Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يحق للعلوم أن تزاحم الفلسفة في البحث عن الحقيقة؟

لا يستطيع العلماء مهما استعلوا أن يتخلوا عن الفلاسفة ومهمتهم الـتأصيلية

الفيلسوف في مواجهة العالم (رسمة من منشورات جامعة اوكسفورد)

منذ الزمن الإغريقي حتى القرن السابع عشر، كانت العلوم تلازم الفلسفة ملازمة وثيقة، حتى إن بعض العلوم كالفيزياء كانت تبحث عن أصولها ومبادئها في التنظير الفلسفي. في البدايات الفلسفية الإغريقية، كان الفرد الواحد قادرا على الإلمام بجميع حقول المعرفة الممكنة. وكان الفلاسفة علماء عصرهم، إذ إن العلم كان شرطا أساسيا من شروط الحكمة، بحسب أفلاطون. ومن ثم، ترسّخ العقد بين الحكمة والعلم على تعاقب العصور حتى قال سبينوزا في القرن السابع عشر إن فلسفته يمكن أن تضبط ضبطا منهجيا في صورة الاستنباط أو الاستدلال (déduction) الرياضي. منذ أيام طاليس حتى زمن برغسون، استحسن كثير من الفلاسفة اكتساب المعارف العلمية، فشاع عن أفلاطون تمكّنه من الرياضيات، وعن أرسطو استغراقه في الطبيعيات، وعن ديكارت إلمامه بعلم الجبر، وعن كانط إحاطته بالفيزياء، وعن برغسون وقوفه على دقائق العلوم البيولوجية.

من جراء انتشار المذاهب الوضعية، لا سيما مذهب أوغست كونت، عمدت العلوم رويدا رويدا إلى التخلي عن الفلسفة، من بعد أن اجتاحت كل ميادين الواقع الطبيعي والإنساني، تاركة الفلسفة، خصوصاً الماورائية التأصيلية، ترزح تحت أعباء التشكيك والرذل والاحتقار. يعلن كونت في قسوة قلّ نظيرها أن "الماورائيات أو الميتافيزيقا مرض مزمن لصيق لصوقاً طبيعياً بتطورنا الذهني الفردي أو الجماعي، يصيبنا بين الطفولة والرجولة"، أي بين زمن الطفولة اللاهوتي وزمن الرجولة العلمي الوضعي. لا غرابة، من ثم، أن تصبح الميتافيزيقا، على حد قول كانط، حقل معركة (Kampfplatz) تتجابه فيه، على أشد ما يكون التجابه، نظريات مجردة في الطبيعة والأشياء والكائنات.

أثر الثورات العلمية في الفكر الفلسفي

يعجب الفيزيائي الألماني هرمان فون هلمولتس (Hermann von Helmholtz) من قسوة هيغل على نيوتون، ويعتبر أن الانتقادات اللاذعة التي ساقها هيغل متناولاً بها كرامة علماء زمنه أنشأت هوّة سحيقة بين أهل الفلسفة وجماعة العلماء. يعتقد بعضهم، ومنهم المؤرخ واللاهوتي اللوتري الألماني أدولف فون هارناك (Adolf von Harnack)، أنه ينبغي الكف عن التحسر على غياب الشخصيات الفلسفية العظمى في المنتصف الثاني من القرن العشرين، إذ إن هناك فلاسفة تبلغ قامتهم الفكرية مستوى التألق المسكوني الأرحب، ولكنهم ليسوا ناشطين في كليات الفلسفة الكلاسيكية، بل في كليات علوم الفيزياء. فلاسفة اليوم هم الفيزيائيون العباقرة من أمثال أينشتاين (Einstein) وبلانك (Planck) وهايزنبرغ (Heisenberg).

لا عجب، والحال هذه، أن تنفرد علوم المنطق والإبيستمولوجيا بمكانة بارزة تضعها على خط التقارب بين الفلسفة والعلوم، إذ إنها ما برحت تتصل اتصالاً وثيقاً بإشكاليات فلسفية أونطولوجية ومعرفية وأخلاقية، مع أنها خضعت، منذ منتصف القرن الثامن عشر، لمسرى شديد التعقيد من الترميز التجريدي أفضى بها إلى أن تصبح منطقاً رياضياً محضاً. لذلك صرّح أينشتاين أن العلم الذي لا يستند إلى إبيستمولوجيا (فلسفية) علم بدائي لا قوام له ولا شكل، وأن الإبيستمولوجيا (الفلسفية) التي لا يخصّبها ويثريها اتصالها الحثيث بالعلوم فارغة عقيمة. تناول نيوتون في كتابه "المبادئ الرياضية" مسائل فلسفية تتعلق بالمنهجيات وبالميتافيزيقا، ومنها على سبيل المثال الاستفسار عن المكان والزمان هل يتسمان بسمة الإطلاقية أم بسمة النسبية والانتساب العلائقي؟

لذلك يجب الاعتراف بأن العلوم أثّرت تأثيراً بليغاً في إعادة صوغ الإشكاليات الفلسفية. على سبيل المثال، أفضت نظرية النسبية ونظرية ميكانيك الكم إلى تغيير السياق الفلسفي المعتمد في جانبين اثنين. في الجانب الأول، تمكنت هاتان النظريتان من تناول المسائل النظرية الفلسفية الأساسية تناولاً حرّاً من كل وصاية، وفي طليعة هذه المسائل طبيعة المكان والزمان، وبنية العالم السببية، والفرضيات المتصلة بأصل الكون أو أصوله وصيروراته ومآلاته. في الجانب الثاني، شككت هاتان النظريتان في الصلاحية المطلقة التي كانت الفلسفة تنسبها نسباً قبْلياً إلى حقول من المعرفة التقليدية شتى، منها على سبيل المثال علم الهندسة الإكليدي والحتمية السببية ومبادئ المنطق الأرسطي القديم. فما لبث مثل هذا التشكيك أن استثار أزمة عميقة في مسرى التفكير الفلسفي أصابت بضعاً من النظريات الفلسفية المتواترة، ومنها نظرية كانط الشهيرة في الأحكام التركيبية القبْلية. في هذا السياق أيضاً، ينبغي إلقاء البال إلى آثار هذا التشكيك في تعليل أخلاقيات الكائنات الحية، على ما ذهب إليه الباحث النمساوي في علوم الحيوان والطيور ومسلكياتها كونراد لورنتس (Konrad Lorenz) حين صاغ نظرية بيولوجية تخالف المسلمات الأنثروبولوجية التي اعتمد عليها كانط.

دفاع الفلسفة عن خصوصيتها ورسالتها

غير أن الفلاسفة ما استكانوا إلى هذه الوضعية، فهبّوا ينجدون الفلسفة ويدافعون عن خصوصيتها اللصيقة بها. ها هوذا هوسرل يروم أن يجعل الفلسفة علماً دقيقاً صارماً بواسطة تحليل معطيات الاشتباك الجدلي بين مقاصد الوعي واعتلانات الوقائع التي يتناولها الوعي نفسه في تنوع تجلياتها. وها هوذا هايدغر يفضح عقدة الانتقاص الذاتي التي تعتصر وعي بعض الفلاسفة الذين هالهم نجاح العلوم وفلاحها في تفعيل التقنيات المعاصرة وتجويد أدائها، فطفقوا يستميتون في تبديل طبيعة النظر الفلسفي حتى يصبح ملائماً لمقتضيات الفحص العلمي. والحال أن الفلسفة، في نظر هايدغر، تضطلع بمهمة فريدة لا تستطيع العلوم على الإطلاق إنجازها، عنيت بها النظر التأملي الصبور في كينونة الكائنات، أي في جوهرها المنحجب الذي يتجلى علينا في هيئاتٍ شتى.

حدود العلم، بحسب هايدغر، أنه لا يفكر. جل ما يستطيع العلم أن ينجزه إنما يقتصر على تفحّص الأشياء والتحري عن الكائنات واستقصاء الموجودات وتعقب الأحداث. وحدها الفلسفة تفكر، إذ إنها تنظر في عمق الأعماق، في معنى الكينونة ومغزى الوجود وجوهر اللغة ودعوة الإنسان ورسالة الكون كله: "مثل هذا الفكر لا نتيجة له، ولا ينتج أي أثر. إنه يلبي ماهيته حين ينبسط انبساطاً ذاتياً ويتيح للكينونة أن تكون على ما هي" (هايدغر، رسالة في الإنسية). وهذا كله تعجز عنه العلوم عجزاً مطلقاً، ليس لمجرّد عيب ناشب فيها، بل لأنها تلتزم حدود اختصاصها الحقلي وأحكام نشاطها المعرفي وضوابط عملياتها الإبيستمولوجية. لذلك لا تني الإنسانية تحتاج إلى الفلسفة حاجتها إلى فسحة حرّة من التأملات المجانية التي لا تغيّر في الواقع، بل تجعله ينطق بمكنونات أسراره اعتماداً على حركيته الذاتية العفوية الطبيعية.

لا تستطيع العلوم، حين تصحو من زهوها الاستعلائي، أن تتخلى عن الفلسفة، إذ إنها تدرك أن البحث العلمي يستند إلى تصورات أصلية وخلفيات ناظمة وتحتيات نظرية ومفترضات أساسية، لا تقوى العلوم على تناولها تناولاً فكرياً مستقلاً عن مباحث التأصيل الفلسفي. ذلك أن كل علم إنما يستند إلى قرار متافيزيقي تأصيلي ضمني يحدد، على وجه الاستباق، طبيعة الكينونة أو بالأحرى ماهية الحقل الواقعي الذي يستكشفه ويتحرى عنه. خذ الفيزياء المعاصرة، تجد أنها ما برحت مقترنة بتصوّر الطبيعة تصوراً رياضياً حسابياً نشأ عند غاليليو واتسقت نظمه وعناصره ومعالمه عند ديكارت.

وعلاوة على ذلك، لا يجوز للعلوم أن تتخلى عن الفلسفة، إذ إن عملها الأصلي يقتصر على وصف الوقائع وتحليلها، في حين أن الفلسفة تستطيع أن تنظر في ما يجب أن تكون عليه هذه الوقائع بالاستناد إلى خلاصات التحليل العلمي الذي يقف عند حدود الوصف الموضوعي المجرد. يمكن للعلوم أن تزوّدنا بوسائل الفعل، غير أنها لا تُعنى بمقاصد الفعل وغاياته ومعانيه. لذلك بُنيت العلوم على عقلانية أداتية وسيلية تقنية، في حين أن الفلسفة نشأت على عقلانية المعنى الإنساني الأشمل. فلا عجب، من ثم، أن تصرف العلوم نظرها عن القيم، إذ إنها تعتصم بالحياد المطلق في مسألة تعيين قيمة المسلك الإنساني. لذلك حين تعود العلوم إلى رشدها، تدرك أن وظيفتها تقنية لا تتجاوز حدود الاستقصاء الموضوعي الرامي إلى استجلاء مكونات الوقائع. فليس من النافع لها أن تناصب الفلسفة العداء، إذ توشك أن تقضي على فائدة أبحاثها وتلغي دورها التمهيدي المفيد. لا يمكن للعلوم أن تنوب مناب الفلسفة في استجلاء معنى الوجود، إذ إن وظيفتها تقتصر على شرح البنى الموضوعية التي يتألف منها الكون والأشياء والموجودات، وأملها بأن ينكبّ الفلاسفة على استنطاق هذه البنى واستخراج معانيها الإنسانية الأرحب.

من شروط التواضع الفلسفي التأمل الرصين في خلاصات العلوم

بيد أن الفلسفة ينبغي لها أيضاً أن تتضع اتضاعاً علمياً صادقاً. لا يخفى على أحد من أهل الاطلاع أن الفلسفة تقوم على طلب المعرفة الأعمق والأشمل والأرحب، وتروم بلوغ الحقيقة في كل شيء، من غير أن تدّعي القدرة على إنجاز مشروعها واليقين النهائي في ختم مباحثها. كذلك العلوم تتحرى عن الحقيقة في كل شيء، إذ إنها تنظر نظراً فاحصاً في قوام الكائنات والموجودات والأشياء والأحداث، فتبني من نظرها هذا نظرية متماسكة متناسقة تحمل في مطاويها عوامل تقويمها وعناصر تطورها وأسباب تقدمها. لذلك قال ألكساندر كويره (Koyré) إن العلم في جوهره تيوريا (theoria)، أي بحث مطّرد في الحقيقة وعنها (ألكساندر كويره، دراسات في تاريخ الفكر العلمي، 1973، ص 397).

لا يمكن تعيين مفهوم العلوم إلا بالاستناد إلى مبحث الحقيقة الناشط في المسعى الفلسفي. غير أن العلوم قد تغرق في التجريد الرمزي، فتنفصل عن الحياة انفصالاً حاداً، وتهمل مسألة المعنى والقيم، فتلقي بنا في لجّة الغموض والارتباك، وتجردنا من قدرتنا على فهم العالم حتى لنصبح أسرى الصمت الأبدي الذي يكتنف الفضاءات اللامتناهية، على حد تعبير باسكال. يصمت الإنسان أمام العلم حين تغرق النظريات العلمية في الاستقصاء والتنقيب وابتكار الرموز، فتخرج بمعادلات رياضية يستحيل على الإنسان أن يستوعب دلالاتها، في حين أنها تدّعي الإمساك بقراراته التقنية الضرورية والمسلكية العملية والطبية المصيرية. من يستطيع، والحال هذه، أن يحسم تضارب النظريات في مسائل المادة والرحابة الكونية، والاستنساخ وتعديل التركيبة الجينية واستزراع المحسنات البيولوجية، واستعمار الكواكب القريبة واستثمار طاقات الفضاء الشاسع، وما إلى ذلك من قضايا علمية شديدة الوقع والأثر في توجيه مسلك الناس الحياتي اليومي؟

سمات التقارب والتباين بين الفلسفة والعلوم

يعرف ديكارت الفلسفة، في كتابه "مبادئ الفلسفة"، بأنها "دراسة الحكمة التي لا تشير إلى التفطن في الأمور فحسب، بل إلى معرفة الأشياء معرفة كاملة على قدر استطاعة الإنسان العارف، وذلك كله من أجل صون مسلك الإنسان الحياتي، ورعاية صحته، وابتكار الفنون على مختلف أشكالها". تسعى الفلسفة والعلوم إلى معرفة الواقع في كلّيته. لكن كلّية الواقع تعني في المنطق العلمي مجموع الظواهر، في حين أن هذه الكلّية تشير في المنطق الفلسفي إلى أساس الواقع وحقيقته الأعمق والأبعد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تُعنى الفلسفة والعلوم بالمعرفة. غير أن المعرفة الفلسفية تختلف عن المعرفة العلمية. تشترك الفلسفة والعلوم في مسؤوليات معرفية جليلة، فتتناصر على انتقاد الرأي العام والمعرفيات الخاطئة المتوارثة التي لا تستند إلى حجة البرهان العقلي، وتلجأ إلى العقل في سبر أغوار الوقائع والظواهر والأشياء، وتستخدم التجريد النظري من أجل الفوز بأفضل التعريفات الجامعة المانعة، وتبحث بحثاً صادقاً عن الحقيقة في كل قضية، وتبني منهجها على المسعى الاستكشافي المفتوح المشرع على آفاق الحدود القصوى التي تجعل الخطاب الفلسفي والخطاب العلمي نصاً حيّاً متطوراً لا إغلاق فيه ولا استبانة قاطعة.

أما ما يميز الفلسفة عن العلوم، فيمكن حصره في أربع مسائل: تُعنى العلوم حصراً بالوقائع، في حين أن الفلسفة تنظر في القيم؛ تتسم العلوم بسمة المنهج الكمّي التراكمي، في حين أن الفلسفة تعتمد المنهج النوعي الاصطفائي؛ لا تطيق العلوم الحكم على الوقائع، إذ إن العلم لا يفكر، بحسب هايدغر، أما الفلسفة فتجيز لنفسها أن تميّز من غير فصل، وأن تقوم من غير قطع، وأن تحكم من غير إدانة؛ رابعاً، تسعى العلوم إلى الفوز بيقينيات علمية مبرهنة، في حين أن الفلسفة تروم استخراج الاعتقادات العقلانية المبنية على الوضوح والملاءمة والفاعلية الوجودية. يضيف بعض الفلاسفة اختلافاً مربكاً، من غير أن يتفقوا على مضمونه، إذ يعتقد بعضهم أن العلوم غايتها القصوى المنفعة العملية، في حين أن الفلسفة تنزّه نفسها عن النفع الآني، فتسلك سبلاً ودروباً لا تفضي إلى أي موقع من المواقع المرجوة، على حد تعبير هايدغر في كتابه "دروب الغابة" (Holzwege).

المزيد من ثقافة