Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنجح تونس باسترجاع ثقة الأسواق المالية؟

توجه نحو ترشيد التصرف بالديون والسلطات تؤكد الالتزام بالشفافية للفوز بدعم صندوق النقد

تونس تسعى إلى الاقتراض لمواجهة عجز الموازنة وسط معركة صعبة لكسب ثقة المؤسسات الدولية (أ ف ب)

تسعى تونس إلى الاقتراض من جديد لمواجهة العجز الحاصل في الموازنة، وتخوض الحكومة الحالية جولة مفاوضات مع صندوق النقد الدولي في محاولة لتوقيع اتفاق جديد يمكنها من قرض، ثم الخروج إلى السوق المالية  العالمية للاقتراض، وتحتاج البلاد إلى تمويل من أجل الاستثمار وضمان سداد ديون قديمة، وفي هذا الإطار قدمت الحكومة برنامج إصلاح لصندوق النقد الدولي، من بنوده التي أثارت النقاش بل والانتقادات، إحداث "وكالة التصرف في الديون"، وما تلاه من تصريح رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس أثناء زيارته إلى تونس باستعداد بلاده لوضع  خبرات فرنسية في هذا المجال على ذمة التونسيين.

أول هيكل مالي من نوعه في تاريخ تونس

لم يتم إنشاء هيكل خاص للتصرف في الديون التونسية في تاريخ البلاد، وهي المرة الأولى التي تعمل فيها الدولة على تركيز إدارة خاصة بالتصرف في الديون، وهذا ما ورد على لسان الاقتصادي غازي معلى الذي كشف أن الحكومة هي التي اقترحت إنشاء هذا الهيكل الجديد، وقدمته ضمن برنامج الإصلاح الذي عرضته على صندوق النقد الدولي منذ أكثر من شهر، والهدف منه الضغط على حجم القروض الداخلية والخارجية، وهي لن تتحكم في توجيه الأموال بقدر ما يتمثل دورها في تقديم تقارير خاصة بوجهتها والتصرف فيها.

شفافية التصرف في القروض وتسديد الديون

وقدمت الحكومة التونسية تفاصيل هذا الهيكل الجديد عند عرضها مقترحات الاصلاح الاقتصادي، فهو جسم قانوني اقتصادي جديد مستقل، ومن المنتظر أن تكون "وكالة التصرف في الديون" تحت إشراف وزارة المالية، وتتكون من خبراء تونسيين متحدرين من هذه الوزارة، أي أنهم موظفون ومديرون فيها، لكنها تتمتع بمساحة كبيرة من الاستقلالية، مما يسمح لها برفع تقارير عن التصرف في القروض بهدف مراقبتها، ثم توجيهها إلى رئاسة الحكومة ووزارة المالية والبرلمان للاطلاع عليها، ثم اتخاذ القرارات المناسبة، وبالتالي فإن مهمتها التحقيق في نجاعة التصرف في التمويلات الداخلية والخارجية من طريق الاقتراض لإضفاء مزيد من الشفافية، لكنها لن تشمل الديون القديمة بل ستعمل على مراقبة الاقتراض الجديد.

في المقابل، فإن الوكالة المقترحة لن تصدر أوامر أو قوانين وليست لديها سلطة، بل هي هيئة رقابية استشارية. ونفى معلى أي علاقة لإنشاء هذا الهيكل الجديد بمقترحات فرنسية أو أجنبية، إذ يتمثل تصريح كاستكس في الدعوة إلى الاستئناس بالتجربة الفرنسية الناجحة في هذا المجال لا غير، ولكن تتركز المعضلة في التأخير الحاصل في وضع المقترح، ويحتاج الأمر إلى موافقة البرلمان التونسي والمصادقة عليه، في حين تسابق تونس الزمن للحصول على قروض جديدة خلال الأسابيع المقبلة.

آلية عقيمة غير قادرة على الإصلاح

واستبعد الاقتصادي حسين الديماسي نجاعة مثل هذه الآليات في إدارة الأزمة في تونس المتمثلة في ارتفاع مستوى المديونية، وعجز البلاد عن تسديد ديونها الخارجية في حال عدم موافقة صندوق النقد الدولي على إقراضها، بعد أن وصلت مؤشرات الدين العمومية إلى مستويات خطيرة، فمثل هذه الوكالات لن تحصل على صلاحيات تخولها التدخل لترشيد استغلال القروض، وتوجيهها إلى التنمية، وهو ما لم يحصل في العشرية الأخيرة، إذ تم صرف القروض في النفقات العمومية.

وستكون الوكالة مجبرة على العودة للبرلمان في حال رفعها مقترحات، لذلك فهي شكلية، ولا تملك سلطة مالية أو قانونية، ولن تتجاوز الاستشارة والرقابة، ويبقى الربط والحل بيد الحكومات، وهو ما يعني العجز في الإصلاح أو الدفع باتجاهه في ظل حكومات ضعيفة، و"يبدو أن الأمر لا يعدو كونه محاولة لكسب ثقة صندوق النقد الدولي لإعادة إقراض تونس".

الاقتراض الخارجي

ولجأت الحكومة التونسية إلى الاقتراض الداخلي منذ حلول سنة 2021، بسبب عدم قدرتها على الخروج إلى السوق المالية العالمية نظراً لتفاقم الدين العام، وبلغ حجم الاقتراض في السنة الحالية 5 مليارات دينار (1.85 مليار دولار)، وتم التزود من الخارج فقط بـ 300 مليون يورو (252.1 مليون دولار) من الاتحاد الأوروبي في شهر مارس (آذار) 2021، بينما تم اللجوء إلى السوق المالية الداخلية واقتراض بقية المبلغ من البنوك المحلية. وتعمل تونس على استعادة ثقة المقرضين من طريق برنامج إصلاح، من أهم بنوده حوكمة وترشيد الديون.

34  مليار دولار حجم الدين العام

أما الدافع الأساس لوضع هذه الآليات، فهو فقدان تونس صدقيتها في السوق المالية العالمية ولدى صندوق النقد الدولي بالأساس، وقال الاقتصادي المنجي الإسماعيلي إن الناتج الداخلي الخام في تونس يبلغ  100 مليار دينار(36.3 مليار  دولار)،  وهو حجم المديونية العامة نفسه الذي يقارب 34 مليار دولار، ويمثل الدين العام هنا ديون الدولة  والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، وهو مستوى مرتفع للغاية وخطير، لكن يعود الإسماعيلي ليشير إلى أن الإشكال الحقيقي يتمثل في توجيه استعمالات الدين، إذ تعتمد نسبة كبيرة منه لدعم الموازنة والنفقات العمومية الجارية مثل الأجور ومصاريف الدولة، فالقروض طوال السنوات الأخيرة لم توجه إلى الاستثمار مثلما كان مفترضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فقد أصبحت الدولة تستدين لاستهلاك الدين، والحال أن نسبة النمو لم تتجاوز اثنين في المئة، وانحدرت إلى (8.8 سلبي)، سنة 2021، وهي نسب غير قادرة على خلق الثروة، وأدى ذلك إلى العجز عن تسديد الديون وبالتالي الاستعانة بالدين مرة أخرى لتسديد ديون سابقة.

وتحتاج تونس إلى مبلغ قدره 19 مليار دينار (6.911 مليار دولار) لقفل الموازنة التكميلية لسنة 2021، يوجه منه مبلغ 13 مليار دينار (4.728 مليار دولار) لتسديد ديون قديمة.

وكانت تونس اتجهت في مناسبتين سابقتين إلى صندوق النقد الدولي للاقتراض، وحصلت على قرضين لدعم الموازنة، تم صرفهما على دفعات بين 2013 و2017  .

واشترط الصندوق على الحكومة القيام بإصلاحات اقتصادية تشمل المؤسسات العمومية ومراجعة منظومة الدعم والمنظومة الجبائية والخفض في كتلة الأجور، لكن الحكومات المتعاقبة قدمت وعوداً للقيام بالإصلاحات من دون تنفيذها، مما أفقد البلاد صدقيتها لدى صندوق النقد الدولي والسوق المالية كما قال الإسماعيلي.

الإجراءات الترقيعية

أما الحكومة الحالية فعمدت إلى إجراءات تعتبر "ترقيعية" وغير جوهرية، تهدف من خلالها إلى استرجاع ثقة الممولين، ومنها العمل على إنشاء "وكالة التحكم في الديون" وفق حسين الديماسي، لكن تبدو الوضعية المالية صعبة للغاية بالنسبة للمفاوض التونسي هذه المرة، فقد سبق أن قدم مثل هذه الوعود بالشفافية والحوكمة الرشيدة، ولم يكن وفياً في مناسبات سابقة مع الطرف نفسه، وهو يواجه إمكان رفض صندوق النقد الدولي، مما يجعل الخروج إلى السوق المالية للاقتراض أمراً صعباً للغاية، لأن الاتفاق مع الصندوق يضفي الصدقية على المقترض في السوق العالمية، وفي ظل هذه الأزمة تظل تونس مهددة بعدم العثور على مانحين أو اللجوء إلى الدين بمقاييس موجعة.