Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل الإنسان حر؟ (الجزء الرابع)

الغزالي: الله هو المريد لكل ما موجود في الوجود الطبيعي والكوني والماورائي

يؤمن الغزالي أن لا موجود في العالم وفي الكون إلا وهو حادث بفعل الله (رويترز)

تناولنا في الحلقة السابقة المعتزلة الذين تصدوا إلى الجهمية في مفهومها الجبري إلى الحرية. فالعدل الإلهي يقتضي أن يكون الإنسان مختاراً وليس مجبراً في أفعاله، إذا ما كان سيثيبه الله عليها في الدار الآخرة، وإلا بطل التكليف، وكذلك استندوا إلى آيات قرآنية تفيد الحرية والاختيار والحركة في أفعال الإنسان. وأكد كبيرهم واصل بن عطاء، حرية الإنسان بالتصرف على العمل وضده.

الغزالي

يرى أبو حامد محمد الغزالي (450-505 هـ/ 1058-1111 م) أن المعتزلة بالغوا في مشكلة الحرية، فوفق رأيه، أن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم. "وأنه مريد للكائنات مدّبر لها، فلا يجري في الكون قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكران، فوز أو خسران، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان، لا يجري شيء من ذلك إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يخرج عن إرادته لفتة ناظر أو فلتة خاطر، بل هو المبدئي المعيد، الفعال لما يريد. فلا رادَّ لأمره ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته. فلو اجتمعت الأنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها من دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك". (إحياء علوم الدين، الجزء الأول، الصفحة 107).

فلا موجود في العالم وفي الكون إلا وهو حادث بفعل الله وفائض من عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها. وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته، ولا يقاس عدله بعدل العباد، إذ العبد يُتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا يُتصور الظلم من الله تعالى، فإنه لا يصادف لغيره مُلكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً. فكل ما موجود هو مُلك لله وحده، ولذلك لا يُتصور الظلم في حق الله ما دام لا يصادف لغيره مُلكاً إذا تصرف فيه كان ظالماً.

والله تعالى "متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب ومتطاول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان، إذ كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب. ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن منه قبيحاً ولا ظلماً. وإنه عزّ وجلّ يثبت عباده المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم له، إذ لا يجب عليه لأحد فعل ولا يُتصور منه ظلم ولا يجب لأحد عليه حق. وأن حقه في الطاعات واجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه لا بمجرد العقل ولكنه بعث الرُسُل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة، فبلّغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده، فوجب على الخلق تصديقهم في ما جاؤوا به". (المصدر السابق، ص 108).

وأفرز الغزالي عشرة أصول يوضح فيها أفعال الله، سنتناول منها خمسة أصول ذات صلة بمسألة الحرية الإنسانية، وهي الأصل الأول والثاني والثالث والخامس والسادس.

الأصل الأول: إن كل حادث في العالم هو فعله وخلقه واختراعه لا خالق له سواه. خلق الخلق وصنعهم وأوجد قدرتهم وحركتهم، فجميع أفعال عباده مخلوقة له ومتعلقة بقدرته. أمر العباد بالتحرّز في أقوالهم وأفعالهم وإسرارهم وإضمارهم، لعلمه بموارد أفعالهم. وكيف لا يكون خالقاً لفعل العبد وقدرته تامة لا قصور فيها. (المصدر السابق، ص 130).  

الأصل الثاني: أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب، بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعاً. فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له. وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له، فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة فتسمى باعتبار تلك النسبة كسباً. فالله يحيط بعلمه كل ما يجري في العالم، والأفعال جميعها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب. (المصدر السابق، ص 130).

الأصل الثالث: أن فعل العبد وإن كان كسباً للعبد فلا يخرج عن كونه مراداً لله سبحانه، فلا يجري شيء إلا بقضاء الله وقدرته وبإرادته ومشيئته. ومنه الشر والخير، والنفع والضرّ، والإسلام والكفر. لا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، "لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون". ويدل عليه بالنقل والعقل. الأول، في قول الله عزّ وجلّ: "أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً". وقوله تعالى: "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها". والثاني، فإن المسلم لا يستجيز أن تجري المعاصي والجرائم وفق إرادة العدو إبليس من دون إرادة الله. وكيف يرد الله إلى رتبة لو ردت إليها رئاسة زعيم ضيعة لاستنكف منها؟ والمعصية هي الغالبة على الخلق، وهي تجري عند المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى. وهذه غاية الضعف والعجز، تعالى الله عن قول الظالمين علواً كبيراً. وإذا كان السؤال: "كيف ينهى عما يريد ويأمر بما لا يريد". أجاب الغزالي: إن "الأمر غير الإرادة". (المصدر السابق ص 130-131).

الأصل الخامس: أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه، خلافاً للمعتزلة، وإلا لاستحال سؤال دفعه وقد سأل المسلمون الله ذلك فقالوا: "ربنا لا تُحملنا ما لا طاقة لنا به". فلولا أنه يجوز على الله تكليف ما لا يطاق لما سألوا ألا يُحمّلهم ما لا طاقة لهم به. (المصدر السابق، ص 131).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأصل السادس: أن الله عزّ وجلّ إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق أو ثواب لاحق، خلافاً للمعتزلة، لأنه متصرف في مُلكه يعذب من يشاء من غير استحقاق من العباد من دون أن يكون في تعذيبهم ظلم لهم. الظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو محال على الله، فإنه تعالى لا يصادف لغيره مُلكاً حتى يكون تصرفه في ظلم. (المصدر السابق، ص 131-132).

وبالرغم من أن الغزالي يردّ على المعتزلة مبالغتهم في مفهومهم إلى حرية الإنسان الخالق لأفعاله، لكنه أشعري المذهب، والأشعرية لا تنفي الحرية بشكل قاطع، ولذلك تجد أنه في الأصلين الثاني والثالث يستخدم الغزالي كلمة الكسب والاكتساب، لكي يشير إلى نوع من الحرية الاختيارية لأفعال وحركات الإنسان. إنه موقف أقرب إلى التوافق مع مذهبه الديني أكثر من فكره الفلسفي.

من هنا، يرى الغزالي أن الإنسان يجمع بين الجبر والاختيار في الوقت ذاته. أما السؤال: كيف يكون مجبوراً مختاراً؟ أجاب الغزالي بشرح طويل أن الإنسان مجبور لأن جميع ما يصدر عنه حاصل فيه من غيره لا منه، كما أنه مختار لأنه محل لإرادة حدثت فيه جبراً بعد اقتناع العقل بضرورة الفعل. فالإرادة تتبع العلم الذي يحكم بأن الشيء موافق لك، فلا جرم أن تنبعث الإرادة بالعلم والقدرة بالإرادة ويحصل الفعل منك بعد ذلك. فأنت إذاً مجبور على الاختيار، أو "في عين الاختيار مجبور". (المصدر السابق ج 4، ص 1613).

وعن السؤال: كيف الجمع بين التوحيد والشرع؟ فالتوحيد يعني لا فاعل إلا الله، والشرع يعني إثبات الأفعال للعباد، أجاب الغزالي بأن للفاعل معنيين، فكما يقال: "قتل الأمير فلاناً، ويقال قتله الجلاد، ولكن الأمير قاتل بمعنى، والجلاد قاتل بمعنى آخر، فكذلك العبد فاعل بمعنى، والله عزّ وجلّ بمعنى آخر. فمعنى كون الله فاعلاً أنه المخترع الموجد، ومعنى كون العبد فاعلاً أنه المحل الذي خلق فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق فيه العلم، فارتبطت القدرة بالإرادة والحركة بالقدرة ارتباط الشرط بالمشروط، وارتباط بقدرة الله ارتباط المعلول بالعلة وارتباط المخترع بالمخترع، وكل ما له ارتباط بقدرة فإن محل القدرة يسمى فاعلاً له كيفما كان الارتباط". ومن أجل توافق ذلك وتطابقه، نسب الله تعالى الأفعال في القرآن مرة إلى الملائكة ومرة إلى العباد ونسبها بعينها مرة أخرى إلى نفسه. وعليه، فلا حق إلا الحي القيوم القائم بذاته، وكل ما سواه فقائم بقدرته، واسم الفاعل له بالحقيقة ولغيره بالمجاز. (المصدر السابق، ص 1615).

وهكذا هو مفهوم الغزالي لمشكلة الحرية، فالله هو المريد لكل ما موجود في الوجود الطبيعي والكوني والماورائي، وحتى مفهومه لأفعال الإنسان في "الكسب" و"الاكتساب" يراها ليست مناقضة إلى الجبر والاختيار، إذ يرمي الغزالي إلى جعل فعل الإنسان أن يكون في منزلة بين المنزلتين، أي حرية وسطية محدودة.

المزيد من آراء