Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تونس بين كماشتي تسديد الديون والعجز المالي

أزمة حادة في السيولة وسط توجه نحو الاقتراض الداخلي ومخاوف تمس مدخرات المودعين

يتوجب على الدولة التونسية تسديد دين قرض رقاعي يبلغ حجمه 500 مليون دولار في 24 يوليو (اندبندنت عربية)

تشير المعطيات الحالية للمالية العمومية في تونس إلى عدم توافر السيولة اللازمة لتسديد ديون سيادية أواخر هذا الشهر، في حين لا يتوقف الضغط المالي في الاتجاه السلبي، ولا ينحصر على الدين الحالي المذكور، بل يمتد إلى جملة من الديون التي يتوجب على الدولة سدادها قبل شهر أغسطس (آب)، ما ينبئ بتعميق الأزمة المالية التي اقتربت انعكاساتها من التأثير المباشر في قوت التونسيين، حيث يتحدث المختصون عن إمكانية الاتجاه إلى طرق جديدة من الاقتراض الداخلي تمسّ من مدخرات المودعين.

قروض حجمها مليار دولار

ويتوجب على الدولة التونسية تسديد دين قرض رقاعي يبلغ حجمه 500 مليون دولار يوم 24 يوليو (تموز) الجاري، كما يتحتم تسديد قرض مماثل بالحجم نفسه في أوائل الشهر المقبل وبالتحديد يوم الخامس من أغسطس.

هذا ما ورد على لسان الاقتصادي نادر حداد الذي كشف أن خزينة الدولة لا تسمح بذلك، فلا تتجاوز مدخراتها 700 مليون دينار (252.7 مليون دولار)، وبحكم عدم تقدم المفاوضات بين تونس وصندوق النقد الدولي حتى اليوم، بالتالي عدم القدرة على الخروج للسوق المالية للاقتراض، وإن لم يتم توفير المبلغ في الأيام القليلة المقبلة عن طريق الاقتراض الخارجي، فإن من المنتظر اتجاه الدولة التونسية إلى الاقتراض الداخلي من البنوك المحلية، وهو ما دأبت عليه منذ انطلاق السنة الحالية بسبب تعذر الاقتراض الخارجي، لكنه هذه المرة، سوف يقترن بخيارات جديدة تكون موجعة.

التحكم في السحوبات

ومن الاختيارات التي ينتظر أن تطبقها الدولة التونسية، التحكم في السحوبات capital control، بسبب الاقتراض الداخلي المستمر الذي اعتمدته منذ أشهر، والذي سيؤدي حتماً في المستقبل إلى اعتماد أموال المودعين، فأموال البنوك هي في النهاية مدخرات المودعين، الذين سيخضعون بالتالي إلى تحديد حركة سحوباتهم وتحويلاتهم، وعجزهم على السحب في حالات عدة.

ويؤدي تسديد الديون الخارجية عن طريق التحكم في السحوبات إلى التأثير سلباً في السوق المالية وانهيار الدينار، لأن التسديد سيتم عن طريق سحب الأموال، وليس بالاعتماد على خزينة الدولة، أما النتيجة المنتظرة لهذه السياسة المالية فهي النقص في توافر المواد الأساسية في السوق والأدوية كذلك، وفي حال الحسم واللجوء إلى تسديد الديون بهذه الطريقة، فإن ذلك لن يمنع الأزمة المالية من التعمق في كل الأحوال.

تهديد مباشر للدينار

وينجر عن هذه الخيارات نقص الطلب على الدينار وتراجع الثقة في البلاد بصفة عامة، إذ لا يتمكن البنك المركزي من التدخل لإنقاذ الدينار التونسي مثلما يحدث الآن، ومن شأن ذلك أن يتسبب في الانزلاق الخطير للعملة وبخلل في الميزان التجاري، وفق حداد.

إعادة هيكلة الديون

كما ينتظر أن تلجأ تونس إلى طلب إعادة هيكلة ديونها في حال التخلف عن سدادها، وستعمل على التوجه إلى المانحين بطلب إعادة هيكلة جزئية أو كاملة لديونها، والمانحون هم مجموعة من الشركات والبنوك والمؤسسات وهي صناديق التحوط التي تملك معظم السندات التونسية.

الضمانات الأميركية

وكشف الاقتصادي عز الدين سعيدان عن أن تونس تواجه استحقاقات لتسديد ديون قدرها 4.5 مليار دينار (1.6 مليار دولار) خلال شهري يوليو وأغسطس، ومن ضمنها ديون قروض تسلمتها منذ خمس سنوات ومقدارها مليار دولار، وتحصلت عليها بضمان من الولايات المتحدة، بعد إصدار الجمهورية التونسية قروضاً رقاعية إلى السوق المالية الدولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وطلبت الدولة التونسية في الأشهر الماضية ضمانات جديدة من الولايات المتحدة مقدارها مليار دولار للخروج إلى السوق المالية للتمكن من الحصول على قروض جديدة لتسديد الديون القديمة، لكن ووجهت برفض الولايات المتحدة التي بررت رفضها بعدم تنفيذ الحكومات التونسية المتعاقبة جملة من الإصلاحات الاقتصادية، كانت قد وعدت بها في السابق.

وبينما تقوم تونس بتسديد فوائد الدين المذكور، يتحتم على الولايات المتحدة تسديد مجمل الدين إلى الأطراف المانحة، ويعود ذلك إلى منحها الضمان وعجز المستدين، وهو تونس عن التسديد، وفق سعيدان.

شبح "نادي باريس"

ونبه عز الدين سعيدان من إمكانية دخول تونس في نفق العجز عن تسديد ديونها السيادية والمرور إلى "نادي باريس"، حيث تتجمع الأطراف المانحة وتطالب بأموالها، وهي لن تكون فرصة لإعادة جدولة الديون في كل الحالات لأن هذه الأطراف تطالب بأسباب مقنعة لإعادة هيكلة الديون، في حال الرفض، ستواجه تونس سيناريو الإملاءات من المانحين وهي المرحلة التي وجب السعي لتفاديها.

صدقية مهتزة

يذكر أن تونس التجأت الى صندوق النقد الدولي للاقتراض والخروج إلى السوق المالية العالمية، وقدمت وعوداً للقيام بإصلاحات هيكلية، وتم ذلك في مناسبتين، الأولى عام 2013، ولم يتم تنفيذ برنامج الإصلاح المقدم من طرف الحكومة، ولم يقع صرف القسط الأخير من القرض، كما عادت تونس عام 2016، وقدمت ملفاً آخر بحكم وضعها لدستور جديد وإعلانها التحضير للانتخابات، وتحصلت على قرض قدر بـ 2.8 مليار دولار، ولم تنفذ الاصلاحات التي وعدت بها، ما أدى إلى إلغاء صرف جزء كبير من القرض، وتم صرف 1.2 مليار دولار فقط منه، بسبب عدم الالتزام بالوعود المقدمة من طرف الحكومة القائمة عام 2019.

وفي مستهل عام 2020، وبالتحديد في أبريل (نيسان)، تحصلت تونس على 745 مليون دولار من صندوق النقد الدولي، وصرفت بسرعة قياسية بحكم التسهيلات التي منحت بسبب جائحة "كوفيد-19"، مقابل التزام الدولة التونسية ببرنامج إصلاح، لكن لم يتم تنفيذ أي بند من البرنامج ما أدى إلى ضرب صدقية البلاد، بالتالي صعوبة إقراضها وخروجها إلى السوق المالية.

ويحصل ذلك في ظل سلطة غير متناغمة، تشكو من عدم توافر مشروع إصلاح موحد بسبب الانقسامات والخصومات السياسية بين رؤوس السلطة، بحسب سعيدان.

هاجس التصنيف

وكانت وكالة التصنيف الائتماني "موديز" قد صنفت تونس، ثلاثة توجه سلبي، ونبه محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي إلى ضرورة توقيع اتفاقية جديدة مع صندوق النقد الدولي والحصول على قروض جديدة لتفادي التصنيف الموالي وهو "س" الأسوأ، وكشف أن وكالة التصنيف "فيتش" قد طلبت من الدولة التونسية الجلوس للقيام بالمراجعات لإصدار تصنيفها الجديد، لكن تونس طلبت تأجيل الجلوس إلى ما بعد شهر يونيو، على أمل نجاح المفاوضات مع صندوق النقد والخروج إلى السوق المالية. وقال العباسي إنه نبّه في الماضي إلى خطورة التمادي في التداين الذي يؤدي إلى الاقتراض من أجل سداد ديون قديمة، كما دعا "الأطراف السياسية والمنظمات الوطنية إلى الاتفاق حول برنامج إصلاح هيكلي للاقتصاد التونسي"، وذكر أنه لن يحصل نتيجة إملاءات صندوق النقد، مشدداً على أنه ضرورة ملحة وخيار تونسي أسّس له خبراء وطنيون لإنعاش الاقتصاد.