Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أنيكا رايتس تروي أحداث ميدان القاهرة بعين ألمانية

في "الليالي: شغف المتاهات الحزينة" تستعيد الأسرة المصرية المهاجرة حماستها الوطنية

الإحتجاجات في القاهرة بريشة الرسام محمد عبلة (صفحة الرسام على فيسبوك)

في رواية الكاتبة الألمانية أنيكا رايتس "الليالي: شغف المتاهات الحميمة" (دار كنعان- سوريا) ترجمة إلياس حاجوج، تتوزع الأحداث بين مصر وألمانيا في الفترة بين 2011 و 2015، عبر "سيرا" دارسة الطب المتحدرة من أسرة مصرية مهاجرة، إلا أن علاقتها ببلدها الأصلي تستمر من خلال زيارات لأقاربها في مصر. وهناك أسرة "آدا" التي تصور فيلماً برفقة المخرج المسرحي "أولاف"، ومعدة الإضاءة "ريجينا"، عن أسر ألمانية عايشت سقوط جدار برلين. تتوطد العلاقة بين الأسرتين، على الرغم من اختلاف ثقافتيهما، ذلك الاختلاف الذي يجسده فيلم آخر تصوره "آدا" عن مشاعر الأزواج في محيط العائلتين وانفعالاتهم الجسدية، فيما  ترصد "سيرا" خلال زياراتها لمصر عديداً من عادات أهلها وتقاليدهم، والأحداث السياسية، والجماعات الفاعلة في المجتمع.

حراك مستحيل

تظهر الثورة المصرية في الرواية كحدث مركزي. بداية من والد "سيرا" الذي يحثها على زيارة مصر، وأن لا داعي لتخوفها من أن يحدث لها أي سوء. ولكن ما إن تطأ "سيرا" أرض مصر، حتى تجد نفسها متورطة في الترتيبات للثورة برفقة ابنتي عمتها، "مريم" و"نهلة". تدون ما جاء في الصحف المحلية عشية اندلاع الثورة من قبيل: "مصر تنهض، ومبارك يحقق أعلى مستوى من الأمن الاقتصادي لبلده". وتتابع تظاهرات واعتصامات أمام مبنى البرلمان اعتراضاً على تردي الأحوال المعيشية، وأجواء ترقب ما سيحدث يوم الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني)، ثم تدفق المتظاهرين على ميدان التحرير، وتصدي الشرطة لهم، وصولاً إلى ما سمي "جمعة الغضب"، وهو اليوم الذي انسحبت فيه قوات الشرطة بعد فشلها في مواجهة الحشود الغفيرة التي خرجت تهتف مطالبة بسقوط النظام، وبالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية رافعين شعار "سلمية، سلمية".

وترصد أنيكا رايتس بقوة تفاصيل ثورة مصر، وما يدور في ميدان التحرير، قطع الاتصالات والإنترنت، واللافتات المرفوعة من قبل المصريين، وإطلاق القناصة الرصاص الحي على المتظاهرين، وخطاب الرئيس الأسبق حسني مبارك العاطفي في 1 فبراير (شباط) الذي كان يظنه المحتجون أنه سيكون خطاب التنحي، ذلك الخطاب الذي أثر في كثيرين فجعلهم يغادرون الميدان. إلا أنه في اليوم الثاني جرى ما جرى، حين هاجم "البلطجية" ميدان التحرير، راكبين على الجمال في ما عرف إعلامياً بموقعة الجمل.

بعد وثائقي

تلك الثورة التي جرت في مصر، جعلت والد سيرا يستعيد حياته في مصر، ويكثر من سماع أم كلثوم، ويحث ابنته على المشاركة بقوة في الثورة. ومن الجدير بالذكر، أن ثورة يناير أعادت كثيراً من الطيور المهاجرة المصرية إلى الوطن مرة أخرى بعد حدوث المعجزة. وقد رصدت روايات مصرية ذلك الأمر مثل رواية "وطن الجيب الخلفي" لمنى الشيمي، و"أنا أروى يا مريم" لأريج جمال.

تنقتل "أنيكا" من أحداث 2011، والدماء التي دفعها الشباب من أجل بلادهم واستعدادهم للتضحية بأنفسهم في سبيل ذلك، والحماسة التي كانت تملأهم، إلى 2013، حيث الانكسار وخيبة الأمل بصعود الإخوان المسلمين إلى الحكم، ثم ما جرى في 3 يوليو (تموز). تقول إحدى الشخصيات التي التقتها سيرا في ميدان التحرير بعد عامين من اندلاع الثورة معبرة عن حال الشباب، "لم نعد نريد النضال، لم نعد نعرف بمن يمكننا أن نثق... لقد شقوا صفوفنا، لم نعد شعباً واحداً. نحن إما مع العسكر أو ضد العسكر، إما مع الإخوان المسلمين أو ضد الإخوان المسلمين، لقد دمروا كل ما جعلنا في تلك القوة آنذاك... لقد استغلنا العسكر. أما في ما يخص الحقوق المدنية فلننس. فهم يزجون المدنيين في السجون بكل بساطة " ص245.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبدو المؤلفة أدرى بالسياق المصري الاجتماعي في بعض أجزاء الرواية أكثر من المترجم الذي نقل نصها إلى العربية، ومنها ترجمة شعارات الثورة المصرية في شكل حرفي، كما هي رفعت بالعربية في مثل "كن فخوراً فأنت مصري" لكن الشعار كان "ارفع رأسك فوق أنت مصري" وكان من أهم الشعارات التي هتف بها المصريون في ثورتهم. ترجمته لليوم الذي يعرف بأنه "موقعة الجمل" باسم "يوم الجمل"، ويورد اسم صفحة "كلنا خالد سعيد" على "فيسبوك" التي تنسب إليها الدعوة لثورة يناير باللغة الإنجليزية داخل الرواية، بينما الصفحة كانت باللغة العربية. أما في ما يتعلق بالجانب الألماني، فهناك كثير من السياقات الثقافية الألمانية التي تستحضرها الراوية من أسماء ممثلين وشخصيات وأحداث ألمانية خاصة وصرفة، لا يضع لها المؤلف أي هامش من أجل جعل القارئ العربي يفهم السياق المترجم بشكل أفصل.

استعادة هوية

تمثل قضية الهوية عنصراً أساسياً داخل الراوية، وعنصراً من عناصر الصراع النفسي داخلها، بخاصة مع الشخصيتين الرئيستين فيها "سيرا" التي ولدت في ألمانيا لأب وأم مصريين. فمصر بالنسبة إليها نزهة، لكنها تجد نفسها في أتون الثورة المشتعلة مع بنات عمها وأصدقائهن المستعدين للتضحية من أجل مصر. وهي تشاركهم الفعل مستعيدة هويتها المصرية التي ظنت أنها لا تهمها، حتى والدها المقيم في ألمانيا أصبح يتحدث كأنه رائد وقائد لهذه الثورة، واستعاد الهوية مرة أخرى. الهوية الألمانية حاضرة أيضاً في حدث سقوط جدار برلين، وتتجلى أيضاً في نظرة الغربيين الدونية إلى الشرقيين، في رفض والدي "آدا" أن ترتبط بفريد لأنه ليس ألمانياً. ويمثل الاختلاف في الثقافة بين فريد و"آدا" سبباً من أسباب انفصالهما. فـ"آدا" التي تشعر بالحزن الشديد والدونية بأن يفضل عليها حبيبها السابق فتاة مصرية تتفق مع طبيعته ومع معتقده ومع وطنه، تتذكر حياتها معه قبل الانفصال، وأنهما لم ينسجما بتاتاً مع بعضهما بعضاً ، فهو رجل عربي وهي كاثوليكية من منطقة الراين.

المزيد من ثقافة