Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ميريل ستريب وكيفين كلاين يتواجهان عاطفيا على المسرح  

 الاميركية سارة روهل تفضح في "عزيزتي إليزابيث" العلاقة الملتبسة بين شاعر وشاعرة

ميريل ستريب وكيفين كلاين في عرض "عزيزتي إليزابيث" أون لاين (اندبندنت عربية)

يستمر برنامج  "Spotlight on Plays" في تقديم سلسلة من العروض والقراءات لـ"أهم مسرحيات"  برودواي مع طاقم من نجوم المسرح  والسينما في بث افتراضي حي، ضم حتى تاريخ اليوم سبعة عروض، كان ختامها مع نص الكاتبة المسرحية سارة روهل "عزيزتي إليزابيث" الذي أداه ركنان أساسيان من أركان  المسرح والسينما، ميريل ستريب وكيفين كلاين.  يعود ريع هذا البث المسرحي الحي لصندوق دعم الممثلين ولفرقة the Acting Company   التي  تأسست عام 1972. على مدى ساعة وأربعين دقيقة، تتحول شاشة المسرح الافتراضية إلى ناقل صوتي لرسائل الشاعرين روبيرت لوويل وإليزابيث بيشوب الحاصلَين على جوائز شعرية عديدة، منها جائزة بوليتزر للأدب.

30 عاماً من المراسلات

جمعت روهل رسائل الشاعرين اللذين ربطتهما صداقة، وكان بينهما علاقة متينة ومعقدة حتى أن البعض وصفها بالحب العذري. على الرغم من الرابط الشائك بينهما والمسافات التي فرقتهما، عدا عن اختلاف توجههما الشعري وتناقض طباعهما، دامت مراسلاتهما لأكثر من ثلاثين عاماً. وبينما كانت الشاعرة انطوائية ومنعزلة بعض الشيء، بحيث تم توصيفها بالوجه الغامض في المشهد الشعري الأميركي، كان روبيرت لوويل اجتماعياً، منفتحاً، مكثراً وغير متوقع في علاقاته النسائية، غزير الكتابة على عكس إليزابيث التي جعلها ميلها نحو الكمال مقلة في عدد قصائدها، وهي لم تتخط المئة قصيدة وقصيدة طوال حياتها. لم يمنع هذا الأمر كثيراً من النقاد من القول إنها "أحد أهم الشعراء الأميركيين في القرن" وأكثرهم حساسيةً. ليست الرسائل التي أظهرتها سارة روهل في نصها المسرحي إلا حفنة صغيرة من 400 رسالة تبادلها الشاعران طوال حياتهما.

ركزت روهل في نصها (إضافة إلى الأحداث المهمة في حياة الشاعرين كزواجات روبيرت وسفر بيشوب المتكررين) على إبراز الهشاشة التي تختفي خلف صلابة كلتا الشخصيتين، ولربما تلك الأماكن هي الأجمل في النص، الحب الذي تم بوحه في وقت متأخر، وعزة نفس إليزابيث بيشوب وإحساسها الدائم بالخذلان، على الرغم من إظهارها فرحها دوماً لزواجات روبيرت الثلاث، الابتلاع اليومي للحزن والشعور المضاعف بالوحدة. على خط مواز، هنالك طرافة حكايا روبيرت التي يخفي خلفها خلل أحاسيسه وانفعالاته، إذ كان على الشاعر التعامل مع اضطراب الثنائية القطبية التي تجعله أحياناً خارج أطواره، والتي أدت إلى مكوثه أكثر من مرة في المصح العقلي. ولربما في هذا المكان على التحديد، كان لوويل يخبئ مشاعره المبهمة تجاه بيشوب. في قصيدته "ماء"، يقول لوويل، "تمنيت عودة روحَينا / كما تعود النوارس/ إلى صخر البحر/ في النهاية/ كان الماء بارداً".

البعد الأعمق

التقى الكاتبان بشكل عابر لأكثر من مرة في خمسينيات القرن الماضي، وكانت لقاءاتهما محدودة وغامضة. تشرح روهل أنه أحياناً كان من الصعب فهم ما حدث بينهما من خلال الرسائل، وهنا على الأرجح أنها تعني تورطهما في علاقة حميمية تتخطى مرحلة الصداقة أو مقام الحب العذري. فمثلاً بعد طلاق لوويل من زواجه الأول، قضى الشاعران يومين معاً، بحيث قالت إليزابيث لروبيرت أثناء سباحتهما، "عندما تكتب مرثيتي، عليك أن تقول إنني كنت الكائن الأكثر وحدةً على الإطلاق". تقول بيشوب لاحقاً إنهما حينها كانا "يسبحان، أو بالأحرى واقفين، متخدرين لخصريهما في الماء البارد المتجمد، لكنهما استمرا في الكلام". قارنت بيشوب لوويل بالقديس سيباستينان الذي يقف في حوض صخري من الماء والسهام تخرج من جسده الذي وصفته بالـ"جميل". لم تذكر روهل ذلك التفصيل في نصها المسرحي على الرغم من أنها أشارت إليه في مقدمة كتابها.

كان من الممكن لروهل أن تبني على ما جاور المراسلات من الحياة الشخصية للشاعرين، بخاصة أنهما شخصيتان إشكاليتان من ناحية، وأن هنالك كثيراً من الكتب والدراسات حول كل منهما. ولكن يبدو أن الكاتبة روهل أرادت أن تقدم الرسائل كما هي دون أن تضيف أي تحليل أو تأويل، وهذا خيار (أخلاقي ربما) قد يحد المشاهد بخيط واحد لسردية علاقة بين شاعرين قد تكون أعمق من ظاهر حفنة من المراسلات. وهو الأمر الذي يحيّد جانباً سياقات ذاتية واجتماعية وسياسية كان من المهم أخذها بعين الاعتبار ولو بشكل عابر. عدم ذكر حكاية القديس سيباستينان وتحليلها ولربما ربطها بمثلية إليزابيث بيشوب، أبرز مثال على البعد الأعمق الذي فقده المشاهد. قد يتماشى هذا الأمر مع شخصية بيشوب التي كانت متكتمة جداً حول حياتها الشخصية، بحيث امتنعت عن ذكر أي إشارة إلى ميولها الجنسية. شكّلت هذه المواقف نفوراً بينها وبين عدد من الشاعرات النسويات، بخاصة وأنها ذكرت في إحدى المقابلات أنها تفضل "الخفاء" وأن "السحاق" أمر "لا يُتكلم فيه" في مرحلة كانت النسوية في أوج معاركها. يسمع المشاهد طوال العرض عن وجود شريكة بيشوب التي تدعى لوتا دون الدخول في تفاصيل العلاقة. وهنا يُطرح تساؤل، أين تقف حدود استخدام الكاتب للوثائق وللوقائع الحقيقية وهل تُحصر وظيفته بعرض الوثيقة وتوليفها فقط؟

معضلة "الدلفين" الأخلاقية

من المشاهد المثيرة في النص مشهد النقاش الذي دار بين الكاتبين حول ديوانه "الدلفين" حيث تطرق لوويل إلى زواجه من طليقته الثانية، خالطاً بين مساحة الواقع والخيال. نال لوويل عن هذا الكتاب جائزة بوليتزر للمرة الثانية، وشكل جدلاً كبيراً بين الشعراء. على الرغم من إعجابها الشديد بالديوان، دار نقاش أخلاقي بين الشاعرين حول فكرة استخدام التجربة الذاتية وحياة الآخرين كمادة إبداعية في الشعر، دون أن يُؤخذ إذن صاحب العلاقة. في مراسلاتها تقول بيشوب للوويل، "ألست تخرن ثقة "الطرف الآخر"؟ لو مُنحت إذن استخدام هذه الرسائل أو لو لم تبدلها...ولكن يبدو أن الفن لا يستحق هذا العناء". لدى بيشوب حذر شديد في ما يخص أدب الاعترافات الذاتية في الأدب والشعر الذي كان رائجاً في الخمسينيات. في رسائلها التي تصاعدت حدتها مع لوويل، استشهدت إليزابيث توماس هاردي وكيركغارد بحيث ذكر الأول أن "ما يجب الاحتجاج عليه بالتأكيد، في الحالات التي لا توجد فيها موافقة أصحاب العلاقة، هو الخلط بين الحقيقة والخيال بنسب غير معروفة. هنالك أذى لانهائي كامن في هذا الخلط." أما كيركغارد فتحدث قائلاً، إن الدقة أو الكياسة تفترض على الكاتب الذي يستخدم تجربته الشخصية كمادة إبداعية "ألا ينطق بالحقيقة على الإطلاق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

احتد النقاش عبر الرسائل بين الشاعرين لدرجة أن إليزابيث أصيبت بنوبة ربو...هكذا كانت تتوالى الرسائل وبين حين وآخر، كانت تتكرر كلمات الراوي وهو يقول "هما يتقدمان في السن بطريقة ما". تزوج لوويل للمرة الثالثة وانتحرت لوتا شريكة إليزابيث من دون أن نعرف أي تفاصيل أخرى، ثم تبدأ الذاكرة بخيانة كل منهما... ينتهي العرض بوفاة روبيرت لوويل عام 1977، إثر نوبة قلبية وهو يتنقل في سيارة أجرة.  

وجه ميريل ستريب ونظرات كيفين كلاين

سخرت مخرجة العرض كايت ووريسكي كل طاقتها لإبراز رسائل بيشوب ولوويل، ما أدى إلى التخلي عن المسرح كفضاء ينظر إليه، وكفعل حركي يبدل معالم الأشياء وينقل الانفعالات والأحاسيس عبر المعيش، الجسدي والبصري. على الرغم من أن هنالك لبساً في المعلومات في عدد من المواقع حول إذا كان هذا البث الحي هو عبارة عن عرض أو قراءة نص مسرحي.

لا يعد هذا الخيار نتاج اللبس أو بسبب محدودية شاشات الجائحة، ولكنه على الأرجح هو أيضاً مرتبط  بخيار جمالي اعتمدته المخرجة منذ عام 2019، قبل أن تقفل الجائحة خشبات المسرح. قامت ووريسكي بتقديم العرض مع إخراج مينيمالي، بحيث تجلس الشخصيتان إلى طاولتين، وبالكاد تتحركان. هذا يعني أيضاً أن الركن الأساسي لإخراج تلك الرسائل هو أداء الممثلين وتحديداً تعبير وجهيهما وكل تفصيل في نبرة الصوت أو نظرة العين أو التواء العنق والنظر بعيداً، إلى حد أن ووريسكي اختارت أن تبتعد حتى من أبسط الإكسسوارات الوارد ذكرها في نص روهل.

ينعم المشاهد إذاً على مدى أكثر من ساعة بمتعة النظر إلى وجهي ميريل ستريب وكيفين كلاين، حيث تنتفي المسافات ولا يبقى من فكرة الفضاء إلا خلفيات باهتة لعيون تتوهج، ووجهين غالباً ما يبوحان بما عجزت عنه الكلمات والأبيات الشعرية. في هذا السياق يتعرف المشاهد على كل قسمات وتعابير وجهي الممثلين، وهذا ليس بالأمر السهل على المتلقي والممثلين على حد سواء، أن يكون وجها الممثلَين تحت المجهر لمدة ساعة وأربعين دقيقة... ألا يشعر المشاهد أنه استنفد كل قسمات وجه ميريل ستريب وتجاعيدها وشرداتها، وأنه استحوذ على كل انفعالات كيفين كلاين؟ حتى لو كان هذا العرض عبارة عن قراءة نص مسرحي، فيتوجب تهيئة مساحة مختلفة لهذا الأمر، مساحة تذكرنا (لو بالإيحاء) بالمسرح كفضاء بحت وكم نحن المشتاقين إليه!

المزيد من ثقافة