"كرتونة رمضان" في مصر... تكافل اجتماعي ومآرب أخرى

الكراتين ظهرت في أوائل الألفية بالجمعيات الخيرية... والعقد الأخير شهد تسييسا لها... والبعض يستغلها في غسل السمعة 

الجمعيات الخيرية المصرية أسهمت في مساعدات رمضان الغذائية (الموقع الرسمي لمصر الخير)

قلما تجد بيتاً في مصر في العام الـ19 من الألفية الثالثة لم يمر بتجربة "الكرتونة". فمن البيوت من هو مقدم للكرتونة، ومنها ما هو مستهلك لها، لكن منها كذلك من يتاجر بالمحتويات، ويفتت الحسنات، أو يستند إليها لتنقله خطوة أعلى على سلم الطموحات وطريق السياسات.

كرتونة رمضان

السياسات المتبعة في مصر في شهر رمضان المبارك من قِبل أهل الخير لم تفتقد يوماً للابتكار أو تعاني يوماً الاندثار. فمن فائض البيت "سكر وفول وزيت"، إلى حقيبة بلاستيكية يشتريها القادر من محل البقالة المجاور تحوي كيلوغراماً من التمر، وربما دجاجة ومكيالين من الأرز وما تيسر من عدس، إلى منظومة قائمة بذاتها مستقلة باقتصادها معروفة باسمها.

إنها "كرتونة رمضان" التي أصبحت تنافس الشهر في شهرته، والتي تأتي في كل المقاسات ولا تخضع لمعايير بذاتها في المحتويات، وتضرب عرض الحائط بالغاية منها والغرض من وجودها.

وجود ركن خاص بـ"كرتونة رمضان" لم يعد اختياراً في الغالبية العظمى من سلاسل السوبر ماركت الكبرى. كما أنه تحول إشغالاً للطريق في قريناتها الصغرى. تحولت الكرتونة في مصر خلال العقدين الماضيين من صرعة ابتكرتها جمعيات خيرية محدودة إلى ظاهرة مجتمعية محمودة في فكرتها مشكوك في توجهات بعضها.

محاولة للتاريخ

يرى البعض أن أوّل كرتونة في تاريخ رمضان ظهرت في أوائل الألفية مع ظاهرة تأسيس، أو بزوغ نجم عدد من الجمعيات الخيرية الكبرى مثل بنك الطعام المصري والأورمان ورسالة وغيرها، وهي الجمعيات التي أسهمت في مأسسة مساعدات رمضان الغذائية التي يقدمها ميسورو الحال.

لكن أغلب الظن أن فكرة الكرتونة الرمضانية ذاتها خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين. وقد اشتهرت الجماعة بالتغلغل والتمدد في ربوع المناطق الريفية والفقيرة والمدن البعيدة التي تركتها الدولة لترتع فيها الجماعة فكرًا وكراتين. وبين فكرة أيديولوجية تتمحور حول تسيد الجماعة من وجهة نظر دينية وكرتونة رمضانية تتمحور حول شاي وسكر وزيت وما تيسير من لحوم ودواجن، ضمنت الجماعة ولاء البسطاء وإذعان الفقراء. ويشار إلى أن الجماعة توقفت عن نشاط الكراتين الرمضانية منذ حظرها بحكم قضائي.

مآرب أخرى

لكن ما حُظر بالأمس القريب ترك أثره ممتداً إلى اليوم والغد وبعد غد. ويمكن القول إن فكرة "الكرتونة الرمضانية" راقت في مصر للملايين، فعلى النقيض مما ينبغي أن تمثله الكرتونة الرمضانية من روح التكافل وميل التصدق وحب الخير في رمضان، تحول جانب منها إلى شراء ولاءات واستعراض سمعات.

العقد الأخير شهد تسييساً واضحاً للكرتونة، وهو تسييس لم يستثن أحداً؛ أحزاباً حاكمة وأخرى معارضة، جماعات ملتحفة بالدين، وأخرى متعلقة بتلابيب الحكم، رجال أعمال طامحين إلى جمع السلطة مع المال، وآخرين يخططون لاعتلاء سلم السياسة، لاعبي كرة قدم وفنانين ونواب برلمانيين ينخرطون في بيزنس الكرتونة مهنئين الشعب الأصيل بالشهر الكريم.

غسل سمعة

الشهر الكريم يشهد أيضاً امتداداً وتوسعاً لنشاط الكراتين الرمضانية على سبيل غسل السمعة. فبين رجل أعمال تلوثت سمعته في أعقاب رياح ربيعية شتوية، وقيل إنه محسوب على نظام سابق، وآخر سارع بتقديم فروض الولاء والطاعة لنظام لم يدم أكثر من عام فخسر هذا وذاك، وثالث ظهر بين ثورة وأخرى آملاً في الانتفاع وبحثاً عن دور، وغيرهم كثيرين في عالم الكراتين.

ويكشف عالم الكراتين في كل رمضان عن وجه إضافي. الإضافة التي تتجلى هذا العام ذات بعد طبقي، وبدلاً من بساطة الفكرة المتجلية في سلع غذائية رئيسية تحتاجها الأسر الفقيرة في رمضان، تتراوح في أسعارها وأوزانها بحسب رغبة المشتري وقدرته على السداد، ظهرت كراتين الوجاهة الاجتماعية لتضيف بعداً جديداً لم يكن على البال أو الخاطر.

كراتين الوجهاء
كرتونة الوجاهة الاجتماعية يتم حالياً تبادلها على سبيل المجاملات ومن باب تجذير العلاقات وتقوية أواصر المصالح. يدق جرس الباب ويأتي السائق محملاً بكرتونة مهيبة يحملها بصعوبة ومغلفة بقماش "الخيامية" الرمضاني المصري المعروف، وعليها بطاقة تحمل اسم مرسلها مذيلة بتحياته وتمنياته الرمضانية. تفتح الكرتونة، فلا تجد الفول والعدس والسكر والتمر، لكن تجد البندق واللوز والجوز وقمر الدين والمشمشية والقراصيا إلى آخر قائمة السلع الرمضانية التي أصبحت في عرف الملايين ذكرى من الماضي، وتحديداً ما قبل التعويم.

تعويم الجنيه المصري في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016 أسدل ستار السلع الرمضانية المستوردة على الملايين في مصر لتضاعف أسعارها وانتقالها من خانة الممكن إلى اللاممكن. لكن اللاممكن أثبت قدرة على العودة هذا العام مع نمو ظاهرة "كرتونة الوجاهة" المتبادلة بين الأثرياء وبعضهم البعض.

وعلى الرغم من شيوع ظاهرة "كراتين الوجهاء" في دوائر مغلقة وبين فئات أغلبها يتصل بعضها ببعض في مجالات عمل ومصالح مشتركة، تظل "الكرتونة الرمضانية" في مصر سمة من سمات التكافل وشكلاً من أشكال عمل الخير في هذا الشهر الكريم. وقد أسهم في انتعاش الظاهرة وتمددها عوامل عدة. فقد تواترت آراء علماء الدين الموثوق فيهم في السنوات القليلة الماضية لتؤكد أن "كرتونة رمضان" شكلٌ مقبولٌ من أشكال الصدقة وإجراء محمود يرسخ قيمة التكافل، بالإضافة لأنها تصلح لأن تكون كفارة صيام.

مفتي مصر السابق ورئيس مجلس أمناء "مؤسسة مصر الخير" (إحدى كبرى المؤسسات الخيرية التي تقدم العديد من الخدمات الخيرية ومنها توزيع كرتونة رمضان على المحتاجين) الدكتور علي جمعة قال إن "الكرتونة تصلح أن تكون ضمن زكاة الفطر والمال وكفارة الصيام".

من جهة أخرى، تبدو الكرتونة طريقة سهلة وسريعة لإنجاز الجانب الخيري والتكافلي. كما أن كثرة العروض المقدمة سواء من قبل سلاسل السوبرماركت والمحال الصغيرة التي تبيع هذه الكراتين، أو من قبل المؤسسات الخيرية التي تتراوح أسعارها بين 70 و400 جنيه مصري تقريباً. (5 إلى 23 دولارا أميركيا تقريباً) تجعل شراءها سهلاً. بل إن العديد من هذه المؤسسات الخيرية تطرح إمكانية سداد قيمة الكرتونة "أون لاين" تيسيراً على الراغبين وجذباً للمشترين.

إساءة الاستفادة

وتصدق المقولة المصرية الشهيرة بأن "ولاد الحرام ماخلوش لولاد الحلال حاجة"، حيث يصر البعض على إساءة الاستفادة من الكرتونة الرمضانية. فهناك من يحصل على عشرات الكراتين من جهات وأفراد مختلفين، ثم يعاودون بيع محتوياتها بغرض التربح أو لاستخدام المال في شراء مستلزمات أخرى.

ويبدو أن الكرتونة الرمضانية أسست لنفسها بيئة مرحبة وحاضنة لها، ومقدر لها أن تستمر سواء من باب التكافل، أو عمل الخير، أو ترسيخ العلاقات، أو صعود سلم السياسة من بوابة السكر والشاي والزيت.

المزيد من هوايات وغرائب