Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تشتت قوى الثورة السودانية يهدد الفترة الانتقالية

خطاب حمدوك يحرك مبادرات عدة لتوحيدها

حذر حمدوك من أن البلاد تواجه ظروفاً قاسية تهدد تماسكها ووحدتها (رويترز)

اتسم خطاب رئيس مجلس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، نهاية الاسبوع الماضي، بكثير من الصراحة والوضوح في تشخيص الأزمة الحالية والواقع المتأزم الذي تعيشه البلاد، وعلى الرغم من تركيزه على شرح الاوضاع والتدابير الاقتصادية وتداعيات قرار رفع الدعم عن المحروقات، لكنه حذر بشدة من تداعيات التشظي السياسي لقوى الثورة، ليضع بذلك الكرة في ملعبها من أجل أن تتحمل كامل مسؤولياتها تجاه تحديات الفترة الانتقالية، التي لم تعد تحتمل المزيد من الانقسامات والتناحر، بخاصة بعد أن دفعت بالبلاد نحو مآلات قد يصعب السيطرة عليها، وأدت الى ضعضعة كثير من مرتكزات الوحدة والأمن الوطنيين.

وحدة قوى الثورة

وشكلت قضية وحدة قوى الثورة أبرز التحديات المصيرية في مسيرة الفترة الانتقالية، كما أشار إلى ذلك رئيس الوزراء الانتقالي في خطابه، مشدداً على أهمية تلك الوحدة التي صنعت الثورة والتغيير، من أحزاب، وحركات، وتجمعات، ومنظمات مجتمع مدني، ولجان مقاومة، ونقابات، وتجمعات مهنيين، وأطراف العملية السلمية، كعوامل لازمة لاستمرار الثورة وانتصارها، وداعياً إلى حوار حرّ ومفتوح بينها من دون استثناء أي من مكوناتها، كمدخل لوحدة كل تلك القوى، مؤكداً استعداده للمساهمة في هذا الحوار.

وحذر حمدوك من أن البلاد تواجه ظروفاً قاسية تهدد تماسكها ووحدتها، وينتشر فيها خطاب الكراهية وروح التفرقة القبلية، وأن تلك التشظيات يمكن أن تقودها إلى حال من الفوضى وسيطرة العصابات والمجموعات الإجرامية، كما أنها تساعد على تفشي النزاعات بين المجموعات السكانية كافة، ما قد يؤدي إلى حرب أهلية تقضي على الأخضر واليابس، ولن يقتصر الخطر على السودان فحسب، بل سيجر كل الإقليم إلى حالة من عدم الاستقرار.

وألمح رئيس الوزراء إلى أنه يعمل في بيئة سياسية غير مؤاتية للنجاح، مرجعاً التدهور الأمني الذي تشهده البلاد بالأساس، لحال التشظي بين مكونات الثورة، ما خلّف فراغاً تسلَّل منه أعداؤها وأنصار النظام البائد، إذ لم يعد هناك مجال أمامها سوى أن تتوحد وتعيد تماسكها وتنظم صفوفها، لتكون بوحدتها تلك قادرة على حماية الثورة وقيمها وأهدافها، لأن تشتتها هو الذي يدفع أعداءها للتحرك والتآمر ضدها.

وأطلق رئيس الوزراء في خطابه، الذي حمل إشارات عديدة إلى الصعوبات التي تواجه الفترة الانتقالية، نداءات إلى جماهير تلك القوى الثورية بالضغط عليها لتعود مجدداً إلى وحدتها التي مكّنتها من أن تحقق انتصارها، وقال، "يجب أن نؤمن جميعاً أننا لن نستطيع تحقيق مهام الانتقال وإنجاز التحول الديمقراطي إلا عبر عودة هذه الوحدة، ولهذا يجب على الجماهير أن تضغط على هذه القوى للعودة للوحدة ".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدت رسائل حمدوك أقرب إلى صيحات وصرخات تحذر من مغبة استمرار حال التشظي والخلافات داخل مكونات قوى الثورة بكل مفرداتها، حتى بعد توسع القاعدة السياسية للحكومة بتوقيع اتفاق جوبا لسلام السودان، ليزداد الأمر تعقيداً.

انطلاق مبادرات الوحدة

في هذا الوقت، أكد مقرر مجلس شركاء الفترة الانتقالية، حيدر الصافي أن نداءات رئيس مجلس الوزراء الانتقالي، تجد صداها لدى كل القوى السياسية انطلاقاً من روح الإحساس بالمسؤولية بالنظر إلى أوضاع البلد التي أضحت مفتوحة على كل الاحتمالات، معرباً عن تفاؤله بتجاوز قوى الثورة هذه المرحلة بما يقود البلاد إلى برّ الأمان، وكشف الصافي عن إطلاق مبادرات وطنية عدة من داخل وخارج الإطار السياسي، تقودها شخصيات وطنية قومية، من شأنها أن تقود إلى عودة الالتفاف حول برنامج وطني لأجل مصلحة البلد العليا.

وتوقع مقرر مجلس شركاء الانتقالية أن يشهد الاسبوع المقبل انطلاق هذه المساعي، وإعادة ترتيب الاوراق السياسية، مشيراً إلى أن كثيراً من الكيانات والأحزاب والقوى تملك رغبة صادقة وإحساساً وطنياً عميقاً يدفعها إلى العودة للتحالف السياسي لمكونات الثورة.

إصلاح ومعالجات جوهرية

من جهته، أكد كمال بولاد، مقرر المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، أن خطاب رئيس مجلس الوزراء الأخير، تناول بدرجة كبيرة التحديات والإشكالات التي تواجه الفترة الانتقالية، ممزوجة برؤية الجهاز التنفيذي للمرحلة المقبلة، وحمل أيضاً رسائل مهمة للقوى السياسية حول خطورة ما تمر به المرحلة الانتقالية وكيفية تنفيذ مهامها، بالتركيز على وحدة قوى الثورة.

وقال بولاد إن قوى الحرية والتغيير تدرس الآن معالجات جوهرية تهدف إلى حماية المرحلة الانتقالية، وتمكّنها من لعب دورها الضروري في تماسك وحدة البلاد وصولاً إلى مرحلة التداول السلمي للسلطة، بخاصة وأن التشخيص الذي حمله الخطاب، ليس بعيداً عن رؤية كثير من القوى السياسية للواقع الآن، بما فيها قوى الحرية والتغيير.

أضاف مقرر مجلس قوى التغيير، "خروج القوى السياسية منهكة ومجهدة من تجربة الصراع مع حكم دموي ظلت تصارعه مدة ثلاثة عقود، انعكس على تماسكها في مواجهة تحديات المرحلة الانتقالية، لكن الأمل يبقى كبيراً في عودة دورها المطلوب من خلال أخذها في الاعتبار رسائل ونداءات رئيس الوزراء، بما يهيئ لبيئة سياسية ملائمة للدخول في حوار جاد لتحقيق تلك الأهداف".

وأشار بولاد إلى تواصل هذه الخطوات التي بدأتها قوى الحرية والتغيير مع أحزاب الأمة وأطراف اتفاق السلام وبقية ركائز المرحلة الانتقالية، قبل نحو ثلاثة أسابيع، بلقاءات مع كل من رئيس مجلس السيادة ونائبه، وأيضاً برئيس مجلس الوزراء، مؤكداً ان اللقاءات ستتواصل خلال المرحلة المقبلة، كجزء من الحوار والخطوات الأساسية التي بدأت بالفعل لتجاوز حال الانقسامات والتشتت.

الشيوعي يشترط أسساً جديدة

في المقابل، لم تبد القيادية بالحزب الشيوعي السوداني، المتحدثة الرسمية السابقة باسمه، أمال الزين، أملاً كبيراً على طريق وحدة قوى الثورة التي يعتبر حزبها أحد مكوناتها، على الرغم من محاولات رأب الصدع المتعددة التي جرت، إلا أن الحزب، بحسب الزين، يرى أن هناك مجموعة أسس ينبغي أن تقوم عليها أي وحدة منتظرة تضم حزبها، أولها ذهاب السلطة الحالية وتكوين مجلس تشريعي ثوري ليقوم باختيار الوزراء على أساس الكفاءة والقدرات، وإلغاء تعديلات الوثيقة الدستورية، وكل سياسات الحكومة الحالية، كما طالبت بضرورة تعديل اتفاقية سلام جوبا، والعودة لكتابة ميثاق جديد (وثيقة جديدة)، تمثل قوى الثورة الفعلية، التي لا تجد نفسها الآن في الوثيقة الحالية بعد أن تم مسخها وابتذالها بتعديلها مراراً وتكراراً، مع ضرورة الالتزام بمواثيق الثورة ممثلة في إعلان قوى الحرية والتغيير، ووثيقة إعادة هيكلة السودان، ومقررات أسمرا، وأخرى مماثلة.

ورات الزين أن قوى الثورة في حاجة ماسة إلى برنامج يتم الالتفاف والتوحد حوله، مقترحة في ذلك الوثيقة التي سبق أن طرحها حزبها كبرنامج قابل للنقاش، ونادت بأهمية إخضاع التجربة السابقة للفترة الانتقالية للنقد والتشريح وتحديد إخفاقاتها، ذلك بعد أن أثبتت الوثيقة التي قدمها الحزب الشيوعي، أن التحالفات الفوقية لن تؤدي إلا إلى تغيير محدود، بينما تقود التحالفات القاعدية المرتبطة بالفئات التي أنجزت الثورة، من تنظيمات فئوية ولجان مقاومة وغيرها، إلى التغيير الحقيقي المطلوب.

واعتبرت القيادية بالحزب الشيوعي، أن تعديل الوثيقة الدستورية، وتضمين اتفاق السلام فيها، وتكوين مجلس شركاء الفترة الانتقالية، شكّل انقلاباً على الثورة واستبدالاً للحرية والتغيير كحاضنة سياسية، مشددة على ضرورة الالتزام بالمواثيق ومبدأ النضال السلمي كطريق لاستعادة الثورة.

دعوة لإعادة تشكيل السلطة الانتقالية

على صعيد آخر، طالب مبارك الفاضل رئيس حزب الأمة إلى إعادة تأسيس السلطة الانتقالية وفق ما سماه باصطفاف وطني ينهي حال الاستقطاب الحاد في السلطة السياسية بين مكونات الحرية والتغيير وبين اليسار واليمين، وبين بقايا الحرية والتغيير والقوى السياسية خارجها.

وقال الفاضل إن الازمة التي تعيشها البلاد حالياً من صراع سياسي وضعف في إدارة الدولة، بالإضافة الى الأزمة الاقتصادية والانفلات الأمني، تتطلب اصطفافاً وطنياً يعاد على أساسه تشكيل السلطة الانتقالية، وتكوين سلطة تنفيذية، بقيادة قوية اكتسبت خبرة، ومشهود له بالفعالية والانجاز والإخلاص للوطن، وأرجع رئيس حزب الأمة، الأزمة السياسية الراهنة، إلى الوثيقة الدستورية، التي وصفها بالمعيبة والقاصرة عن تغطية مهام الفترة الانتقالية لإغفالها تفاصيل أساسية أهمها حكم أقاليم السودان.

الفترة الانتقالية

وبدأت الفترة الانتقالية في السودان عقب إسقاط نظام البشير بواسطة ثورة شعبية عارمة، في أبريل (نيسان) 2019، وتأسست شراكة عسكرية مدنية في الحكم، بموجب الوثيقة الدستورية التي تم توقيعها في 17 أغسطس (آب) 2019، تبدأ بموجبها فترة انتقالية تمتد 39 شهراً، غير أنه جرى تمديدها بعد تعديل الوثيقة الدستورية، مدة 14 شهراً إضافية، بعد توقيع الحركات المسلحة على اتفاقية السلام في جوبا في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) 2020.