Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ولاية أميركية في مهب النار

تتعرض كاليفورنيا  للحرائق أكثر من أي وقت مضى، فتستحيل رماداً في كل عام ملايين هكتارات الأراضي وتمحى عشرات آلاف الأبنية وتهدد حياة أعداد كثيرة من الناس. واليوم تسبب الأزمة المناخية وارتفاع درجات الحرارة موسم حرائق مدمراً جديداً

في جو حرارة ملتهبة بخراج منطقة سان دييغو، يتلقى منضوون جدد في الوكالة الأكبر للإطفاء ومكافحة الحرائق في كاليفورنيا تدريباً على مهارات صارمة، لكن ضرورية جداً، وهي تتمحور حول ما يمكنهم أن يفعلوه لو حاصرتهم ألسنة اللهب من دون أن يكون أمامهم أي مخرج أو منفذ للنجاة. وليس أمام أولئك الأفراد في تلك الحالة سوى ثوانٍ قليلة لاستخدام "واقيات النار" – وهي مثل أكياس نوم فضية، أكبر من الحجم المعتاد لتلك الأكياس – ومن ثم الانبطاح أرضاً وتغطية أنفسهم قبل أن يدفنوا وجوههم في الأرض. ويمكن لـ"واقيات النار" هذه على مدى دقيقة واحدة أن تحميهم من لهب يبلغ مقدار حرارته أكثر من 1000 درجة مئوية. وعن هذا يقول الكابتن فرانك لوكوكو لـ"اندبندنت": "إنه خط الدفاع الأخير إذا حوصر المرء بالنار ولم يعُد بوسعه الوصول إلى مكان آمن. إنه الخيار الأخير إن عجز المرء عن الخروج من وسط اللهب."

يواجه عناصر الإطفاء في كاليفورنيا في كل عام موجة تزداد ضراوة من حرائق الغابات والبراري – لذا فإن ذاك الخيار الأخير الذي يتحدث عنه الكابتن لوكوكو يغدو أكثر أهمية من ذي قبل، إذ في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، لجأ 16 إطفائياً إلى الخيار المذكور واستخدام "واقيات النار"، بعد أن حاصرتهم ألسنة النيران في "بيغ سور" خلال الحريق الذي شب في المجمع الشمالي والتهم أكثر من 300 ألف هكتار من المساحة، وأزهق أرواح 16 شخصاً. وتكبّد الإطفائيون حروقاً وإصابات استنشاق دخان، ونقل بعضهم إلى المستشفى، بيد أنهم نجوا جميعاً.

وأقر الرئيس جو بايدن بأنه ينبغي تأمين مزيد من المصادر لدعم أولئك العاملين في الخطوط الأمامية لمكافحة حرائق الغابات. ووعد الرئيس الأميركي بـ"التصرف الآن وبسرعة"، كما التزم تجنيد المزيد من الإطفائيين الفيدراليين – ورفع مخصصاتهم على الفور – كذلك كرر تأكيده على أهمية توفير قوى تعمل على مدار العام لمواجهة أخطار الحرائق المتصاعدة.

وأمام أزمة المناخ الراهنة، وبسببها، فإن "جهود مكافحة الحرائق البرّية لم تعُد جهوداً موسمية كما كانت في السابق"، وفق ما قال بيان للبيت الأبيض، إذ "مع تحول مواسم الحرائق إلى أعوام من نار [أعوام تعمها النيران]، بات من الواجب تجنيد قوى تعمل على مدار السنة، قوى تكون جاهزة في أي وقت لمكافحة الحرائق، وتلقى دعماً ومكافآت متناسبة، ومستعدة لاتخاذ التدابير والأفعال الوقائية".

وكانت كاليفورنيا وأوريغون وكولورادو عام 2020، شهدت حرائق بمعدل لم تعرفه من قبل، وازداد معدل انتشار الحرائق اليوم تفاقماً. وشهدت كاليفورنيا "حريقها الضخم" الأول من نوعه من حيث الاتساع – في "مجمع أغسطس" – حيث امتدت النيران على مساحة مليون هكتار على طول ساحل المحيط الهادي. والتهم الحريق في المحصلة مساحة 4.3 مليون هكتار، ودمّر 10 آلاف مبنى في الولاية، كما قتل 33 شخصاً، بينهم أربعة إطفائيين. وأصدرت "هيئة الأرصاد الجوية الوطنية" تحذيراً من "أعاصير النار" في منطقة قريبة من لويالتون، شمال شرقي كاليفورنيا، وذاك تحذير اعتُبر الأول من نوعه في تاريخ هيئة الأرصاد، وهو يرتبط بظاهرة تسببها الحرارة الشديدة، إذ تدفع ألسنة النار الهواء الساخن صعوداً.

وبفضل تمويل من برنامجنا الذي يحمل اسم "سابورتر بروغرام" Supporter Programme، سافر مندوبو "اندبندنت" في أنحاء كاليفورنيا تزامناً مع استعدادات الولاية لمواجهة موجة حرائق وتدمير ربما تكون أكبر. وتحدث مندوبونا مع أشخاص نكبت حياتهم بفعل حرائق البراري والغابات، ومع أشخاص آخرين يستعدون لمواجهة الكارثة الحتمية المقبلة.

"لم نحظَ بنصف معدل الأمطار التي يفترض أن تهطل"

كانت كاليفورنيا على الدوام في تاريخها تشهد الحرائق، إلا أن مقدار الدمار بفعل موجات الحرائق الحديثة تصاعد كثيراً منذ عام 1970. فمساحات الأراضي التي تمتد النيران إليها ازدادت بمعدل خمسة أضعاف، كما راح موسم حرائق الغابات بحدّ ذاته يطول أكثر أيضاً، فيشمل على الأقل شهرين إضافيين. 

وحفّزت موجات الحرارة الشديدة والجفاف، حرائق أكبر حجماً وأكثر استعاراً. وترتبط هذه الظواهر بأزمة المناخ، الناتجة بالدرجة الأولى من انبعاثات غازات الدفيئة طوال عقود من عمليات حرق الوقود الأحفوري.

وارتفع المعدل الوسطي لدرجات الحرارة في كاليفورنيا بمقدار درجة مئوية واحدة خلال القرن المنصرم. ومنذ أن بدأ رصد درجات الحرارة في ثمانينيات القرن التاسع عشر والاحتفاظ بسجلاتها السنوية، فإن الأعوام الأكثر قيظاً كانت السبعة الماضية، كما أن عام 2020، مثله مثل عام 2016، كان الأكثر حراً. وفي هذا الشهر، حتى قبل بداية فصل الصيف، تكوّنت "قبة حرارية" فوق الصحراء في الجنوب الغربي، فدفعت درجات الحرارة إلى بلوغ 37.8 مئوية (100 فارنهايت). وتلقّى 50 مليون أميركي تحذيراً من وقوعهم تحت تأثير موجة خطيرة من الحر، وتخطت درجات الحرارة معدلاتها القياسية في مختلف الولايات الأميركية. وبموازاة ذلك، غدت الأمطار أقل تواتراً خلال فصلي الخريف والربيع في كاليفورنيا، فيما صارت عواصف الشتاء أكثر تقلباً واضطراباً. وتتعرض الولاية تاريخياً لفترات جفاف طويلة، بيد أن هذه الفترات مرشحة للتزايد مع الاحتباس الحراري في العالم، ومع تقلص معدلات الأمطار التي يعتمد عليها. ومع زيادة الحر في هذه الولاية، تتبخر الرطوبة من مناطق الغطاء النباتي ومن التربة، تاركة تلك المساحات عرضة للاشتعال.

وأمام هذا الواقع المناخي، غدت أكوام الجليد والثلج في جبال سييرا نيفادا أكثر تقلصاً مع مرور كل عقد جديد من الأعوام، علماً أن تلك الأكوام الجليدية هي التي تمدّ كاليفورنيا بالمياه عبر شبكة من القنوات المائية. ففي عام 2021، ذابت الأكوام الجليدية المذكورة قبل شهرين من الموعد المعتاد لذوبانها. كما بلغ "الجفاف الحاد" megadrought [يدوم نحو عقدين أو أكثر] النقطة الأسوأ في عشرين عاماً، ومن المتوقع أن يستمر طوال شهر سبتمبر (أيلول)، تاركاً خزانات ومستودعات المياه في كاليفورنيا أدنى بـ 50 في المئة من مستويات امتلائها الاعتيادية، وفارضاً حالة الطوارئ في 41 إقليماً من الأقاليم الـ 58 في الولاية.

وتمثّل بحيرة أوروفيل في شمال كاليفورنيا إحدى أكثر المناطق حساسية في هذه المسألة، إذ إنها تسجل راهناً 37 في المئة من قدرتها الاستيعابية، الأمر الذي يشكل مستوى منخفضاً مقلقاً لهذا المصدر المائي الذي يسهم في ري 25 في المئة من مجمل المحاصيل الزراعية للولايات المتحدة، ويشغّل مصانع هيدروكهربائية رئيسة في البلاد. ورأى طوني ديفيس، مدير ميناء بحيرة أوروفيل الذي شهد انسحاب عشرات المراكب والسفن من هذا الميناء الشهر الفائت، أن تأثيرات أزمة المناخ في أحوال البحيرة "لا يمكن أبداً تجاهلها". تابع ديفيس في حديث مع "اندبندنت"، قائلاً: "لم نحظَ بنصف معدل الأمطار الذي يفترض أن يهطل. كما تجمعت الكتل الجليدية والثلجية بمعدل النصف. الأمر يغدو في غاية الصعوبة عندما لا نحصل على المياه."

وتضاف إلى ظاهرة الجفاف وغيرها من الأزمات، مسألة رياح سانتا آنا في جنوب كاليفورنيا، وهي هبات ريح جافة قوية، من الممكن أن تصل سرعتها إلى 70 ميلاً في الساعة بفصل الخريف عندما تكون مخاطر الحرائق أكبر، فتحمل الجمرات الحارقة إلى قمم الأشجار، وتراقصها، وتؤجج اللهب في السفوح الجبلية. وفي الشمال، ثمة رياح "ديابلو"، التي تخلق ظروفاً خطيرة مماثلة. ولكي نفهم جيداً ما الذي وراء الحرائق الهائلة في غابات وبراري كاليفورنيا، علينا مراجعة التاريخ، إذ إن السكان الأصليين في البلدان بجميع أنحاء العالم، من ضمنهم القبائل في كاليفورنيا، كانوا على مدى قرون استخدموا الحرائق المتعمدة والمضبوطة لاستصلاح الأراضي الزراعية وتجديدها، وللحدّ من فرط النمو (النباتي)، ودعم دورة حياة الأنواع. لكن طوال أكثر من 100 عام، اتّبعت حكومات الولايات المتحدة طريقاً مختلفاً، تمثّل في كبح الحرائق بغية حماية إمدادات الخشب وحماية السكان (حول المناطق المعرضة). وتجاهلت السياسات الفيدرالية الدور الإيكولوجي الحيوي الذي لعبته الحرائق "الخيّرة" في غابات أميركا الشمالية على مدى آلاف السنين. من هنا، جرى تحويل مناطق الغابات إلى مناطق غطاء نباتي، تنتظر اندلاع الشرارات الحارقة.

"تسود أجواء من الصدمة كلما عصفت الرياح"

الحرائق الـ20 الأكبر في تاريخ كاليفورنيا، ما عدا ثلاثة فقط، حدثت خلال العقدين المنصرمين. ستة من تلك الحرائق الكبرى حدثت عام 2020. أما الحريق القاتل الأعنف بين جميع تلك الحرائق، فتمثّل بحريق "كامب فاير" Camp Fire عام 2018، الذي راح ضحيته 85 شخصاً ودمّر 95 في المئة من بلدة بارادايس في شمال كاليفورنيا. عن هذا الحريق، يروي لـ "اندبندنت" وودي كوليتن الذي نجت عائلته في اللحظة الأخيرة، فيقول: "انقطع الاتصال بيني وبين زوجتي، إذ توقفت المخابرات الهاتفية باكراً. مكثنا ضمن زحام محاط بألسنة اللهب من الجانبين طوال أربع أو خمس ساعات". تابع كوليتن "امتدت النيران إلى مختلف أرجاء البلدة. الأجواء عند الساعة التاسعة صباحاً كانت كأنها منتصف الليل لأن الدخان كان شديد السواد. وراحت الجمرات الحارقة تتطاير على طول الطريق. كان الأمر مرعباً جداً. في البداية، تملكتنا الصدمة. خسرنا منزلنا وأمتعتنا. لكن الأمر المهم يتعلق بـ [خسارة] الناس حياتهم الاعتيادية والأهلية. هذا أفدح ما خسرناه. لقد جعلتني النار أكتشف مدى هشاشة الحياة."

واندلع ذاك الحريق وتأجج بفعل معمل "باسيفيك غاز أند إليكتريك" Pacific Gas and Electric الذي فشل في صيانة عطل في شبكته الكهربائية، على الرغم من وقوعه ضمن منطقة غنية بالغابات ومعرضة لدرجات حرارة مرتفعة ورياح قوية. وإذ يوجّه اللوم بالكامل لهذه الشركة في التسبب بإشعال الحريق، إلا أن دور أزمة المناخ يبقى ماثلاً من ناحية توسّعه وامتداده. وفي سياق الفيلم الوثائقي المعنون "إعادة إعمار بارادايس" الذي صُوّر إثر الكارثة، قال رجل الإطفاء جون سينغلر إن "الإطفائيين يعايشون التحول المناخي، وهذا الأمر يواجههم في كل يوم". ووصف سينغلر الأحوال التي سبقت حريق "كامب فاير" بأنها كانت "عاصفة على نحو كامل [كارثية، تجتمع فيها عوامل مناخية نادرة]".

والعام الفائت، أدت إشارات أخرى تنذر باندلاع حريق عنيف جديد، إلى بث الرعب في أوساط سكان البلدة مجدداً، فنزحوا. لكن "حريق الدب" Bear Fire الكارثي لم يصل إلى البلدة، إلا أنه امتد على مسافة 40 ميلاً نحو بلدتي بيري كريك وفيذر فولس، مودياً بحياة ثلاثة أشخاص.

والرعب من حرائق الغابات يجعل الأوساط السكانية في تلك المناطق تحيا في ظل حالة من الصدمة. وتقلص عدد سكان بارادايس من قرابة 26 ألف نسمة إلى 6 آلاف نسمة، والسبب يعود في جزء منه إلى التأخيرات والقيود التي اكتنفت جهود إعادة الإعمار، وإلى الجائحة وغلاء تجهيزات مواد البناء، وأيضاً إلى استحالة العودة بالنسبة إلى عدد كبير من السكان (السابقين). عن هذا، يقول كوليتن: "هناك أصدقاء لي لم يعودوا إلى البلدة منذ يوم الحريق. الأمر صادم جداً والصدمة تستعاد مع كل هبة ريح. كثيرون منا لم يعُد باستطاعتهم النوم براحة أبداً."

كذلك فإن المواسم الممتدة لحرائق الغابات تستحضر مخاوف متعلقة بالصحة. فالحرائق تخلق تلوثاً يتمثل في جزيئات (كربونية) صغيرة تنتشر في الهواء. ويمكن لتلك الجزيئات التي لا يزيد حجمها على ثلث قطر بصيلة الشعر، أن تتسلل عميقاً في الرئتين، مسببة نوبات ربو وذبحات وسكتات قلبية، وفق ما تقول "الرابطة الأميركية لأمراض الرئة" American Lung Association. وأظهرت دراسات أجريت على أطفال في كاليفورنيا أن أولئك الذين تنشقوا الهواء الدخاني خلال حرائق الغابات عانوا أكثر من غيرهم من السعال وصفير النفس والتهاب الشعب الهوائية ونزلات البرد. وحذّر الأطباء من أن التعرض لدخان حرائق الغابات طوال ساعة يعادل 60 دقيقة من تدخين السجائر على نحو متواصل.

وتلوث الهواء لا يمثل مشكلة تتعلق فقط بالمناطق المحيطة بمواضع الحرائق. فقد كشفت معطيات من الأقمار الاصطناعية العام الفائت أن دخان حرائق الغابات في الساحل الغربي (للولايات المتحدة) وصل إلى شرق كندا، كما امتد كي يبلغ المملكة المتحدة وأجزاء أخرى من شمال أوروبا. ومن ثم، هناك الثمن البيئي للحرائق، إذ إن حرائق الغابات في كاليفورنيا عام 2020 قذفت ونفثت أكثر من 91 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون في الأجواء، وفق ما أفاد تقرير لـ "قاعدة البيانات العالمية لانبعاثات الحرائق" Global Fire Emissions Database. وذاك يزيد بـ 25 في المئة على مجمل ما تبثه الولاية سنوياً من انبعاثات الوقود الأحفوري.

في هذا الإطار، يبدو العام الراهن متجهاً لتسجيل موسم حرائق طويلة الأمد [ممتدة] آخر، إذ حتى يومنا هذا، أُفيد عن 3539 حريقاً في كاليفورنيا، مقارنة بـ 2875 حريقاً أُحصيت خلال العام الفائت في الفترة ذاتها. وقفز صعوداً عدد الهكتارات المحترقة بمعدل 58 في المئة من عام لآخر. ومع اشتعال المزيد من الحرائق، يزداد الطلب على العاملين في مجال الإطفاء. وفي الأسبوع الماضي، رفع "المركز الوطني الأميركي المشترك لمكافحة الحرائق" US National Interagency Fire Centre الجاهزية الوطنية إلى "المستوى أربعة" وفق تقديرهم، علماً أن "المستوى خمسة" هو الأعلى. وذاك يمثّل المرة الرابعة في الأعوام الـ20 الأخيرة لتسجيل المستوى المذكور في شهر يونيو (حزيران). وثمة سلفاً 9 آلاف إطفائي باستعدادهم الميداني الكامل لمكافحة النيران.

"العبث بمجموعة كاملة من القواعد"

يقول الكابتن إريك جاست من "وحدة ’كال فاير‘ Cal Fire لمكافحة حرائق الغابات في سان دييغو" إن الأمر يمثل "نموذجاً جديداً (في وتيرة اندلاع الحرائق وتمدد مواسمها). وإن هناك إشارات لقدوم موسم حرائق آخر، والجميع الآن يتدربون ويعدّون أنفسهم للمواجهة". ويعمل المسؤولون في سان دييغو على توظيف 300 شخص إضافي في وحدة "الإطفاء 1" بالمستوى الأرفع للعمل، وهذا الأخير يمثل دوراً موسمياً نموذجياً يبدأ أواخر الربيع ويستمر طوال الفترة الممتدة التي تبقى فيها حرائق البراري مرشحة للاندلاع. وتقوم الولايات المتحدة بمكافحة حرائق الغابات بالاعتماد على شبكة دوائر ووحدات الإطفاء بين الولايات، مثل "كال فاير"، وأيضاً على وكالات محلية فيدرالية. وتستخدم في أنشطة تدريب تلك الوحدات طبقات من مستوعبات النقل البحري (المعدنية) وذلك لبناء نماذج للمباني التي تندلع فيها النيران (نماذج تدريبية تحاكي المباني). ومن خلال استخدام حافلات الباصات المدرسية، يتعلم الإطفائيون طرق الإنقاذ وإخراج العالقين وسط النيران بواسطة أدوات الطاقة والتحكم. كما ينبغي على الإطفائيين أن يتدربوا على استخدام وشبك ومدّ خراطيم المياه التي تعمل بواسطة المحركات، وأن يفعلوا ذلك بالسرعة المناسبة، وأن يدفعوا أنفسهم ورفاقهم عبر منافذ ومساحات ضيقة وغير معتادة وعلى تقديم الإسعافات والتدخل طبياً في حالات الطوارئ. وعن هذه التدريبات، يقول الكابتن لوكوكو إنها "عمليات تثقيف وتدريب متواصلة للبقاء في حالة تيقظ واستعداد، إذ إن التكيف أمر بالغ الأهمية".

وكان حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسوم، أعلن في شهر مارس (آذار) المنصرم تخصيص مبلغ طارئ هو 81 مليون دولار لتجنيد 1400 إطفائي إضافي في "دائرة مكافحة حرائق الغابات والوقاية من النيران في كاليفورنيا" California Department of Forestry and Fire Protection (واسمها الرسمي "كال فاير") لزيادة وتكثيف مستوى التعامل مع حرائق البراري. ويتوقع أن تحظى الولاية بأكبر قوى لمكافحة الحرائق في تاريخها، وذلك مع اقترابها من ذروة موسم الحرائق. ويقول نيوسوم: "نحن لا نقوم فقط بانتظار حلول الأزمة الآتية، بل إن هذا الدعم المالي سيمكّن إطفائيينا الأبطال من إنقاذ حياة الناس خلال عملهم على تلافي حرائق الغابات المدمرة وخلال تعاملهم معها." 

كذلك تعيش كاليفورنيا سباقاً محموماً مع الوقت للتعامل مع "الأحمال الملتهبة" (أو أحمال الوقود)، وهو اللقب الذي يطلقه الإطفائيون على المناطق البرية المصابة بالجفاف في أنحاء الولاية. وكان ملايين من سكان كاليفورنيا خلال الأعوام الثلاثين الماضية انتقلوا من المناطق المتطورة (أو المدينية)، إلى مناطق تعرف بـ"حلقة الوصل بين المناطق البرية والمدينية" wildland urban interface، وذلك نظراً إلى تضاؤل مشاريع الإسكان وتحليق أسعار العقارات والبيوت بسبب الطفرة التكنولوجية في وادي السيليكون. و"حلقة الوصل بين المناطق البرية والمدينية" تلك (التي تلفظ "وو إي"، WUI “woo-ee”) هي منطقة تدير البيوت فيها ظهرها للغابات والأراضي العشبية، ما يجعلها (البيوت) أكثر عرضة لخطر الحرائق والنيران. وعام 1964، عندما ضرب حريق "هانلي فاير" منطقة سونوما كاونتي، الواقعة في قلب مناطق إنتاج النبيذ في كاليفورنيا، التهمت النيران نحو 100 بيت ودمّرتها. وعام 2017، بدأ حريق "تابز فاير" عبر المساحة ذاتها تقريباً خلال وقت قصير جداً، فقوّضت النيران 5636 مبنى وقتلت 22 شخصاً. وبموازاة ذلك، دعا الحاكم نيوسوم (حاكم كاليفورنيا) أيضاً إلى تخصيص موازنة لم يسمع بها أحد، تقدر بـ ملياري دولار، للاستعداد في مواجهة حرائق الغابات، فيما الإطفائيون على الأرض باتوا سلفاً يبذلون جهوداً مضنية.

وتتعامل وحدة الإطفاء التي يشرف عليها الكابتن جاست  مع 25 مساحة "كاسرة للهب" – وهي مساحات فارغة متواصلة بين الأراضي البرية تهدف في أحسن الأحوال إلى منع انتشار النار، أو على الأقل، إبطاء انتشارها. وتعمل وحدة "كال فاير" بتعاون وثيق مع "مجالس الحماية من النار" Fire Safe Councils، التي هي شبكة مؤلفة من 140 مجموعة محلية تسعى لتخفيف الأخطار إلى حدها الأدنى في الأحياء التي تستخدم أسلوب وتقنيات "كاسرات اللهب".

يرأس ستيف كيرين إحدى مجموعات "مجالس الحماية من النار" FSC، وتدعى مجموعته "دير سبرينغز" Deer Springs وتتولّى مشاريع فوق مساحة مقدارها 47 ميلاً مربعاً بمنطقة نورث كاونتي الداخلية في سان دييغو. وتضم تلك المساحة منطقة "هيدين ميدوز" السكنية، التي تمثل حيّاً فيه 1800 ملكية عقارية منتشرة بين الوديان في منطقة الـ "وو إي" WUI. وقبل ثلاثة أعوام، تلقّى مجلس هذه المنطقة منحة من الولاية للحماية من النار والحريق، بغية إنشاء "كاسر للهب" على مساحة خمسة أميال خالية تتموضع تحت منطقة المنازل السكنية. ووصف كيرين تلك المبادرة، قائلاً: "إضافة إلى حمايته السكان في ذاك الجوار، فإن المشروع من شأنه تمهيد الطريق للتقدم على صعيد مكافحة النيران والحرائق في (مدن) إسكونديدو وسان ماركوس وفيستا." تابع: "يبدو أن النار والحرائق يعبثان بمجموعة جديدة كاملة من القواعد."

في هذا السياق، يمكن لـ"كاسرات اللهب" أن تطرح فارقاً (إيجابياً) كبيراً في جهود مكافحة الحرائق، إذ خلال حريق "كريك فاير" عام 2017 بالقرب من لوس أنجليس، اشتعلت خمسة منازل فقط من أصل 1400 منزلاً تقع هناك ضمن محيط الحريق، وذلك بفضل "كاسرات لهب" أحسنت موضعتها، وفق خبراء بيئيين.

وتوافقت ولاية كاليفورنيا ومؤسسات "خدمات الغابات في الولايات المتحدة"US Forest Service  على تطوير التعامل مع الغابات والمناطق الحرجية ليشمل، مع حلول عام 2025، منطقة مساحتها مليون هكتار، لكن الطريق ما زالت طويلة لبلوغ هذا الهدف.

ولأن جهود تخفيف مخاطر الحرائق تمثّل مساعي متواصلة، فإن كاليفورنيا عليها أيضاً معالجة المسألة على نحو مباشر والتعامل معها كأولوية من الأولويات. وباتت "كال فاير" تملك سلفاً أكبر قوى إطفاء جوية في العالم، وذاك يتمثل في نحو 60 طائرة وحاملة مياه جوية ومروحية، موزعة بين عشرات القواعد، لكن من المتوقع زيادة تلك القوى الجوية في الأعوام القليلة المقبلة.

نيك براون، قائد هذا الفوج الجوي، يشرف على قوى الإطفاء الجوية من قاعدة في رومانا. ويقول إنه فيما يولي الأسطول الجوي أولوية "لحصر النيران" عندما تغطي هذه الأخيرة مساحة 10 هكتارات أو أقل، إلا أنه أيضاً يلعب دور "عيون سماوية" (تراقب من فوق) ويرسل المعلومات والتوجيهات إلى الإطفائيين على الأرض.

ويشرح الكابتن لوكوكو طرق عمل الإطفائيين، قائلاً: "أحياناً، وبحسب تضاريس المسطح الأرضي، ربما نعجز عن رؤية خط التلال الذي خلفنا وعن تقدير حجم وامتداد النيران، ومعرفة إن كانت أكثر اشتعالاً في جانب أو آخر." 

"في هذه الحالة، تقوم القوى الجوية بمدّنا بصورة جيدة من الأعلى وتقترح حجم التعزيزات المطلوبة للمواجهة، كما تقترح إن كنا بحاجة لزيادة العربات على الأرض و/أو الطائرات في السماء. دور القوى (الجوية) أساسي جداً."

ومن بين الأسطول الجوي، ثمة ناقلات مياه جوية من طراز "أس-2 تي" S-2T، وهي طائرات حربية مضادة للغواصات مصدرها القوات البحرية، وجرى نزع مدافعها الرشاشة ودروعها ومقاعد الطرد فيها، ثم حُمّلت بـ1200 غالون من مواد تُبطئ انتشار الحرائق في مواجهة النيران التي تشتعل في البراري. وتلك الأمواج الحمراء- الزهرية من مواد تبطئ الحرائق لا تخمد حرائق الغابات في الحقيقة، إلا أنها تمنح قوى الإطفاء على الأرض وقتاً أطول للتصرف [أي مجازاً "تشتري" لهم الوقت].

الكابتن نيك كليمنت، الذي يقود فرق الطوافات في قاعدة إل كاجون، يذكر كيف عاين أشجاراً تلتهب خلال مهمات قام بها في شمال كاليفورنيا العام الفائت. عن ذلك يقول: "أذكر أنني رحت أفكر بأن الخشب يفترض ألا يشتعل على هذا النحو. حتى إن الأمر لم يكن نيراناً تؤجهها الرياح. بل كان فقط لأحمال ملتهبة (أي نباتات وأعشاب يابسة) شديدة الجفاف، وكانت هناك وفرة منها. والطيران في أعلى الولاية وأسفلها أظهرها كلها بنية اللون، ليس في نواحي صحاريها، بل في أعلى سلاسل جبالها."

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"لكل امرئ دافع يحثه"

وكما تتصاعد ضراوة حرائق الغابات والبراري خلال العام، فإن تأثيرها في الإطفائيين يتصاعد أيضاً. فمع تعاظم الخطر، تتزايد الأضرار النفسية والجسدية، وكلما كان موسم الحرائق أطول، يغدو وقت التعافي أقصر وأقصر. يوضح الكابتن كليمنت هذا الأمر، فيقول: "يبلغ الجميع مرحلة الانهيار." أما الكابتن لوكوكو، فيضيف: "جميعنا عملنا طوال 45 يوماً متواصلاً العام الفائت حين كانت الولاية تحترق (و) وقضينا 48 ساعة وجهاً لوجه أمام النيران ننتظر الإمدادات. بالنسبة إلى أكثرنا، التحدي الأكبر يتمثل في الأنفصال عن الواقع (المرهق والضاغط)، خصوصاً خلال موسم الحرائق. فنحن على الدوام في وضعية عمل، والجميع فخورون بما يقومون به، لكن هذا صعب جداً. إزاء عمل كهذا، على عائلتك أن تكون معك في هذه الأجواء". كما يشير لوكوكو إلى أن مؤسسات الإطفاء مضت قدماً في تحسين خدمات الدعم على مستوى الصحة النفسية خلال العقود القليلة المنصرمة، ويمكن الوصول إلى المستشاريين النفسيين بـ"مجرد اتصال هاتفي". وبعد الوقائع الصادمة المرتبطة بالحرائق، باتت المراجعات وخلاصات المعلومات أموراً مألوفة. يتابع لوكوكو: "نحن من جهتنا (كإطفائيين) نرى موتاً وخراباً أكثر بكثير مما يراه الأشخاص العاديون، لكن يبقى علينا دائماً أن نلبّي النداء." 

"كل شخص عنده شيء يحثه على العمل. بالنسبة لي، ولكل امرئ يعمل معنا، أرى أن ما يحثنا هو كل إصابة قاتلة يتعرّض لها طفل. في النهاية إنها وظيفتنا وعلينا القيام بها."

وإذ كشفت حرائق العام الفائت الهائلة مدى الاستنزاف الذي تعانيه قوات الإطفاء، فإنها كشفت أيضاً عن عدم رضا بعض الإطفائيين تجاه ما يتقاضونه من أجور، فيما عملهم يزداد خطورة وتطلباً من الناحية الجسدية، وبات يغطي ويتطلب عدداً أكبر من الأسابيع الإضافية. في هذا الصدد، عبّر الرئيس جو بايدن الأسبوع الفائت عن صدمته تجاه أجر الـ 13 دولاراً في الساعة الذي يتقاضاه الإطفائيون الفيدراليون، واعتبره "أجراً منخفضاً لدرجة بائسة"، واعداً بتصحيحه خلال ولايته.

كذلك في الآونة الأخيرة، قال مسؤولون في "المركز الوطني المشترك لمكافحة الحرائق" National Interagency Fire Centre إنهم يواجهون احتمال نقص عديد الإطفائيين عام 2021، لأن الرواتب الأولية في المهنة لا ترغّب الأفراد بالانضمام إلى هذا القطاع.

من جهة أخرى، وفيما كان موسم حرائق الغابات في كاليفورنيا عام 2020 يتفاقم ويزداد سوءًا بفعل القلق والضغوط جراء ارتفاع معدلات الإصابة بـ"كوفيد- 19"، فإنه عانى تقلّصاً في أعداد نزلاء السجون الإطفائيين (سجناء يعملون بمهمات الإطفاء)، لأن تفشي الجائحة قطع برامج التدريب التي اعتمدت عليها الولاية لعقود باعتبارها خطاً دفاعياً أول. وأولئك الإطفائيون هم "أطقم يدوية" نموذجية يقومون بعمل محفوف بالمخاطر، مستخدمين مناشير الحديد وغيرها من الأدوات، كي يقيموا في وجه النار خطوط دفاع عن السكان بالغة الأهمية. كما أنهم يؤدون دوراً أساسياً في عمليات رفع الأنقاض والتنظيف المرهقة ما إن تخمد الحرائق. وفي شهر أبريل (نيسان) الفائت، قال مدير "كال فاير" توم بورتر، إنه قلق تجاه مسألة جاهزية وكالته في مواجهة حرائق الغابات (المنتظرة)، إذ إن أعداد السجناء الإطفائيين المتوافرين تقلّصت من 190 نزيلاً إلى أقل من 70. وأوضح "المخاوف التي تعتريني في مسألة العمليات ترتبط بالموجودين على الأرض". وكان في مرحلة معينة من سبتمبر (أيلول) المنصرم بلغ عدد الإطفائيين الموجودين على الأرض في ولايات الغرب (غرب الولايات المتحدة) أكثر من 30 ألف فرد. لكن حرائق كثيرة كانت تندلع في وقت متزامن، ما أدى إلى تخبط وكالات الإطفاء في تحويل الإمدادات والمصادر من منطقة إلى أخرى، وهي لم تنجح على الدوام في إرسال الدعم والمساعدات إلى حيث كان ينبغي إرسالها. وجرى تجنيد أطقم إطفاء من جميع أنحاء الولايات المتحدة، فيما أرسلت بلدان مثل المكسيك وإسرائيل وأستراليا إطفائيين للمساعدة. والجدير ذكره هنا أن أكثر من تلحّ الحاجة إليهم في ذروة مواسم الحرائق هم الإطفائيون المتخصصون، كالأطقم الجوية. وعن تدفق الإطفائيين إلى كاليفورنيا، يقول الكابتن كليمنت: "بقي الإطفائيون في حركة مستمرة. كنت أراهم (الإطفائيين) في مطار ساكرامنتو وأسألهم عن الحرائق التي يتوجهون لمكافحتها. وكان كلما يخمد حريق، يتوجهون إلى حريق آخر."              

© The Independent