Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تخلص "الطاقة المتجددة" تونس من الأزمة الاقتصادية؟

مشاريع جديدة ستسهم في زيادة بنسبة 1 في المئة من الناتج المحلي

محطة هوائية للطاقة المتجددة في تونس  (شركة الكهرباء التونسية)

يطالب عدد من المتخصصين الاقتصاديين وحتى الأحزاب السياسية في تونس بضرورة تغيير التوجه التنموي للبلاد، باعتباره وصل إلى مرحلة الإشباع، ولم يعد قادراً على تلبية متطلباتها في توفير العمل للمواطنين، كما لم يعد يواكب التحولات التكنولوجية وتحقيق الانتقال الاقتصادي المنشود.

وعلى امتداد خمسة عقود راهنت تونس على منوال اقتصادي قائم على الصناعة وبالأساس مصانع النسيج والمعدات الميكانيكية والكيماوية الموجهة إلى التصدير نحو أوروبا، فضلاً عن التركيز على السياحة وإنتاج الفوسفات. ولئن أسهم هذا المنوال التنموي في جانب منه في تحقيق نسب وصلت إلى معدل خمسة في المئة سنوياً، غير أنه بعد 2011 انقلبت المعطيات جذرياً بارتفاع سقف المطالب الاجتماعية والاقتصادية ودخول البلاد في حلقة مفرغة من المصاعب الاقتصادية والمالية زادها ارتفاع مديونيتها.

وحاز توجه تغيير السياسة الاقتصادية في تونس على غالب برامج الأحزاب السياسية في برامجها الانتخابية، وكذلك في تعهدات عمل الحكومات المتعاقبة، إلا أنه لم يتسنَّ ذلك نظراً لصعوبة القيام بالإصلاحات الجذرية المطلوبة من المانحين الدوليين وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.

وتعاني تونس منذ عدة سنوات أزمات اقتصادية متتالية لم تستطع الخروج منها، بل زادت حدتها بتراجع جل المؤشرات الاقتصادية؛ إذ أقفلت العام الماضي بانكماش تاريخي وصل إلى 8.8 في المئة واستهلت عام 2021 بنمو سلبي لناتجها الداخلي بثلاثة في المئة، مع تواصل ارتفاع مستويات البطالة إلى 17.8 في المئة خلال الربع الأول من العام الحالي.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعرفها تونس يشدد عديد من المتخصصين على أن خلاص البلاد لن يكون إلا عبر المراهنة على الطاقات المتجددة، لما تنطوي عليه من إمكانات اقتصادية هائلة، بإمكانها أن تخرج تونس من أزمتها من جهة والدخول في مرحلة الاقتصاد النظيف الذي يزخر بطاقة تشغيلية عالية من جهة أخرى.

الإنعاش الاقتصادي سيمر عبر الطاقات المتجددة

وشدد مدير الكهرباء والانتقال الطاقي بوزارة الصناعة والطاقة والمناجم التونسية، بلحسن شيبوب، على أن الإنعاش الاقتصادي في تونس سيمر حتماً عبر الطاقات المتجددة. واعتبر في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن محرك التنمية الاقتصادية في تونس سيكون بالتعويل على الطاقات المتجددة والنظيفة بامتياز بخلق نسيج اقتصادي مجدد وذي قدرة تكنولوجية وتشغيلية عالية.

وأكد أن الطاقة المزمع تركيزها لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة ستكون 3800 ميغاواط في أفق 2030، سيسمح بتركيز مشاريع بقوة 500 ميغاواط بمعدل استثمار في حدود 370 مليون دولار سنوياً، بما سيسهم في تحقيق نسبة واحد في المئة سنوياً تقريباً من الناتج الداخلي الخام للبلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكشف أن قيمة المشاريع بقوة 500 ميغاواط ستمثل الانطلاقة الفعلية للطاقات المتجددة في تونس، بقيمة استثمارات في حدود 400 مليون دولار سنوياً، ما سيمكن وفق اعتقاده من التوجه نحو استقلال الطاقة لتونس ونقل التكنولوجيا وتأمين التزويد، علاوة على التخفيض في كلفة الإنتاج وخلق مواطن الشغل.

تجاوز عجز الطاقة

وتعاني تونس منذ نحو 20 عاماً عجزاً في الطاقة يؤثر باستمرار في التوازنات المالية للبلاد، من منطلق أنها أضحت تستورد المحروقات "النفط والغاز" بالعملة الأجنبية، ما جعل استقلاليتها الطاقية مهددة، بخاصة مع استنزاف احتياطي النقد الأجنبي.

وتشير معطيات وزارة الصناعة والطاقة والمناجم التونسية إلى أن عجز ميزان الطاقة قدر بنحو 500 مليون دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2021، ومع تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية تتأثر موازنة تونس بإثقال مخصصات دعم المحروقات، ما يدفع إلى زيادة أسعار المحروقات بالبلاد، الأمر الذي تكرر ثلاث مرات خلال الأشهر الأولى من العام الحالي.

وخصصت الحكومة مبلغ 185 مليون دولار من ميزانية الدولة لعام 2021 (19.4 مليار دولار) واعتماد فرضية سعر البرميل بـ45 دولاراً، غير أن عودة نسق نمو الاقتصاد العالمي إثر الخروج التدريجي من جائحة كورونا جعل أسعار النفط في الأسواق العالمية تقفز إلى مستوى 70 دولاراً. وستحتم هذه الوضعية على الحكومة التونسية مراجعة فرضياتها بالتعديل المتواصل لأسعار البنزين في السوق المحلية، علاوة على تأثر تنافسية الشركات التونسية بفعل ارتفاع أسعار النفط.

قانون جديد

وسنت تونس في عام 2015 قانوناً جديداً يتمثل في إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة والنظيفة (الطاقة الهوائية والشمسية باستعمال اللاقطات الشمسية والألواح الهوائية)، بما سيمكن من إنتاج كهرباء بـ30 في المئة متأتية أساساً من الطاقات النظيفة في أفق عام 2030.

وعلى الرغم من المعارضة الشديدة من النقابات في شركة الكهرباء والغاز الحكومية لكون القانون سيكون مدخلاً للتفويت في الشركة وخصخصتها، فإن الحكومة تمسكت بتمريره على البرلمان وحظي بالمصادقة، بعد أن أقنعت حكومة يوسف الشاهد في عهد الرئيس الراحل الباجي القائد السبسي الأحزاب والمنظمات بجدوى هذا القانون، الذي اعتبرته ثورياً وسيدخل تونس مرحلة جديدة من الانتقال الاقتصادي.

يقول شيبوب، "إن هذا القانون سيساعد البلاد على المديين المتوسط والطويل في تقليص فاتورة توريد الغاز الطبيعي المتأتي من الجزائر بالعملة الأجنبية، إذ تعول تونس بنسبة 97 في المئة على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء، ما يكلفها موارد مالية كبيرة تثقل موازنة دعم المحروقات سنوياً". يضيف "بحسب تقديراتنا فإن التعويل على إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة سيجنب البلاد صرف عملة صعبة أجنبية بقيمة 45 مليون دولار سنوياً، وسيجنب أيضا الانبعاثات الغازية وتلويث المحيط".

 حركية استثمارية

وعن تقدم المشاريع لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، قال مدير الكهرباء، "إنه تم إطلاق طلبين لعروض تخص محطة توليد الكهرباء بطاقة الرياح بقوة 300 ميغاواط"، مشيراً إلى "أن عملية التفاوض مع المستثمرين المحتملين مكنت تونس من الحصول على أفضل تعريفة لبيع الإنتاج على المستوى الأفريقي، وتُفووض مع المستثمرين بحملهم على جلب البنوك التي تمولهم، لأن 75 في المئة من المشاريع تمولها بنوك أجنبية"، مضيفاً "في فبراير (شباط) من هذا العام انتُهي من المفاوضات وأبرم اتفاق مبدئي مع المستثمرين المحتملين وقُدمت العروض إلى لجنة الطاقة بالبرلمان، على أن يقع أثر ذلك وتمريرها على الجلسة العامة بمجلس نواب للمصادقة عليها بصفة نهائية".

مشاريع صغيرة

لإضفاء مزيد من الحركية وخلق مناخ اقتصادي خاص بالطاقات المتجددة مكن مشروع القانون من بعث مشاريع صغيرة بقدرة طاقية لإنتاج عشرة ميغاواط من الطاقة الفولتضوئية و30 ميغاواط للطاقة الهوائية.

وأوضح شيبوب أنه بالنسبة إلى المشاريع الصغيرة هناك نوعان منها، يتراوحان ما بين واحد وعشرة ميغاواط، مضيفا أن المشاريع من فئة واحد ميغاواط موجهة للباعثين التونسيين، كاشفاً أنه إلى الآن أُسندت 24 موافقة مبدئية بمعدل تعريفة بلغ 180 مليماً لإنتاج كيلوواط كهرباء في الساعة، وفيما يخص مشاريع عشرة ميغاواط إلى الآن أُسندت 18 موافقة مبدئية بمعدل تعريفة بـ118 مليماً.

البلديات والمؤسسات العمومية

سمح قانون إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة للمؤسسات العمومية والبلديات بإنتاج الكهرباء ذاتياً انطلاقاً من الطاقات المتجددة. وعن تقدم العملية أوضح مدير الكهرباء، أنه تم تلقي مطلب وحيد فقط من بلدية واحدة، معللاً تواضع هذا الإقبال بأن البلديات لها موارد مادية محدودة قد لا تسمح لها بتركيز اللاقطات "الفولت ضوئية" لإنتاج الكهرباء بطريقة ذاتية.

وبالمقابل ذكر أن هناك مؤسسات عمومية، بخاصة المستشفيات شرعت في القيام بالدراسات لإنتاج الكهرباء ذاتياً، كاشفا أن أربعة مستشفيات أعربت جدياً عن الدخول في غمار إنتاج الكهرباء ذاتياً بتركيز اللاقطات "الفولت ضوئية"، وأضاف أنه لتيسير تسريع نسق الإنجاز مُنحت المؤسسات العمومية التسهيلات الضرورية لإنجاز هذا النوع من المشاريع.

شركة الكهرباء

وبالسؤال عن الإمكانات المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز "الستاغ" لشراء فائض الإنتاج الذاتي للكهرباء من الصناعيين ومختلف المنتجين للكهرباء من الطاقات المتجددة، قلل شيبوب من خطورة هذه المسألة بالتوضيح بأن كل كيلوواط في الساعة ستحصل عليه "الستاغ" من الطاقات المتجددة سيعوض لها كمية مهمة من الغاز الطبيعي المستوردة.

وأردف "أن ربح شركة (الستاغ) سيتمثل أيضاً في أن الكيلوواط في الساعة المتحصل عليه من الطاقات المتجددة ستكون تكلفته أقل ثمناً من الكيلوواط المنتج عبر الغاز الطبيعي المورد". ولفت إلى "أن سعر كيلوواط ساعة المنتج من الغاز الطبيعي بلغ في 2019 ما قيمته 200 مليم، وأن معدل إنتاج كيلوواط ساعة متأت من الطاقات المتجددة 80 مليماً؛ أي أن الفارق 120 مليماً سيعود إلى (الستاغ) ويخف عليها اقتناء الغاز الطبيعي من الجزائر".

النقابات تعطل مشروع الطاقات المتجددة

ومن جانبه اعتبر فتحي النوري، المتخصص في شؤون الطاقة، "أن لتونس إمكانات هائلة في مجال الطاقات المتجددة، سواء طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية". وأوضح، "أنها شرعت منذ مطلع التسعينيات في رسم سياسة للطاقة بالتعويل على الطاقات المتجددة، غير أنها لم تتواصل بسبب غياب الرؤى الاقتصادية في تلك الفترة، التي تعول فيها على الصناعات التحويلية وانتعاشة السياحة وزيادة العائدات من إنتاج الفوسفات وتحويله". ولم ينكر الجهود المبذولة في البلاد لأجل إطلاق الطاقات المتجددة التي شكلت حلاً اقتصادياً مهماً من جملة حلول أخرى وفق اعتقاده.

وبينما شدد مدير الطاقة على أن الطاقات المتجددة في تونس الممهدة لتركيز الاقتصاد الأخضر والنظيف وهو توجه أصبحت تراهن عليه جل الاقتصادات المتقدمة، تزخر بإمكانات مهمة، من ذلك توافر المواقع لتركيز مشاريع كبرى، مستدلاً في ذلك على الجنوب التونسي الذي يكون فيه الإشعاع الشمسي على مدى السنة تقريباً، علاوة على وجود مواقع في شمال البلاد تخول بتركيز مشاريع الطاقة الهوائية لتوليد الكهرباء. كما أبرز أن الموارد المالية متوافرة، ولا سيما الاستثمارات الأجنبية بتوفر شركات عالمية ترغب في الاستثمار في هذا المجال المهم، لكن فتحي النوري عبر عن تذمره من أنه في الوقت الذي تزخر فيه البلاد بطاقات كبيرة لجعل الطاقات المتجددة عنصر قوة وحلاً لتجاوز الأزمة الاقتصادية، يتواصل بسبب الأزمات السياسية تعطيل هذا الميدان في وقت جد حساس.

وتابع "من غير المقبول أن يظل قطاع الطاقات المتجددة من غير وزارة تشرف عليه مباشرة وتسطر السياسات المستقبلية"، مضيفاً "أن تتالي الحكومات وتنامي الحسابات السياسية الضيقة جعلا القطاع ضحية هذه الصراعات". ولفت إلى "أن وزارة الطاقة ما انفكت تتغير باستمرار من إحداث وزارة تعنى بالطاقات المتجددة إلى إلغائها تماماً وصولاً إلى تسيير وزير الصناعة دواليب القطاع، ما يسهم في حصول تذبذب لدى المستثمرين التونسيين والأجانب في غياب مخاطب وحيد". كما صب جام غضبه على رفض مشاريع الطاقات المتجددة بخاصة من النقابات التي تعارضها بشدة، وتعتبرها مدخلاً للتفويت في شركة الكهرباء الحكومية وتحرير إنتاج وبيع الكهرباء.