Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سنوات "الجحيم" الباريسية كما عاشها أوغست ستريندبرغ

بين البحث عن الذهب والمؤامرات الشيطانية ودرب الخلاص

أوغست سترندبرغ (غيتي)

ربما يكون أول ما يطالع الباحث في حياة وعمل الكاتب السويدي أوغست سترندبرغ مجموع التناقضات التي ملأت حياته وصنعتها. وذلك بدءًا مما يُعنوِن هو به كتاب سيرته الذاتية الذي أصدره عام 1886 وكان يقترب من عامه السابع والثلاثين، بالتالي لا يزال من المبكر أن يكتب مثل تلك السيرة. واللافت هنا بالتالي هو العنوان الذي ربما كان غايته الأولى من الكتاب "ابن الخادمة". لكن أوغست لم يكن ابن خادمة بل كان ابن ابنة خياطة صحيح أنها تنتمي إلى "البروليتاريا" لكن زوجها، والد فتانا الذي اقترن بها مع ولادتها ابنه الرابع من أصل أحد عشر ولداً سوف ينجبانهما في عدد قليل من الأعوام، كان أرستقراطي المنبت حتى وإن كان مفلساً. ومن هنا لئن كان أوغست اعتبر نفسه "ابن خادمة" فإنما لكي يشدد على فخره بكونه ابناً لأرستقراطي. وهو ما نتلمّسه على أية حال في معظم كتاباته سواء كانت مسرحية أو روائية أو بحوثاً أو كتباً في السيرة أو حتى مقالات سياسية. ففي ذلك كله، عبّر أوغست تماماً عن تلك التناقضات التي سيّرت حياته. التناقضات التي جعلته مؤمناً وملحداً في الوقت ذاته، مادياً وميتافيزيقياً على قدم المساواة، وكاتباً واقعياً ورمزياً وتعبيرياً في آن معاً.

حياة لكل التناقضات

كان سترندبرغ يعتبر أن الحياة تتّسع لكل التناقضات ولكل المخاوف وضروب السعادة. كالفن تماماً. أما إذا كان هناك من نص واحد لستريندبرغ عرّف فيه كيف يجمع كل تلك التناقضات في بوتقة واحدة، فإنه كتابه الأغرب الذي أصدره عام 1898 بعنوان "الجحيم" ولكن على الرغم من أنه وضع الكتاب بالفرنسية، فإن عنوانه أتى بالإيطالية في استناد مباشر إلى القسم الثالث من "الكوميديا الإلهية" للنهضوي الإيطالي دانتي: "إنفرنو" وتعني "الجحيم" على أية حال. ولعل ما يلفت النظر هنا حقاً هو أن سترندبرغ قد اختار واحدة من أكثر اللغات الأوروبية عقلانية واشتغالاً على المفاهيم، الفرنسية، كي يصيغ بها هذا الكتاب الذي سيعتبره الباحثون أكثر نصوصه امتلاء بالميتافيزيقا والماورائيات وضروب المخاوف والقلق وما إلى ذلك، وربما بالتناقض مع استخدامه لغته السويدية الأم لكتابة سيرته التي ذكرناها حول طفولته وشبابه كما لكتابة العدد الأكبر من مسرحياته التي كثيراً ما عبّرت عن الواقع الاجتماعي، ما جعله يُعتبر في هذا المجال من المؤسسين الكبار للواقعية الاجتماعية جنباً إلى جنب مع اشتغاله على الأحلام في عدد آخر من تلك المسرحيات وربما أحياناً في المسرحية الواحدة.

جنون في باريس

كتب ستريندبرغ "الجحيم" انطلاقاً من الأحوال التي عاشها في العاصمة الفرنسية خلال بعض أعوام نهايات القرن التاسع عشر، إنما على شكل رواية أكثر مما على شكل مذكرات أو يوميات. بالتالي فإن الكاتب الذي كان يقترب من عامه الخمسين وقد خرج لتوّه من مجموعة من الأزمات العاطفية والوجودية والمادية حتى التي كان قد مرّ بها خلال عامي 1896 – 1897 اللذين تليا انفراط عقد زواجه الثاني، يبدأ الكتاب في اليوم ذاته الذي تبارح فيه زوجته باريس، حيث كانا يقيمان، تاركة إياه غارقاً في أنواع وأعداد غير معقولة من التجارب في مجال السحر ولكن كذلك في مجال الكيمياء إذ كانت قد راودته فكرة تتعلق بمادة الكبريت: فكرة تقول إن هذا الكبريت إذا ما عولج بطرق كيماوية عليه اكتشاف أسرارها، يمكنه أن يتحوّل إلى ذهب. وهكذا ركبه جنون الذهب وراح يضاعف تجاربه العلمية والكيماوية وهو واثق من أنه سوف يصل إلى غايته المرجوة في نهاية المطاف. ولم يكُن بين قناعته هذه ووصوله إلى مستوى الجنون سوى خطوات راح صاحبنا يخطوها بحسب ما يروي هو نفسه، ولكن وسط عالم مليء بالأشباح والجن والمتآمرين عليه ومحاولي سرقة أفكاره، مستخدمين النساء طعماً له بشكل خاص. وهكذا يصف لنا الكاتب كيف أن جيرانه أنفسهم في المبنى الذي يسكن فيه كانوا جزءًا من تلك المؤامرات التي لم يحجب عنا ستريندبرغ اسم الشخص الذي كان يسيّرها: فهو غريمه الروسي بوبوفسكي، الذي كان من أقرب معارفه إليه قبل ذلك!

القوى الخفيّة

لكن "بطل" الحكاية لم يكن وحيداً في معركته. كانت  قوى خفية تحرّكه وتقود خطاه وتمكّنه من أن يتصدى للمؤامرات. غير أن تلك القوى لا تلبث أن تطرده من حيث كان يقيم، فيتوجه إلى نزل آخر ولكن حتى هنا، سرعان ما يلاحظ أن المؤامرات ضده تتواصل، إلى درجة أنه بات على يقين الآن من أن سكان الغرف المجاورة لغرفته، يسعون معاً إلى قتله بالصعق الكهربائي. وهكذا لا يعود أمامه إلا أن يغادر باريس مودّعاً أصدقاءه ومن بينهم الرسامان غوغان وإدفارد مونخ، متوجهاً بعد حين إلى النمسا حيث تقيم ابنته في دار حماها. لكنه لم يلبث أن يغادر آسفاً على فراق ابنته ولكن مزوّداً هذه المرة ببعض "الحلول" الدينية للمشكلات المحيطة به. ويعود هنا إلى السويد وقد راحت تتلاطم في وجوده أمواج التناقضات بين الكاثوليكية التي "اكتشفها" لتوّه و"اللوثرية" التي كان قد ترعرع عليها، مع لحظات تبرز لديه فيها نتف من عدد من ضروب إيمان أخرى من بينها الغنوصية واللاأدرية، ولكن دائماً وسط نزعة تدفعه إلى الإيمان بالسحر والكيمياء إلى درجة بات هو نفسه، أي الكاتب، يعتقد أن "بطل كتابه" قد دخل أعتى مراتب الجنون!

رسالة إلى المتشككين

ويختم ستريندبرغ هذا النص المرعب والمدهش في الوقت ذاته، قائلاً: "إذا كان للمرء أن يتساءل عما إذا لم أكن محقاً في أن أعطي كتابي هذا عنوان ’الجحيم‘ معتقداً أنني إنما أخترع هذا الجحيم من عندياتي، قد يكون عليه أن يتفضل بقراءة يومياتي التي حافظت على تدوينها يوماً بيوم منذ عام 1895، علماً أن ’الجحيم‘ ليس في نهاية الأمر سوى نسخة مشغولة بعناية وموسعة من تلك اليوميات". والحقيقة أن ستريندبرغ يعزز فكرة العلاقة الوثيقة بين "الجحيم" و"اليوميات" من خلال الأسلوب الذي بنى به "الجحيم"، بحيث جاء الكتاب موزعاً على نحو مئة فقرة تتفاوت في حجمها وقد انتظمت في فصول تعمّد الكاتب أن يعطيها عناوين ثانوية مستقاة مباشرة من "كوميديا دانتي" مثل: "المطهر"، "الجحيم" وما إلى ذلك. والحال أن هذا التوزع المنتسب إلى النص الإيطالي المؤسس والذي قُدّم منذ عصر النهضة بوصفه قصيدة شعرية طويلة، هو الذي جعل الباحثين ينتهون إلى تصنيف "جحيم" ستريندبرغ بوصف قصيدة نثرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الخلاص من طريق الألم

ولعل هذا ما يقرّب هذا النص في نهاية المطاف من نص للفرنسي أونوريه دي بلزاك هو "سيرافيتا" اكتشف فيه ستريندبرغ كتابات سويدنبورغ التي سيرى النقاد المدققون قرابة بين نص ستريندبرغ ونصوصه، لا سيما ما يتعلق منها بالخلاصة التي يمكننا القول إن ستريندبرغ قد توصّل إليها وهي أن الجحيم الحقيقي إنما هو موجود في هذه الحياة الدنيا التي نعيشها وليس في أي مكان آخر. "أما خلاص الإنسان من هذا الجحيم، فلا يتحقق إلا من طريق الألم الذي يتسبب له به نزوعه هو نفسه كما نزوع الآخرين إلى الشرّ"، وانطلاقاً من هذه القناعة، يمكننا أن نفهم هنا ذلك التوجه الذي عاشه ستريندبرغ في أعوامه الأخيره نحو إيمان جديد، إيمان اعتبره خاصاً به لا يشاركه فيه أحد لأنه إيمان شديد الخصوصية، بالغ التقشف ومغالٍ في تشدده، لكن من ميزاته الأساسية كونه يوصل صاحبه إلى الخلاص. وما كتاب "الجحيم" هذا سوى الطريق التي أوصلت ستريندبرغ إلى ذلك الخلاص، موفرة له راحة مكّنته من كتابة أعماله الأخيرة بلغة رواقية لا مثيل لها.

المزيد من ثقافة