يقرأه انطلاقاً من وجهة نظره وخلفيته الثقافية، ما يمد الفيلم بكثير من الثراء على هذا المستوى. بنهايته المفتوحة، يضعنا سانداون أمام احتمالات عديدة لما قد يحدث للشخصية، إلا أن كل تلك الاحتمالات تترك إحساساً مراً في النفس.  

المزيد من سينما