Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصورة تحمل نصا مرئيا والأيديولوجيا توقعها في التزوير

الأميركي و.ج.ت. ميتشيل يبحث في جذورها الفلسفية والصراع حول رمزيتها

فتنة الصورة: فوتورغرافيا سامر معضاد (صفحة المصور على فيسبوك)

في الكتاب المترجم حديثاً إلى العربية (2021) والصادر عن دار هيئة البحرين للثقافة والآثار "الإيقونولوجيا: الصورة والنص والإيديولوجيا"، يطرح المفكّر في الجماليات، الكاتب الأميركي و.ج. ت. ميتشل (1942)، تصوراً هو كناية عن علم جديد، سيكون له دارسون ومتابعون، على مدى الأعوام اللاحقة، في الثلاثة عقود ونيّف التي تفصلنا عن صدوره بالإنجليزية (1986). وللعلم، بذل المترجم والكاتب السوري عارف حديفة جهوداً مضنية لنقل الأفكار الفلسفية والفكرية الدقيقة إلى جمهور القراء العرب، وبلغة عربية بليغة ومعجم فلسفي دقيق.

قبل الشروع في الكلام عن الكتاب في فلسفة الأيقونة أو الصورة، في الإطار الثقافي الغربي، بل في مجتمع المعرفة هناك، لا بد من إشارة مقتضبة إلى أعداد الإصدارات الجامعية ومراكز الأبحاث البينية (المتعددة الميادين) التي لا تكاد تُحصى والتي لا تقتصر معالجاتها على ظاهرة المرئيات في حياتنا المعاصرة فحسب، بل تتعدّاها إلى البحث في الجذور الفلسفية للمرئيات، وعلى رأسها الصورة. وتلك بيّنة لا يمكن إغفالها للدلالة على راهنية الموضوع، وأرجحيّته لكونه متصلاً بالاتجاهات والعادات والميول التي تستثيرها الصورة الثابتة والمتحركة والمنقولة عبر أدوات التواصل والسينما والإعلانات والمعارض، والتي تستدعيها النصوص الأدبية وغيرها.

إذاً، يمكن القول إن كتاب ميتشيل يندرج في باب النظر الفلسفي في طبيعة الصورة، وفي الفروق بينها والنصوص، وفي مكان الأيديولوجيا ومدى توظيفها كأداة جذب وإدراك وتحريض وخلاف سياسي بين الجماعات، وفي وجهات النظر المختلفة منها، من خلال السياق الفلسفي الغربي، من منتصف القرن السادس عشر وحتى أواخر القرن العشرين. ومن هذا القبيل، يقول الكاتب في معرض تأريخه للصورة في السياق الفكري الغربي، إن "الحرب الأهلية في إنجلترا (1642-1651) دارت حول قضية الصور" (ص:23)، وإن للصورة، في كل حرب حصلت في أوروبا، من القرن الثامن عشر حتى العشرين، متوّجة بحروب النازية والشيوعية التي مضت شعاراتها وصورها تسبق ميادينها، وتليها.

الصراع التاريخي

وإن كان الكاتب اكتفى بدرس حقبة حديثة، نسبياً، وأغفل حقباً أخرى أقدم من هذه، فإنه يسعنا التذكير بأن لتلك الحرب أمثلة تمتدّ لما قبلها بكثير، أي إلى القرون الوسطى؛ وخير مثال على ما أقول حرب الأيقونات التي جرت فصولها بين فريقين من المسيحيين الأرثوذكس، في الإمبراطورية البيزنطية، عنيتُ بين فريق محطّم الأيقونات والصور، باعتبارها علامات على الوثنية، وبين فريق آخر ناظر إلى الأيقونات (العذراء مريم والسيد المسيح، على سبيل المثال) باعتبارها تمثيلاً رمزياً للإله المتجسد أو للقديس، ليس إلا. ولم ينتهِ الصراع بين الفريقين إلا إثر مجمع نيقيا الثاني (787م) الذي انتصر فيه التيار الثاني، فأعيد الاعتبار إلى الأيقونات ومَن تمثّلهم.

ولو أضاف القارئ إلى حرب القروسطية حروباً أخرى شهدتها بدايات المسيحية، في مصر، وظهور "داعش" في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، وتحطيمه كل ما يخالف نظرته من شواهد وأوابد ومقامات دينية حيثما حلّ في العراق وسوريا، لاتّضح له شمول هذه الظاهرة مجمل المراحل المفصلية في تاريخ الشعوب والحضارات، والتي تشهد انقلابات في الرموز (الصور والتماثيل والأضرحة والآثار، إلخ) الدالّة على ذوي السلطة في البلاد المعنيّة والحاملة تراثات ولغات عريقة.

بالعودة إلى موضوع الكتاب الرئيس، يشرع الكاتب ميتشيل في تعليل الأيقونولوجيا، بالقول إنه العلم الذي يُعنى بدراسة "ما يقال عن الصور"، والذي وجد له أصولاً في كتاب "الصور" لأحد الكتّاب اليونانيين يُدعى فيلوستراتس دوليمنوس (200-230م)، مروراً بالقرن السادس عشر وبروز كتاب "الأيقونولوجيا" عام 1592، لمؤلفه الإيطالي سيزار ريبا (1555-1622)، وهو كناية عن موسوعة فنية ضمت ما يقارب 160 مرموزة ذات دلالة خاصة، وقد عُنيَ ريبا بصياغتها على نحو تعليمي، وصولاً إلى القرن العشرين مع الكاتب إروين بانوفسكي ( 1892-1968) الذي استأنف البحث في هذا العلم، وأرساه على أسس تقنية وعلمية لم يسبق النظر فيها.

يُفهم من مقدمة الكتاب أنه لن يكون استعادة للتعريف التقني بالأيقونة (أي العلامة أو الرسمة الدالة على شيء أو مرجع في الواقع المادي، بعد أن كانت تعني رسماً منقوشاً على الخشب لقدّيس ما أو للإله في المسيحية)، إنما سيدرس فكرة الصورة بحدّ ذاتها، بل فلسفتها التي من تجلّياتها الأيقونة. وفي هذا الشأن، سيعرض لأهمّ وجهات النظر التي تقيم الروابط بين الصورة والنص، ثم يتناول، في القسم الأخير من كتابه، وظائف الصورة في ظل الأيديولوجيا، وكل ذلك ضمن الحدود الزمنية للقرون الأربعة الأخيرة، من أواخر السادس عشر، وحتى أواخر القرن العشرين. أما غايته من هذا العرض الانتقائي، فهي أن ينتقد "طريقة كل واحد من فروع المعرفة في الإفادة من مفاهيم الصورة المستعارة من الفروع المجاورة" (ص:26).

ابتكار المنظور

وأول السبيل إلى درس الصور وتبيّن الفوارق في تعيينها لدى الفلاسفة الغربيين، في الحدود الزمنية من أواخر عصر الأنوار حتى العصر الحديث، هو تعريفها بكونها "ابتكاراً للمنظور، أو طريقة لإنتاج حقائق ذات صلة بالعالمين المادي والروحي".

وإن عمد المؤلّف و.ج.ت. ميتشيل إلى تصنيف الصور خمس فئات هي: التخطيطية (الصور والتماثيل والتصاميم)، والبصرية (المرايا والصور على الشاشة)، والإدراكية الحسّية (معطيات الحس والأنواع والمظاهر)، والذهنية (الأحلام والذكريات والأفكار والخيالات)، واللفظية (الاستعارات والتشبيهات والأوصاف)، فإنّه سارع إلى التوضيح أن وظيفة أي صورة تختلف باختلاف السياق الذي تندرج فيه. ولا يزال حتى يرسم مسار الصورة في اللغة، إذ تحوّلت من كونها (الصورة) الفكرة الذهنية عن الشيء أو الكائن، إلى صورة بلاغية، في القرن الثامن عشر. وهذا ما خدم الشعراء الرومنطيقيين الذين أفادوا من الميل العام إلى استخدام الصور الشعرية وربطها بالصور التزويقية الحسية.

وفي قسم تالٍ من هذا الفصل، يعقد المؤلف مقارنات بين تصوّرات عدة حول الفوارق بين الشعر والرسم لدى كل من ليسينغ وشيلي وغيرهما في ما خصّ مكانة الصورة وفاعليتها لديهم. ولئن قال شيلي إن "الشعر متفوّق على الفنون الأخرى لأن واسطته غير طبيعية (اللغة)، وإن هذه الأخيرة ينتجها التخيّل اعتباطاً" (ص:138)، فإن ليسينغ يرى أنه "كما هو الرسم كذلك الشعر" (ص:90). وههنا، يخلصُ المؤلّف إلى رأي حاسم حول تلك المقارنة، إذ يعتبر أنه لا خلاف جوهرياً بين الرسم والشعر، من حيث استخدامهما كلاهما الصور، وأن ثمة صراعاً بينهما كما "بين الجسد والروح، والعالم والعقل، والطبيعة والثقافة" (ص:91)، ما دام أن كليهما يستخدم الصورة، وإن اختلفت طبيعتها لدى كل منهما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي فصل آخر، يعرض ميتشيل لمسألة تصنيف الصور وتبيان اختلافها عن النصوص، فيورد كيف أن نلسون غودمان أمكن له أن يدحض مسعى السيميولوجيا (التي تعتبر اللغة جزءًا ذا امتياز من علم العلامات العام) إلى تصنيف العلامات في سائر أنظمة الرموز التي تتشكّل منها فنون المجتمع وخطاباتها، على الرغم من ابتداع شارلز بيرس ثلاثة مصطلحات واصفة لهذه الغاية، وهي: الأيقونة والرمز والإشارة. ذلك أن لكل نوع من الفنون، على حد قول غودمان، من مثل: الرسوم والخرائط والصور والموسيقى والسينما والنحت وغيرها، أنظمة رموز خاصة، وتكويناً تركيبياً مختلفاً عما في اللغة. وبناء على ذلك وجب، بحسب المؤلف، أن يُصار إلى اعتماد الأيقونة وحدةً معيارية لوصف بنية العمل الفني المقصود بالوصف، وبمعزل عن وجهة النظر الأيديولوجية الحاملة مضموناً أحاديّاً للمكوّن الفني الموصوف.

وعلى هذا النحو من البرهنة، ومناقشة أهم وجهات النظر في الفلسفة الجمالية الغربية، قديمها وحديثها في ما خصّ الصورة ومقارنتها بالكلام، يعرض ميتشيل لنظرية ليسينغ في كتابه "لاوكون"، لا سيما نظريته في ربطه بين الرسم والمكان، وبين الشعر والزمان، واستخلاص المؤلّف أن هذه الفكرة، وإن أفادت زمناً، فإنها تجانب طبيعة الفنون ذات البعديْن المكاني والزماني.

وأيّاً يكن أمر المصطلحات الكثيرة التي يحفل بها الكتاب، ووجهات النظر الفلسفية الجمالية، سواء المعادية منها للأيقونة أو تلك المؤيدة لها، باعتبارها عنصراً في فهم بنية العمل الفني، فإن الكتاب ينطوي على أعمق فهم للعلاقة الحتمية التي قامت - ولا تزال- بين الصورة والأيديولوجيا، لدى الماركسية (وبالطبع لدى غيرها من الأيديولوجيات المعاصرة). وتبيّن للمؤلّف أن مضمون الصورة غالباً ما يكون مزيّفاً، وحاملاً دلالة السلطة الأحادية، بالتالي وجب نقضها ومحاربة أيقونتها، بمثل الشدّة التي خيضت بها حروب تحطيم الأيقونات، لزمن بعيد خلا.

و.ج.ت. ميتشيل الكاتب الأميركي المتخصص بجماليات المرئيات الحديثة، له عدد من الكتب، منها: "ماذا تريد الصور؟"، و"نظريات المرئي"، و"آخر كتاب ديناصور: حياة الأيقونة الثقافية وزمنها"، و"ضد النظريات: الدراسات التداولية"، وسياسات التأويل"، وفي السرديات"، و"لغة الصور"، و"فن بلايك المركّب" وغيرها.

المزيد من ثقافة