Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الإغراء" بوصفه شكلا من أشكال التسويق

يعقّد الخيط الرفيع بين قيم الحرية واستثمارها اقتصاديا فرص التصدي لـ"التشييء" واعتباره سلوكا استغلاليا

التسويق بـ"الاستثارة البصرية" يتعامل مع المسوّقات بصفتهن جزءاً من المنتج (اندبندنت عربية)

في شتاء عام 2014 قامت مجموعة من النادلات في مطاعم بوسطن وشيكاغو بالولايات المتحدة الأميركية بحركة احتجاجية، وهن يرفعن لافتات كُتب عليها، "أنا لست ضمن قائمة الطعام"، بسبب إجبارهن على ارتداء قمصان ضيقة "مثيرة" من أجل إغراء الزبائن وجلبهم مرة أخرى. لكن، وبعد مرور بضع سنوات، ومع ظهور برامج التواصل الحديثة التي جعلت من الجانب البصري جزءاً أصيلاً من عملية التسويق، يتداعى سؤال مثير أيضاً، هل بات ما يعرف بمصطلح "التشييء الجنسي"، أو ما يوصف بتسليع المرأة، ركيزة أساسية في عالم التسويق والشهرة عبر المنصات الإلكترونية، كما تعرضت له نادلات مطاعم كبرى الولايات الأميركية؟

سؤال يجب ألا تلبث طويلاً في البحث عن إجابته قبل أن تهم بالدخول إلى عوالم "الترندات" التي أضحت وجهة "للاستثارة البصرية" عبر أجساد النساء ممشوقات القوام المدفوعات بمتطلبات شركات دعاية تفضل الأزياء اللافتة والمثيرة من أجل التسويق لمنتجاتها، أو بدوافع شخصية من قبل النجمات بحثاً عن الشهرة والأبهة وترف الأغنياء وعيشهم.

 

هذا النوع من الاستثارة البصرية التي تفسرها الفلسفة الاجتماعية أنه "سلوك ينتزع من المرأة إنسانيتها"، يقودنا نحو المفهوم الفرويدي لشبق النظر، أو ما يعرف بـ(السكوبوفيليا)، أو متعة المشاهدة، الذي يأتي تعبيراً عن سلوك جنسي عبر لذة النظر في الأجساد شبه العارية والصور المثيرة لإغراء المستخدمين، وهذا أمر وإن أصبح منهاجاً حديثاً بالوسيلة، لكنه قطعاً ليس حديثاً إذا ما نظرنا إلى تجارب تاريخية سابقة، خاصة في سبعينيات القرن الماضي، حين بلغ "التشييء" ذروته قبل انتفاضة ما تعرف بـ"حركة تحرير المرأة"، لكننا يجب أن ندرك اليوم أننا في عصر تطغى فيه "رأسمالية" منصات التواصل التي استحدثته لجدوى المال والشهرة من خلال نقل "البراندات" من الشنط باهظة الثمن إلى أجساد النساء.

وهنا، تبرز معادلة معقدة عند الحديث عن الاستثارة البصرية، بين التمسك بمبادئ الحرية التي تضمن للفرد حرية التصرف بجسده وفق الثقافة الليبرالية التي تتوسع في مفهوم الحرية، وبين أن يكون أداة استثمارية يجري فيها استثمار هذه الحرية بواسطة رأس المال، ما يجعل دافع السلوك المثير متأرجحاً بين قيم الحرية وقيم السوق، وهو ما يتطلب تأصيلاً علمياً لتجنب الخلط بين القيمتين.

التشييء الجنسي والتجريد من الإنسانية

بالعودة إلى مصطلح التشييء الجنسي، أو الجنسنة sexual objectification)‏) يعرف أنه "أسلوب يعامل به الشخص، باعتباره مجرد أداة تعامل الشخص كسلعة أو كشيء مع إهمال شخصيته أو كرامته أو إنسانيته"، وغالباً ما يقيم كسلوك اجتماعي وفردي، لكنه في النهاية يعد شكلاً من أشكال التجريد من الإنسانية.

تماماً كما يصفه الفيلسوف الوجودي بول سارتر في كتاب "الكينونة والعدم"، في مفهوم النظرة، فحين يخلق فعل التحديق إلى إنسان آخر ثمة فرق غير موضوعي في القوة، وهو ما يشعر به المحدق والمحدق إليه، لأنه كما يقول، "ينظر له كشيء، وليس كإنسان"، هنا يجب أن تتفقد مشاعرك خلال التحديق في حسناوات داعايات "سناب شات" و"إنستغرام" التي قد تشاهدهن كـسلعة استعراضية لا أكثر.

الإفراط في التوظيف البصري

خلال التجول بين المنصات الاجتماعية التي باتت مكاناً مفضلاً لقطاع الدعاية والإعلانات، تجد فجوة شاسعة بين المنتج وطريقة تسويقه بسبب إصرار صاحب المنتج على توظيف "الاستثارة البصرية" في سياقات لا تحتمل في بعض الأحيان، كأن تجد شركات دعاية تعرض منتجاً رجالياً بواسطة حسناء تطغى أنوثتها ومفاتن جسدها على المنتج الذي تشير فيه إلى أنه يقضي على "صلع الرجال" في فترة ليست بالطويلة دون عناء زيارته لعيادات زراعة الشعر، وهذا يعيدنا إلى أساليب "التشييء الجنسي ومفهوم النظرة لدى سارتر".

ليس هذا وحسب، منتجات أخرى يمكنك مشاهدتها في عالمنا العربي تجد غالباً أن الترويج لها يجري عبر استغلال المرأة بغرض الاستثارة البصرية التي تقود الرجل نحو تفقد بطاقته الائتمانية بغرض الشراء. ولا يمكن أن يكون هذا خاصاً بالمنتجات الرجالية وحسب، إذ إن النساء أيضاً مستهدفات عبر هذه الحيل التي ضاقت بها أفئدة نادلات بوسطن وشيكاغو قبل سبع سنوات من الآن.

التسليع كسلوك سياسي

وقد يتبادر إلى ذهنك ما إذا كان "تسليع النساء" خاصاً بالوطن العربي أم لا؟ قطعاً، لم يكن السباق نحو هذا الأمر خاصاً بجغرافية محددة عبر الأزمان، فالغرب على سبيل المثال كان سباقاً نحو هذه الحيل، حتى إنها لم تكن مقصورة على الشركات الخاصة أو بالمنتجات الاستهلاكية، فالسياسيون أيضاً كانوا قد برعوا في استغلال الجسد كأداة لجذب ملايين الأصوات نحو صناديق الاقتراع، كما يشير إلى ذلك ملصق (لا يمكننا عرضه هنا)، كان ضمن حملة لتانيا ديرفو مرشحة "حزب NEE السياسي" في انتخابات 10 يونيو (حزيران) 2007 لمجلس الشيوخ البلجيكي حين استعرضت عبر ملصقها الدعائي فتاة عارية، وكتبت عبارة ذات إيحاء جنسي كمكافأة للمصوتين، والأمثلة حافلة بالمتشابهات في شركات النبيذ والسياحة والسفر وأدوات التجميل.

خلال رحلة تقصّي الأمر من كثب والتواصل مع نجمات "الترند العربي" المثيرات لجدل الحديث دوماً، الذي لا يتجاوز الحديث عنهن عادة دون عبور "النظرة الجنسية" قمت بالتواصل مع أبرزهن اللاتي بادرن رسالتي برسالة تبدو آلية تقول إحداهن فيها، "الإعلان الشخصي بـ2000 ريال، أي (ما يعادل 533 دولاراً)، أما الإعلان للشركات فبحسب المنتج والموقع". ولم تفلح محاولاتنا للحصول على إجابة منهن حول ما إذا كان "الترويج بالإغراء" دافعه الشركات أم النفس الساعية خلف وهج الأضواء.

كبرى المناسبات الرياضية مارست ذلك أيضاً

يقول رياض محمد نبيل، المتخصص في الاستراتيجية والتحليل في الحملات الدعائية والرقمية، والشريك المعتمد في برنامج "شركاء غوغل"، إن "الأمر ليس غريباً، فهو متعارف عليه عالمياً، فكبرى المونديالات وألعاب الأولمبياد تستعين بالحسناوات والراقصات من أجل استثارة المتابعين. آخر مونديال أقيم في روسيا لكأس العالم في نسخته الـ21 استعان براقصات بالية في عروض الافتتاح".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد رياض لـ"اندبندنت عربية"، أن كبريات البراندات "تنتقي الفتاة التي تلبي حاجتها من خلال الترويج لمنتجها". ويضيف، "هو بلا شك استغلال لجسد المرأة بدافع جلب المال".

وأضاف مدير التسويق الرقمي، الذي يعمل في كبرى الشركات بالخليج، أنه وإن "كان يشوبه ملاحظات أخلاقية إلا أنه يعد مجدياً تجارياً، ولهذا نجد السلع تحظى برواج كبير، حين تعمل على تسويقها الفتاة بطريقة إغرائية، عكس الشاب إن أراد تسويقها".

ويشير علماء الاجتماع إلى أن هذا النوع، "تشييء وتسليع الإنسان" إلى أنه في عصور مضت كان بسبب خلفيات عنصرية لها علاقة بلون الجسد أو العرق. كما تفسر الفيلسوفة الأميركية مارثا نوسباوم "تشييء الإنسان"، أنه كان يستخدم ضد عرقيات بعينها، بوصفه مجرد أداة، وليس إنساناً له هويته، كما أنها تجري معاملته على أنه يفتقر إلى الاستقلال الذاتي وتقرير المصير، إضافة إلى أنه "يحرم المرء من ذاتية معتبرة أمام الآخرين"، ويعامل الشخص وفق مارثا، على "أنه شيء دون قيمة يمتلكه شخص آخر (يمكن شراؤه وبيعه)".

"الثقافة الاستهلاكية وهوس الشهرة" يغذيانه

"الثقافة الاستهلاكية وهوس الشهرة والشركات التجارية دفعا الكثيرات نحو تسليع الجسد"، هذا ما قالته الكاتبة والروائية الإماراتية مريم الكعبي، عند سؤالها عن الاستثارة في قالبها التسويقي.

وأضافت، "الثقافة الاستهلاكية طاولت جميع جوانب الحياة، ونشرت السطحية والتفاهة، وصنعت خللاً في المفاهيم، كما أنها أيضاً أنتجت سلع التفاهة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي".

وكانت الكعبي، صاحبة رواية "أسرار امرأة تحترق" التي لاقت انتشاراً واسعاً في الخليج، قد تعاطت بحذر حول الخيط الرفيع الذي يجعله متداخلاً مع قيم الحرية، إلا أنها تؤكد "مفهوم التحرر الذي يخدم جسد المرأة ويحمي استقلاليته كان عاملاً مشجعاً نحو ثقافة التسليع، عمل كهذا هو في الحقيقة امتهان لكرامة المرأة وإنسانيتها. إنه عبودية بشكل عصري، لأنها تجارة ونخاسة لجسد المرأة"، بحسب وصف الكاتبة الإماراتية.

وتواصل الكعبي التي ترى أن ثمة تطبيقات حديثة تدعم مثل هذه السلوكيات وأغلب الإناث فيها هن مجرد أدوات عرض، قائلة، "الشركات التجارية ترى أن استغلال جسد المرأة يحقق الإثارة المطلوبة، ويجتذب الرجال إلى الإعلانات أو الأفلام".

أمر آخر كما تقول يبدو أنه لا يقل أهمية أيضاً، وهو هدف "اجتذاب الأنظار" بالنسبة إلى نجمات التواصل الاجتماعي هو بالنسبة لهن "قيمة لا تضاهى"، وهذا كما تشخصه الكعبي، "دليل على فقر فكري وإحساس بالنقص يدفعهن نحو التخلص منه من خلال تسليع الذات".

التغيرات الشكلية

وتلقي المعايير التجارية للجمال الظاهري بظلالها بالضرورة على معايير الجمال، حتى تكاد تتشابه قوام وملامح نجمات التواصل الاجتماعي في شكل الأنف والشفاه مع المعايير التي تقرها شروط الغلاف في فترة زمنية ما، في محاولة من قبل هذه الوجوه في الحفاظ على موقعها في رفع خيارات الدعاية والإعلان لدى هذه الشركات، وهذا له ضريبته النفسية، فغالباً ما يقودهن ذلك نحو القلق والاضطراب النفسي والارتياب من مظهرهن بشكل دائم.