الجزائر... حكومة تصريف الأعمال تسعى إلى "شراء" انتخابات الرئاسة بقرارات شعبوية

"النظام المؤقت" يعمل وفق خطة مبنية على ارهاق الحراك الشعبي وتقسيم الشارع واضعاف المعارضة

طلاب جزائريون يرفعون شارة النصر مقابل قوات مكافحة الشغب خلال تظاهراتهم الأسبوعية في العاصمة (رويترز)

يبدو أن السلطة المؤقتة القائمة في الجزائر "لا تبالي" بما يرفعه الحراك الشعبي من مطالب منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، إذ بدأت الحكومة التي يرأسها نور الدين بدوي، باتخاذ إجراءات ترى أنها تصب في مصلحة الشعب، بينما يرى الشارع أنها "استفزازية"، وتندرج في سياق محاولات الالتفاف على الحراك وتوجيه مطالبه السياسية وتحويلها إلى اجتماعية، بخاصة أن بعض القرارات المتخذة أخيراً كانت مجمدة في وقت سابق استجابةً للوبيات "الفساد".


تغيير النظام... لا لتغيير السيارات

وتعمل الحكومة بقيادة نور الدين بدوي بأريحية، بعد تمكنها من تجاوز غضب الشعب الذي يرفضها ويطالبها بالرحيل ويطارد وزراءها أينما حلوا. وعلى الرغم من تحرك الطاقم الحكومي خفيةً، إلا أن حضورها بات لافتاً عبر إجراءات وقرارات تُتخذ وتصنع الحدث وتجلب إليها اهتمام الشارع، الذي يرى أن "تحركات" حكومة بدوي تندرج في إطار السعي إلى إخماد الحراك الشعبي، حيث اعتبرت فئة أن قرار العودة إلى استيراد السيارات المستعملة، يُصنَّف ضمن محاولات الالتفاف على مطالب الشعب الداعي إلى "تغيير جذري للنظام لا للسيارات"، بينما ربطه آخرون بالانتخابات الرئاسية، وصنفوه في إطار شراء السلم الانتخابي. وراحت جهات أخرى إلى القول إن "النظام حاول شراء ذمم المتقاعدين بزيادات لا معنى لها، والآن يحاول شراء ذمم الشباب بفتح استيراد السيارات. يبدو واضحاً أن العصابة ما زالت تحكم".



إجراءات حكومة بدوي... "رشوة"؟

في السياق ذاته، قال الخبير الاقتصادي الجزائري، إسماعيل لالماس إن "رفع الحظر عن استيراد السيارات المستعملة ليس من صلاحية حكومة تصريف الأعمال التي يقودها نور الدين بدوي، ولا رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح"، مؤكداً أن "قراراً كهذا لا بُد من أن يمر عبر قانون المالية". وأضاف أن "الحكومة أقدمت على هذه الخطوة من دون الرجوع إلى التفاصيل القانونية المهمة"، مشدداً على أن هذه الخطوة هي محاولة لاحتواء "الحراك الشعبي"، مضيفاً أن "الشعب لم يطلب السماح باستيراد سيارات أقل من 3 سنوات أو أقل من 5 سنوات، بل يطالب برحيل الحكومة".
وتحركت الحكومة اجتماعياً في قطاعات عدة، ونشطت عشية شهر رمضان لتأمين حاجات الأسواق من السلع، بخاصة الغذائية منها، وكثفت دوريات الرقابة، وفتحت أسواقاً مؤقتة تُقنن فيها الأسعار مع هامش ربح محدد. وكشف مدير ضبط الأسواق ومكافحة الغش بوزارة التجارة، رضا محمد جواد، أن الخطة تعتمد على إغراق الأسواق بالمنتجات الزراعية وإخراج ما كان مخزّناً في غرف التبريد، مؤكداً أن "الأسواق ستخضع لرقابة شديدة".
وبقدر ما تمكن بدوي وطاقمه من تجاوز مرحلة الخطر، تجاوزوا أيضاً في المقابل حدود مهمات "تصريف الأعمال"، بعدما وجه رئيس الحكومة مذكرة إلى وزارة المالية لوضع مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، لبدء تحضير الإجراءات التشريعية والمالية للعام 2020.


 



إجراءات اجتماعية لتحقيق مكاسب سياسية

وفي وقت اتخذ بدوي جملة قرارات اجتماعية "تحفيزية"، وقعّ في المقابل مرسوماً تنفيذياً صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، يحدد إجراءات اكتتاب التوقيعات الفردية لمصلحة المرشحين لانتخابات رئاسة الجمهورية والمصادقة عليها، في تناغم مع رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، ورئيس الأركان أحمد قايد صالح، على الرغم من رفض الشعب والمعارضة. 
ويكشف ذلك عن تمسك "النظام الجديد المؤقت" بخريطة طريق وضعها بإتقان، مبنية على إرهاق الحراك الشعبي بتأخير الالتفات إليه، وتقسيم الشارع بإجراءات اجتماعية، وإضعاف المعارضة بورقة "الخيانة والفساد والتآمر".

ليونة بدوي يقابلها رفض شعبي

وعلى الرغم من حرص المؤسسة العسكرية على أن تمر البلاد بشكل آمن نحو التغيير الديمقراطي عن طريق الدستور وعبر تنظيم انتخابات تنظمها السلطة وتحرص على نزاهتها، إلا أن فئة واسعة من الشعب ترفض تنظيم انتخابات على يد وجوه من النظام الفاسد، مثل بدوي وبن صالح، على اعتبار أن "مَن كان سبباً في الفساد لا يمكن أن يكون طرفاً في الحل"، وعليه يبقى تحقيق بنود خريطة الطريق مؤجلاً إلى وقت آخر. ويشير مراقبون إلى أن قرارات حكومة بدوي، بدءاً بقرار استيراد السيارات المستعملة، الذي عجزت حكومات عدة عن تحريكه، إضافة إلى منح اعتمادات للأحزاب، والترخيص لنشاط الجمعيات، وإلغاء الرسم الإضافي عن بعض السلع لخفض أسعارها، تُصنف ضمن محاولات استرضاء الجزائريين وشراء السلم الاجتماعي.

المزيد من العالم العربي