Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل الإنسان حر؟ (الجزء الخامس)

يشير ديكارت إلى أن الإرادة الحرة تعد أوسع نطاقاً من الذهن وبذلك تكون مصدراً للأخطاء

بحسب رأي ديكارت يوجد نوعان من الحرية وهما الحرية الإنسانية والحرية الإلهية (غيتي)

تناولنا في الحلقة السابقة فلسفة الحرية عند أبي حامد محمد الغزالي الذي يرى أن المعتزلة بالغوا كثيراً في مسألة حرية الاختيار، إذ إن الله هو المنفرد بالخلق والاختراع، فلا موجود في العالم وفي الكون إلا وهو حادث بفعل الله. وخصص الغزالي عشرة أصول يوضح فيها أفعال الله، ذكرنا منها خمسة. فالإنسان حر في فعل الكسب والاكتساب، وهي حرية وسطية بين الجبر والاختيار.

ديكارت (1596-1650)

يرى رينيه ديكارت، أن حرية الاختيار للإنسان، هي القدرة على فعل أو ترك الشيء نفسه من دون تمييز. ويرى أيضاً، بأن هناك تفاوتاً بين الإدراك والإرادة. الأول، يكون متناهياً. أما الثانية، فتكون لا متناهية. ومن هنا، يقابل ديكارت بين الحواس والعقل، فالحواس ليست أكثر من أدوات عملية تقدم في نتاجها ما يفيد في الحياة، بيد أنها خالية من القيمة المعرفية، بينما العقل فهو نوع من الإشراق الإلهي. إذ إن الله وهب الإنسان أفكاراً بالفطرة، ومنحه المفهوم المباشر الخاص في المبادئ الأولية أو المعارف القبلية. 

بمعنى آخر، إن الإنسان كائن حر يمتلك إرادة وقدرة على فعل ما يختار أو يترك، لكن يجب ألا نفهم أن هذه الحرية بمستوى حرية الجوهر الواحد (الله)، لأن الإنسان معلول وعلته الله العظيم السابق عليه في الوجود. وبما أن الناس جواهر مستقلة أيضاً، وكذلك يمتلكون خاصية صفاتهم، لذا فإنهم يمتلكون إرادة حرة، وهذه الملكة أو الفطرة هي واحدة في كثير من الصفات والقدرات العقلية. وعلى الرغم من أن ملكات العقل مستقلة عن بعضها بعضاً، إلا أنها تعمل معاً، إذ بمقدور الشخص أن يدرك وجود كل واحدة تماماً، لأن الله ألقى في عقول الناس هذه الأفكار الفطرية،  التي تأتي من جوهره. وتتجلى هذه الأفكار من خلال استخدام الشخص لملكاته العقلانية، وبواسطة المبادئ الأولية بمقدور الشخص أن يمتلك معرفة بنفسه، وكلما عرف نفسه أدرك وجود الله. 

ويشير ديكارت إلى أن الإرادة الحرة تعد أوسع نطاقاً من الذهن، وبذلك تكون مصدراً للأخطاء. إن "أخطائي، كما لاحظت، تعتمد على سببين متزامنين: في ملكة الإدراك لدي وقدرة الاختيار على الإرادة الحرة". (كتابات فلسفية، طبعة إنجليزية). ويوضح ديكارت، أن كل خطأ أقع فيه ليس منشأه من قوة الإرادة ذاتها التي وهبها الله فيّ، فهي نعمة كاملة ورحبة، وكذلك ليس من قوة العقل، فكل ما أتعقله أو أتصوره يكون بواسطة هذه القوة التي منحني الله إياها لهذا الغرض، ومن دون شك لا يمكن أن أكون بها ضالاً مخدوعاً، لكن الخطأ يصدر من الإرادة لأنها أكثر اتساعاً من الذهن، وبما أن طبيعة الإرادة اللامبالاة، لذا فمن أيسر الأمور أن تضل وتختار الزلل بدلاً من الصواب، والشر عوضاً عن الخير، وهذا ما يجعلني أرتكب الخطأ والإثم.

وبحسب رأي ديكارت، يوجد فينا نوعان من الفكر هما، إدراك الذهن وفعل الإرادة، والأخير يستمد نشاطه من أصل العقيدة الدينية لمفهوم الخطيئة التي وردت في الكتاب المقدس، إذ إن وهن الإرادة لآدم وحواء وهما يقفان قبالة الشجرة المحرمة، وتناولهما ثمارها، يدل على ضعف إرادتهما. وعليه، فإن أفعال الإرادة تلعب دوراً كبيراً في حدوث الخطأ بما تسبب عن وجود الشر منذ بدء الخليقة. أي إن حرية الاختيار التي تميز الإرادة البشرية هي المسؤولة وحدها عن نشوء الخطأ.

أما بالنسبة إلى القدرة، فيؤكد ديكارت وجود قدرتين في الإنسان، وهما قدرة المعرفة وقدرة الاختيار. فعندما أمعنت النظر في نفسي وأخدت أتقصى عن خطئي الذي يدل وحده على أن فيّ نقصاً، وجدت أنه يعتمد على إشراك علتين، هما، قدرتي على المعرفة، وقدرتي على الاختيار أو حرية الحكم، أعني ما لدي من قوة الذهن والإرادة في آن.

وعن تفسير علاقة حرية الإرادة بالخطأ، فوفق تصور ديكارت، يعود إلى استعمالنا القاصر لهذه الحرية، إذ في أعلى مراتب الكمال لدى الإنسان هو أنه حر الاختيار، لكن حينما يشك يكون في حالة رفض أو قبول لشيء أو أمر ما، وبما أن الشك فعلاً ذهيناً وعملية فكرية، وأن الفكر الواضح والمتميز له صلة وثيقة بقدرة الله الحقة، فهذا يعني أن الله هو أساس الحرية.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي كتابه "مبادئ الفلسفة" يؤكد ديكارت "أن وجود الحرية في إرادتنا، وقوتنا في كثير من الحالات على الموافقة أو المعارضة بحسب رغبتنا، واضح جداً لدرجة أنه يجب احتسابها من بين أول أفكارنا الفطرية وأكثرها إثارة... إن عقولنا كافية للوصول إلى هذه القوة، نحن ندرك بوضوح وبشكل جلي أنها موجودة في الله، ولكن ليس لفهمها، إذ لا يمكننا أن نرى كيف تترك أفعال الإنسان الحرة اللامتناهية. من ناحية أخرى، نحن مدركون تماماً للحرية وعدم التناهي التي تحدث فينا، بحيث لا يوجد شيء نفهمه بشكل أوضح أو أكمل، وسيكون من السخف الآن أن يؤدي عدم فهمنا لشيء واحد، الذي نعرف أنه يجب أن يكون غير مفهوم لنا من طبيعته، إلى الشك في شيء آخر، نفهمه عن كثب ولدينا خبرة شخصية عنه".  (طبعة إنجليزية). 

وبحسب رأي ديكارت، يوجد نوعان من الحرية، وهما الحرية الإنسانية والحرية الإلهية. الأولى، مستمدة من الثانية، أي إن "الله هو مصدر الحرية الإنسانية". وفي كتابه "التأملات" ينص ديكارت على أن الخطأ ليس شيئاً واقعياً مرده إلى الله، بل إن "الخطأ في حد ذاته ليس حقيقة إيجابية ولكنه مجرد نقص، فإذا أخطأت لست بحاجة إلى ملكة منحني إياها الله لهذا الغرض بخاصة، بل مرجع خطئي هذا إلى ما منحني الله من قوة التفكير في التمييز بين الخطأ والصواب". (طبعة إنجليزية). 

وفي هذا الصدد، يدنو ديكارت بشكل ملحوظ نحو مفهوم المعتزلة، الذين رأوا أن الإنسان خالق لأفعاله وبسببها يثاب أو يعاقب، فديكارت يفسر الخطأ الذي يرتكبه الإنسان أنه ناتج بسبب الإرادة الحرة ليس إلا. إذ إن "الاستخدام الخاطئ للإرادة الحرة يقع الحرمان، الذي تتكون فيه طبيعة الخطأ". (كتابات فلسفية).

ولذلك، يحاول ديكارت التوفيق بين الحرية الإنسانية والتقدير الإلهي السابق للخلق، فإرادة الإنسان تتحمل مسؤولية الخطأ بسبب سوء استخدام حرية الاختيار بالشكل الصالح. فالخطأ مجرد نقص، والنقص يقع في الفعل الناشئ من الإنسان، وليس في القوة التي وهبها الله له. أي إن سوء استخدام الإنسان للحرية هو علة سقوطه في الخطأ. وبذلك، على الإنسان ألا يتذمر ويشتكي من أن الله لم يمنحه نوراً فطرياً كاملاً، إذ إن طبيعة الذهن متناهية محدودة ليس بمقدورها أن تحيط بأشياء كثيرة، والأجدر أن نشكر الله على نعمه بدلاً من التوهم بالظلم، وبحجب الكمالات الأخرى عن البشر.

وفي رسالة إلى الأب ميسلاند Mesland، كتبها ديكارت بتاريخ 2 مايو (أيار) 1644، جاء فيها، "لم أكتب تلك النعمة التي تمنع اللامبالاة تماماً، ولكن فقط إنها قللت من اللامبالاة، بجعلنا نميل إلى جانب واحد أكثر من الآخر. ومع ذلك، فإن النعمة لا تقلل من حرماننا، ولهذا أعتقد أنه يترتب على ذلك أن الحرية لا تتكون من اللامبالاة". (المصدر السابق). 

إن اللا مبالاة أو اللا اكتراث عند ديكارت، تعني حالة استواء الطرفين لدى الإنسان، التي يشعر بها حينما لا يكون مدفوعاً إلى اختيار هذا الجانب أو ذلك تحت تأثير أي مبرر عقلاني، وهي أدنى درجات الحرية. أما مفهوم حرية الإرادة، فيعدها ديكارت، من الصفات الكمالية التي أنعم الله بها على البشر، وأن الإنسان مخير في الأخذ بها، لا سيما أن لها صفات وحدوداً لا متناهية قد توصله إلى منزلة رفيعة، إذا أحسن الاختيار في كل ما هو صالح. 

ولذلك أشار ديكارت في رسالته الآنفة الذكر إلى الأب ميسلاند، بالقول، "في ما يتعلق بالإرادة الحرة، أود أن ألاحظ أنني لم أقل إن الإنسان غير مبال، يفتقر إلى المعرفة فقط، بل إنه أكثر لامبالاة في الوئام، لأنه يعرف أسباباً أقل لاختيار جانب واحد بدلاً من الآخر، وهذا على ما أعتقد لا أحد يستطيع أن ينكر. أنا أتفق معك حول إمكانية تعليق أحدهم للحكم، ما أردت أن أوضحه هو كيف يعلق المرء الحكم. من المؤكد، كما أعتقد، أنه عند إنارة العقل بشكل كبير، يتبع ميل كبير نحو الإرادة، وبذلك إذا رأينا بوضوح شديد أن شيئاً ما ملائم لنا، فسيكون ذلك صعباً بالنسبة إلينا (أعتقد، حتى مستحيل)، طالما مكثنا في هذه الحالة الذهنية ضمن سياق رغبتنا".

المزيد من آراء