Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فولفغانغ بورشرت العائد من الجبهة النازية جسّد صوت الجيل الضائع

مدينة هامبورغ تحتفل بمرور مئة عام على مولد الكاتب الطليعي الذي مات في الـ26

الكاتب الألماني فولفغانغ برشرت (موقع مسرح بورشرت)

"نحن جيل بلا وداع"، يقول فولفغانغ بورشرت (1921–1947) ملخصاً مأساة جيله الذي سيق إلى الحرب دون أن يودعه أحد. جيل خاض الحروب وفقد الوطن، ثم حمل إلى القبر دون أن يهتم بموته أحد: "نحن جيل بلا رابط ولا عمق. عمقنا الهاوية. نحن جيل بلا حظ، بلا وطن، وبلا وداع". بهذه الكلمات، وبمسرحيته الشهيرة "في العراء، أمام الباب"، وبقصصه القصيرة التي كتبها على فراش المرض، أضحى بورشرت صوت الجيل الشاب العائد من الجبهة النازية إلى ألمانيا، كما غدا صوت كل العائدين إلى وطنهم بعد الحرب التي تأتي على كل شيء، حرب تقتل الناس، وتهدم البنايات، وتقضي على الآمال والأحلام.

في ذكرى ميلاده المئة التي تصادف هذا الشهر، نشرت مكتبة جامعة هامبورغ إلكترونياً إرثه الأدبي الذي لم ينشر بعد، ويضم رسائله ومخطوطاته وصوره ورسوماته، وكذلك تستعيد هامبورغ – مسقط رأسه - أعماله في مهرجان أدبي تقام معظم فعالياته إلكترونياً بسبب جائحة كورونا.

"هامبورغ تقرأ بورشرت" هو عنوان المهرجان الذي بدأ في السابع من أبريل (نيسان)، ويستمر حتى الخريف، ويضم نحو 30 فعالية، ما بين قراءات ومعارض وعروض مسرحية وعرض لفيلم مأخوذ عن مسرحيته "في العراء، أمام الباب". ومن بين الندوات التي أقيمت إلكترونياً ندوة استضافت كتاباً في المنفى الألماني، وهم الكاتبة روزا ياسين حسن، وأحمد قطليش من سوريا، والصحافي الإيراني أوميد رضائي، دار الحديث فيها عن راهنية أعمال بورشرت على خلفية الحروب والتهجير في عالمنا اليوم.

على الرغم من قصر حياته استطاع بورشرت أن يكون أكثر الأصوات الألمانية قدرة على التعبير عن جيل الجنود الشبان العائدين من الحرب العالمية الثانية. هذا الجيل الذي زج به في جيش هتلر، ثم عاد بعد انتهاء الحرب يبحث عن بداية جديدة بعد الخراب الذي أصابه وأصاب بلده. وعلى الرغم من مرور نحو 75 عاماً على وفاة الكاتب، فما زالت أعماله تتمتع، لرمزيتها، براهنية كبيرة، وما زالت تستطيع مخاطبة كل من مر بتجربة الحرب وفقدان الوطن. ولهذا لقيت أعماله إقبالاً كبيراً من المترجمين في العالم، ونقل جزء كبير من قصصه إلى العربية منذ الستينيات، وترجمت بعض قصصه أحياناً أكثر من مرة في المجلات والدوريات العربية، مثل قصة "الخبز"، و"ساعة المطبخ"، و"الجرذان أيضاً تنام في الليل"، وكذلك مسرحيته "في العراء، أمام الباب".

لم يكن ما كتبه بورشرت ينتمي إلى "أدب الأنقاض" مثلما أطلق على كتابات تلك الفترة في ألمانيا. قصص بورشرت تمنح الأمل، لأنه كان يشعر بالأمل، حتى والغرق يهدده كما يقول في إحدى قصائده: "أود أن أكون منارة/ في الليل والرياح/ للأسماك/ لكل قارب/ لكنني/ سفينة/ مهددة بالغرق!" بصيص الأمل الذي كان يراه بورشرت يلمحه القارئ في زهور "سن الأسد" (أو الهندباء البرية)، تلك الزهور الصفراء التي تضيء زنزانة السجن كالشموس الصغيرة (قصة "سن الأسد")، أو في الضوء الذي يسطع على وجه طفل بين الأنقاض (قصة "الملوك السمر الثلاثة")، أو في الأرانب الوليدة التي تجعل الصبي الذي فقد أخاه يتشبث بالحياة من جديد (قصة "الجرذان أيضاً تنام في الليل").

البحث عن لغة جديدة

بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية كان الألمان يتوقون إلى جيل جديد من الأدباء الذين لم يلوثهم الخطاب النازي، أدباء يعبرون عن مشاعر الناس وأحلامهم، لا عن السلطة الحاكمة، ويمثلون "ضمير الأمة" التي كانت يوماً "بلاد الشعراء والمفكرين"، وأضحت "بلاد القضاة والجلادين". في تلك الأجواء – وتحديداً في عام 1947 - تأسست "جماعة 47" الأدبية التي كانت أحد أهم المنابر الأدبية الجديدة في المنطقة الألمانية. ضمت الجماعة شباناً أضحوا في ما بعد نجوماً، مثل غونتر غراس وهاينريش بــل، وإنغبورغ باخمان وهانس ماغنوس إنتسنسبرغر. وفي العام الذي تأسست فيه الجماعة الأدبية كان فولفغانغ بورشرت يلفظ أنفاسه الأخيرة.

"كان من الصعب للغاية كتابة نصف صفحة من النثر في أعقاب عام 1945": هذا ما قاله هاينريش بل، الأديب الحائز جائزة نوبل عام 1972، والذي خاص الحرب جندياً في جيش هتلر. وتبين لنا هذه المقولة على خير وجه، إنجاز بورشرت الذي استطاع بلغته البسيطة الصادقة، الخالية من الزخارف البلاغية، أن يعبر عن مشاعر الملايين من الألمان بعد الحرب. كتب بورشرت قصته الأولى "سن الأسد" في يوم واحد، هو الرابع والعشرين من يناير (كانون الثاني) عام 1946، في دفقة واحدة، من دون تصحيح أو شطب. في نوبة نشوة قصيرة ولدت قصته مكتملة.

يقول بورشرت في هذه القصة التي تستعيد خبراته في سجون النازية: "أتعرف هذا الشعور، ألا تعتمد إلا على ذاتك، أن تترك وحيداً مع نفسك، أن تسلم لذاتك؟ لا أستطيع القول إن ذلك شنيع، غير أنه إحدى أكثر المغامرات إثارة التي يمكن أن نمر بها في هذا العالم: أن تقابل نفسك. أن تقابلها كما يحدث هنا، في الزنزانة رقم 432: عارياً، لا حول لك ولا قوة، لا تفكر إلا في ذاتك؛ بلا صفة، دون تشتيت، ودون إمكانية فعل شيء. وهذا هو الأكثر إهانة للكرامة: أن تسلب تماماً من إمكانية الفعل. لا زجاجة للشرب أو للتحطيم، لا منشفة للشنق، لا سكين للهروب أو لقطع العروق، لا قلم للكتابة، لا شيء – إلا الذات. ما أقل ذلك في غرفة خاوية بأربعة جدران عارية. هذا أقل مما يحوزه العنكبوت الذي يفرز دعائم، ثم يخاطر بحياته فوقها، مغامراً ما بين السقوط في الفراغ أو على الشبكة. أي خيط سيلتقطنا إن سقطنا نحن؟ قوتنا الذاتية؟ هل سيمد الرب يده ليلتقطنا؟".

قبل أن يكتب "سن الأسد"، كان بورشرت شاعراً يسعى إلى نشر قصائده دون أن يحقق نجاحاً كبيراً. أما في هذه القصة فقد برهن على أنه قاص بامتياز، قاص حداثي سابق لعصره. ومن هنا ولدت "أسطورة بورشرت"، مثلما قال زميله الشاعر بيتر رومكورف؛ ليس سبب تلك "الأسطورة" المرض والملاحقة السياسية والموت المبكر فحسب، بل هذا الاكتمال والنضج الفني منذ البداية.

حياة مهددة بالسجن والحرب والمرض

بدأ بورشرت يكتب الشعر في صباه متأثراً بشاعره المفضل راينر ماريا ريلكه، ولفت الأنظار عندما نشر إحدى قصائده في صحيفة يومية، غير أنه فاجأ أصدقاءه ومعارفه عندما اختار التمثيل مهنة. لم يرضَ أبوه عن اختياره، فألحقه بإحدى المكتبات ليعمل بائعاً. وعمل بورشرت في المكتبة، ولكنه شرع في دراسة التمثيل إلى جانب عمله، وحصل على دبلوم فيه. عمل بورشرت ممثلاً في إحدى الفرق المسرحية، وبدأ يحقق حلمه، غير أن القدر لم يمهله طويلاً، فسرعان ما جاءه أمر التجنيد، وأرسل إلى الجبهة مع مئات الآلاف من الشبان، ولم يكن تعدى عامه العشرين. على الجبهة الروسية أصيب الجندي بمرض في الكبد، وكانت يده مصابة برصاصة، كما كان يعاني آلام الحمى الصفراء والدفتريا. وبهذه الحالة مثل أمام المحكمة العسكرية. اتهمه الادعاء العام بأنه أصاب يده عمداً حتى يتخلص من الجندية، وهكذا طالب بإعدامه رمياً بالرصاص. ويذكر رومكورف في كتابه عن بورشرت أن فرحة الكاتب كانت لا توصف عندما زاره محاميه الدكتور هاغر، ليس لأنه التمس فيه محامياً قادراً على إنقاذه من غياهب السجن؛ كلا، بل لأنه وجد أخيراً شخصاً يتحدث معه عن شاعره المحبوب ريلكه!

 

صدر الحكم بسجنه أربعة شهور، ثم خفضت المدة إلى ستة أسابيع من الحبس المشدد. وبعد ذلك صدر قرار ترحيله إلى الجبهة الروسية، لكن مرضه كان أقوى من الأوامر العسكرية، لذا قرروا إنهاء خدمته في جيش هتلر. عشية الإفراج عنه تهكم بورشرت أمام زملائه من وزير الدعاية الدكتور غوبلز، وقال مقلداً إياه: "تعرفون أن الكذب ليس له سيقان. إلا أن طبيبي تمكن من ابتكار سيقان اصطناعية أمشي عليها بصورة شبه طبيعية. على الجندي الألماني أن يحارب حتى الطلقة الأخيرة، عندئذ سيتعلم كيف يعدو بأقصى سرعة. وستسمحون لي، أيها الرفاق، أن أعدو أمامكم - فأنا معاق عن المشي". وبالطبع وُشي به على الفور، فنقل من المستشفى إلى سجن برلين موآبيت. دافع عنه محاميه دفاعاً مستميتاً لتصوير الأمر على أنه محض تقليد لما سمعه في الليلة السابقة من نكات ومزاح، فموكله ممثل، وهو يعشق جذب الأنظار. وبالفعل قررت المحكمة الإفراج عنه، غير أنه نقل إلى معسكر آخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كانت الحرب قد أوشكت على الانتهاء، وما لبث الجندي أن وقع أسيراً لدى القوات الأميركية التي أفرجت عنه. عندئذ سار مريضاً محموماً، من مدينة فرانكفورت، في قلب ألمانيا، متجهاً إلى هامبورغ في أقصى الشمال، قاطعاً على قدميه نحو 600 كيلومتر. وفي مطلع مايو (أيار) 1945 وقف على مشارف مدينته وقد بلغ به المرض غايته. كان عليه أن يستريح ويستجم طويلاً، لكن كيف له ذلك وهو يريد الاشتراك في البداية الجديدة بكل ما يتفجر داخله من رغبة هائلة في الحياة؟

"في العراء، أمام الباب"

حاول بورشرت أن يبدأ حيثما توقف قبل الحرب، فانغمس في العمل بالمسارح، وأسس فرقة كوميدية، غير أن المرض أجبره على الرقاد في فراشه في شتاء 1945/1946. في تلك الفترة كان يكتب بسرعة محمومة. وخلال ثمانية أيام من شهر يناير (كانون الثاني) 1947 خط بورشرت على فراشه مسرحيته الوحيدة "في العراء، أمام الباب"، وفيها يعود الجندي بيكمان المصاب في ركبته، فيجد زوجته في أحضان رجل آخر، فيبحث عن شقة والديه، ويكتشف أن عائلة أخرى استولت عليها بعد أن انتحر الوالدان، يحاول البحث عن عمل أو البدء بداية جديدة، لكن دون جدوى. حتى عندما يلقي بنفسه في نهر الإلبه، يقذفه النهر إلى الضفة. يقول بورشرت في مطلع المسرحية: "يعود رجل إلى ألمانيا. تغيب الرجل طويلاً. طويلاً جداً. ربما أطول من اللازم. يعود وقد تغير تماماً عما كان عليه عندما رحل. ظاهرياً يشبه بشدة ذلك الشكل الذي يقف في الحقول حتى يفزع الطيور (ومساءً يفزع الناس أيضاً أحياناً). وباطنياً يشبهه أيضاً. لقد انتظر ألف يوم في العراء وفي البرد. بعظمة ركبته كان عليه أن يدفع ثمن تذكرة الدخول. وبعد أن انتظر ألف ليلة في العراء وفي البرد، يعود أخيراً إلى بيته (...) هو واحد من هؤلاء الذين يعودون إلى البيت، لكنهم في الحقيقة لا يعودون إلى البيت، لأنه لم يعد هناك بيت لهم. أصبح بيتهم في العراء، أمام الباب".

لم يكن بورشرت يتوقع للمسرحية أي نجاح، لذا أعطاها عنواناً فرعياً هو: "مسرحية لا يريد أي مسرح أن يعرضها، ولا يريد أي جمهور أن يشاهدها". غير أنه كان مخطئاً. أذيعت المسرحية كتمثيلية راديوفونية في فبراير (شباط) 1947، ولقيت نجاحاً هائلاً أدهش كاتبها. وسرعان ما انهالت عليه العروض من المسارح الألمانية. ووجدت قصصه وأشعاره طريقها إلى المطبعة في زمن كان الورق فيه شحيحاً للغاية، لكن بورشرت لن يرى كتبه مطبوعة، ولن يرى العرض الأول لمسرحيته على خشبة مسرح مدينته هامبورغ في ليلة الحادي والعشرين من نوفمبر عام 1947، فهو توفي قبلها بيوم واحد في أحد مستشفيات بازل في سويسرا عن ستة وعشرين عاماً.

المزيد من ثقافة