عُرف عمر الخيام برباعياته الشعرية التي طبقت شهرتها الآفاق وتُرجمت إلى أكثر من لغة، فإذا ما ذُكر الخيام ذكرت رباعياته الشعرية. هذه الرباعيات كان لها نصيب أيضاً من غناء السيدة أم كلثوم بعد أن ترجمها إلى العربية الشاعر وكاتب الأغاني الشهير أحمد رامي، مما أسهم بلا شك في ذيوع اسم عمر الخيام شعبياً وفي زيادة الإقبال على منجزه الشعري، غير أن هناك جانباً آخر في حياة الخيام لا يقل أهمية عن هذا المُنجز الشعري، بل ويتفوق عليه ويسم تجربته وحياته على نحو عام، فقبل أن يكون الخيام شاعراً كان عالماً فذاً في الرياضيات والفلك والهندسة، وله رسائل ومؤلفات عدة في هذا الخصوص، بل ويعد أحد الركائز الأساسية في تاريخ الرياضيات وتطورها.
عُرف الخيام بين العلماء وطلبة العلم في الغرب كأحد أبرز علماء الرياضيات بعد ترجمة رسالته الشهيرة "الجبر والمقابلة" إلى الإنجليزية في منتصف القرن الـ 18، فجذبت هذه الرسالة اهتمام العلماء وكان لها أثرها في تطور علوم الرياضيات في العالم، وهو ما لفت إليه الانتباه وسلط الضوء على بقية مؤلفاته ورسائله المتعلقة بعلوم الفلك والرياضة والهندسة خلافاً للشعر.
كان الخيام من علماء الفلك المعدودين في عصره، ويرجع إليه الفضل في إصلاح التقويم الفارسي ووضع تقويم جديد عُرف في ما بعد بالتقويم الجلالي، وهو المعمول به إلى اليوم، وقد اعتبره المؤرخ العلمي الأميركي جورج سارتون أعظم عباقرة الرياضة في عصره، فهو قدّم 13 شكلاً من المعادلات التكعيبية، وحاول حلها جميعاً، وأعطى حلولاً جبرية لعدد منها لم يصل إليها أحد حتى الآن.
طلاسم الرياضيات
هذا الارتباط الوثيق بين عمر الخيام والرياضيات وعمله الدؤوب على فك طلاسم حساب المثلثات يترجمها بصرياً العمل التركيبي للفنانة منير شهرودي "نافورة الخيّام" الذي يُعرض حالياً في مؤسسة الشارقة للفنون كتكريم للفنانة الراحلة.
يعرض العمل في أستوديوهات الحمرية التي سبق واستضافت المعرض الاستعادي الأخير للفنانة، ونظمته المؤسسة بالتعاون مع المتحف الإيرلندي للفن الحديث عام 2019 بعنوان "غروب وشروق".
حصلت المؤسسة على العمل كإعارة طويلة الأمد، وهو يعد آخر الأعمال التركيبية الرئيسة التي أنجزتها شهرودي بتكليف من ترينالي بروج عام 2018، وواحداً من أكثر مشاريعها المنجزة طموحاً، فهي استلهمت فيه العوالم المتعددة لعمر الخيام. أدخلت شهرودي في نافورتها تلك أشكالاً هندسية متعددة الأوجه من مثلثات وأشكال خماسية وسداسية لتشكيل برج دوار فوق قاعدة جوفاء، ويخلق هذا الشكل الذي ابتدعته الفنانة من وحي اهتمام الخيام بالعلوم الرياضية انكسارات ضوئية متنوعة في أوقات مختلفة من النهار، كما يستحضر شكل النافورة مجازية الماء باعتباره ينبوعاً متواصلاً للحياة.
ويصف مدير المقتنيات في مؤسسة الشارقة عمر خليف عمل شهرودي بأنه واحد من أهم أعمالها الفنية، وهو عمل تركيبي يعبر عن المخيلة بكل تعقيداتها، وتفاعلها الأثيري مع الضوء، كما يكشف عن شغف الفنانة بتحويل الزجاج إلى مادة مفعمة بالحركة والحياة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ابتكرت شهرودي على مدار ستة عقود أعمالاً فنية من الزجاج والفسيفساء والورق والقماش، وهي تستمد أفكارها من اهتمامها اللافت بالهندسة والتصوف والعمارة الإسلامية، وتتمحور تجاربها دائماً حول النمط واللون والتكرار، منتجة مجموعة متنوعة من الأعمال التجريدية، وتستكشف ممارستها الفنية تكرار الأنماط والأشكال في الفن والعمارة الإسلاميين لابتداع عناصر وأشكال مفعمة بالألوان وذات طابع هندسي وتأملي، تتخللها شرائح الضوء التي تتماهى مع ثنايا المرايا المتشظية، وقد شكّلت أعمالها جزءاً من مقتنيات متحف ميتروبوليتان للفنون في نيويورك، ومتحف طهران للفن المعاصر، ومتحف الفن المعاصر في طوكيو، إلى جانب مؤسسة الشارقة للفنون.
وفي تعليقها على استضافة مؤسسة الشارقة لعمل شهرودي تقول الشيخة حور بنت سلطان القاسمي رئيسة المؤسسة، "إن عرض هذا العمل في أستوديوهات الحمرية له أهمية خاصة باعتبارها المكان الذي احتضن المعرض الاستعادي الأخير للفنانة، وهو يعكس اهتمامنا بممارستها الفنية الملهمة والمؤثرة، والتزام المؤسسة أيضاً بدعم الفنانين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا". وأضافت القاسمي، " يتوسط هذا العمل فضاء العرض في أستوديوهات الحمرية، مما يجعله متاحاً على مدار العام للجمهور المحلي، وللزوار والمشاركين في معارض أو برامج المؤسسة، ونأمل بأن يصبح عملاً تركيبياً ثابتاً على المدى الطويل حتى يستمتع به الناس على نطاق واسع".