Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غوتفريد بن يكشف سر تشاؤمه في سيرة حياته "المزدوجة"

اضطهده النازيون وجندوه ففضل العيش بين الحثالة طبيبا وشاعرا

النازيون يحرقون الكتب (الموسوعة النازية)

دائماً ما أثار الشاعر الألماني غوتفريد بن فضول قرائه وحيرتهم إزاء سلوكه في حياته واختياراته في كتاباته الشعرية والنثرية، ولقد ظل الوضع على ذلك النحو حتى عام 1950، قبل نحو ست سنوات من رحيله، حين أصدر سيرة حياته بعنوان، لا شك أنه يتسق مع مكامن الحيرة في شعره وحياته، "حياة مزدوجة". وبالتالي أدرك القراء المعنيون ذلك السر الذي كمن وراء ما مثله بن من ذروة التشاؤم والسوداوية في حياة كان كثر يعتقدونها سعيدة بل حتى مرفهة إلى درجة أنهم اعتبروا اليأس والسوداوية اللذين عبر فنه عنهما في عدد كبير من المجموعات الشعرية مجرد تماش مع الموضة التي تعاقبت على القرن العشرين، وكان كثر من المبدعين يتلقفونها حتى ولو لم تتوافق مع حياتهم. بالنسبة إلى بن الذي حدد منذ عنوان سيرته أن حياته كانت بالفعل مزدوجة، ليس كشاعر/ طبيب وحسب بل كإنسان أيضاً عاش تقلبات زمنه وكوارثه وهو الذي كان كطبيب مرتبطاً بعالم الحثالة أينما حل وارتحل كما سنرى بعد سطور.

ردود على أسئلة شائكة

قبل ذلك لا بد من التوقف عند تلك السيرة التي تصل إلى ذروة ما ترويه حين تتحدث عن تلك اللحظات التي استولى فيها النازيون على السلطة في ألمانيا المنهارة وفي وقت كان فيه قد هاجر معظم المثقفين الكبار من الذين استشعروا الخطر النازي باكراً. والحقيقة أن معظم هؤلاء كانوا يعتبرون بن المتجاوز عامه الأربعين حينها، أكبر شاعر في اللغة الألمانية. ومن هنا دعوه إلى أن يهاجر بدوره فرفض ذلك مفضلاً البقاء في برلين بل حتى رفض الاستقالة من الأكاديمية البروسية التي باتت تحت هيمنة النازيين وراحت تتسم بضحالة تتطابق مع ضحالتهم الفكرية. وكانت رسالة بعث بها كلاوس مان، ابن توماس مان الهارب من النازية إلى المنفى، حاسمة إذ طرح فيها على بن جملة أسئلة معاتبة تتعلق بموقف المثقف وصمته ومزاعمه الحيادية. وما كتاب "حياة مزدوجة" في الحقيقة، والذي سيتطور ولن ينشر إلا بعد سنوات طويلة، سوى رد بن على أسئلة مان. وكان رداً يفسر فيه الشاعر الكبير ليس ظروف "تقاعسه" عن الفرار ولكن ظروف تمسكه بالبقاء في برلين ولو معرضاً للأخطار. ومن خلال ذلك التفسير نجد بن يروي ليس فقط سيرة حياته، بل تلك الاختيارات التي، ومنذ تمسكه بمهنته كطبيب جلد وأمراض تناسلية، تملي عليه أن يبقى مع الحثالة بالنظر إلى أن الأمراض التي يعالجها تصيب الحثالة ما يجعل هؤلاء في حاجة إليه.

وجهان لحياة واحدة

وبهذا الشكل عرف غوتفريد بن كيف يربط بين "وجهي" حياته، وجه المبدع فيه ووجه الطبيب، وليس فقط في مجال الوصول إلى أي تبرير لبقاء مجازف تحت الحكم النازي ولا لرضوخه لأن يجند بعد حين في القوات النازية كطبيب حيث سرعان ما أرسل إلى المناطق المحتلة بخاصة في بروكسل حيث كان من مهامه الأساسية كما سنرى، العناية بفتيات الهوى ومن ثم بالجنود الألمان الشبان الذين يصابون بعدوى الأمراض التناسلية. ومن المؤكد أن بن إذ روى هذا في "حياة مزدوجة" كان يلح عليه سؤال حاسم يود طرحه على زميله الشاب: "أفلم يكن ما فعلته أكثر جدوى من هروبي لإنقاذ نفسي من براثن العدو؟". مهما يكن فلا شك أن الرسم الذي "زين" غلاف واحدة من أقوى مجموعات غوتفريد بن الشعرية وعنوانها "لحم"، يكفي في حد ذاته للتعبير عن توجهات بن الشعرية وعن "الحياة المزدوجة" التي عاشها. وعبارة "حياة مزدوجة" اختارها غوتفريد بن على أي حال، عنواناً لسيرته التي ملأها بالتهكم على حياته وعلى اختياراته وخيباته. أما الرسم الذي نعنيه فيمثل مجموعة من الأطباء والممرضين منكبين على تشريح جثة، أو على إجراء عملية جراحية لمريض. ليس في ذلك الرسم أي شاعرية بالطبع، لكن فيه كثيراً من النزعة التعبيرية التي سادت الفنون والآداب الألمانية والنمسوية بالتالي، خلال الثلث الأخير من القرن، كرد يائس على ما أصاب ألمانيا وأوروبا عموماً.

جسور تنزلق بعيداً
كان شعر غوتفريد بن على أي حال، وكما نثره في "حياة مزدوجة" تعبيرياً ساخراً ومأساوياً فيه موت ودماء، وفيه تهكم ويأس ورعب. ومن الواضح أن هذا المظهر "الانحطاطي" الذي طغى على شعر الرجل، كان وراء منع النازيين له من النشر، هم الذين حين وصلوا إلى السلطة اعتبروه من الكتاب والفنانين اليائسين الذين يريدون أن "يجعلوا من يأسهم عدوى تصيب الشعب الألماني كله"، غير أن النازيين لم يمنعوا كتب وأشعار غوتفريد بن فقط، بل منعوه هو كذلك من ممارسة الطب. وهو الذي كان طبيباً أيضاً، وطبيب جلد وأمراض تناسلية بالتحديد. وفي إمكاننا بالطبع أن نلاحظ في شعره آثار هذا التخصص، الذي كان في ذلك الحين يضع الطبيب، صاحبه، على تماس مباشر مع حثالة المجتمع ومع الغانيات. من هنا لم يكن من قبيل الصدفة أن يعين غوتفريد بن، المجند كضابط طبيب في جيش الاحتلال الألماني في بروكسل، طبيباً للمساجين وللغانيات فيها. وهذه السمة كذلك سنجدها ماثلة في شعره حتى آخر أيامه. أما السمة الأخرى التي تبرز من ذلك الشعر وتجعل غوتفريد بن مميزاً بين أقرانه من الشعراء الألمان، فهي السمة المتوسطية، حيث من المعروف أن الشاعر جال في العديد من موانئ البحر الأبيض المتوسط خلال عمله أوائل القرن طبيباً على السفن. وكل هذا جعله يقول في خاتمة حياته عبارة يرى كثير من مؤرخي سيرته أنها تكاد تختصر تلك السيرة: "ليست الحياة سوى بناء جسور فوق النهر تنزلق بعيداً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بشاعة الشرط الإنساني
ولد غوتفريد بن عام 1886 في مانسفلد في ألمانيا، ابناً لراهب لوثري، وهو درس اللاهوت في جامعة ماربرغ، غير أنه لم يكمل تلك الدراسة بل انتقل ليدرس الطب في كلية الطب العسكرية، حيث تخصص في أمراض الجلد والأمراض التناسلية، وعين طبيباً في السفن. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى جند كطبيب في الجيش الألماني، وكان ذلك ما قاده كما قلنا، إلى بروكسل وإلى عالم الحثالة والمشردين والغانيات والسجون، وترك آثاراً عميقة في نظرته إلى الجنس البشري وإلى "بشاعة الشرط الإنساني" بحسب تعبيره. فإذا أضفنا إلى ذلك موت زوجته الأولى شابة في عام 1914، ثم انتحار صديقة له بعد ذلك بفترة قصيرة، سيمكننا أن نفهم سر التشاؤم الذي سيطر على حياة بن وشعره، كما نفهم العناوين التي كان لا يفتأ يعطيها لمجموعاته مثل "مشرحة"  و"لحم".

سبيل أرستقراطي للهرب
عندما وصل النازيون إلى السلطة، كما أشرنا، منع بن من النشر، كما منع من ممارسة الطب. فماذا يفعل؟ بدلاً من الهرب وسلوك درب المنفى، وبدلاً من الاستسلام والصمت وجد، كما يروي في "حياة مزدوجة" أن أفضل ما يفعله هو الانخراط في الجيش الألماني مجدداً، فعين ضابطاً، وخاض الحرب العالمية الثانية جندياً طبيباً، من دون أن يؤمن بالنازية، وكان يقول دائماً، إن "الجندية إنما هي أكثر السبل ارستقراطية للهرب من الواقع المزري".. عندما انتهت الحرب العالمية الثانية وزال النظام الهتلري، عاد غوتفريد بن لكتابة الشعر ونشره، وعمت شهرته هذه المرة بشكل استثنائي حيث راحت الأجيال الجديدة تكتشفه وتقارنه بـ ت. أس. اليوت، الذي كتب عنه دراسات عدة معتبراً إياه واحداً من أكبر الشعراء الألمان الأحياء في حينه. وكانت مجموعة "قصائد إحصائية" 1948 هي التي أعادت إليه اعتباره، في الوقت الذي عاد فيه لممارسة الطب...  وظل ذلك دأبه في حياته المزدوجة كشاعر وطبيب، حتى رحل عن عالمنا عام 1956 عن عمر يناهز السبعين عاماً، وهو في قمة المجد، بعد أن نشر سيرته الذاتية في ذلك الكتاب الذي لقي رواجاً كبيراً في حينه وترجم إلى العديد من اللغات.

المزيد من ثقافة