Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أردوغان يطوي صفحة "أس 400" لكي يفوز بموعد مع بايدن

أعاد الرئيس التركي على عجل خبراء الصواريخ الروس إلى بلادهم وأوقف عملية تركيبها

من الواضح أن إدارة بايدن لا تتحمّس للتعامل مع أردوغان (أ ف ب)

انتظر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما يقرب من ستة أشهر للحصول على موعد اجتماع مع الرئيس الأميركي جو بايدن، بعد فوزه في الانتخابات الأميركية. وأخيراً حدد بايدن يوم الـ 14 من يونيو (حزيران) موعداً لأول لقاء مباشر له مع أردوغان.

كما أن عقد الاجتماع على هامش قمة الناتو في بروكسل كان أيضاً يحمل رسالة دبلوماسية إلى أنقرة مفادها، "إذا حاولت الاتصال بجهات خارج حلف الناتو (على سبيل المثال: خماسية شنغهاي) فلن نأخذك في الاعتبار".

وفي سياق الحديث عن هذا الاجتماع الذي يعتبر حاسماً لمستقبل العلاقات التركية - الأميركية، ذكر بيان صادر عن البيت الأبيض أن قضية حقوق الإنسان والملف السوري وأفغانستان وناغورنو كاراباخ وشرق البحر المتوسط ستكون على رأس قائمة المواضيع التي سيجري تناولها.

وماذا عن المناقشة حول أنظمة (أس 400) التي تسببت في الأزمة بين الولايات المتحدة وتركيا؟ بالطبع سيجري الحديث عنها، وستكون في طليعة جدول الأعمال. وبالفعل، فإن الرئيس أردوغان، لعلمه بذلك، أعاد على عجل خبراء الصواريخ الروس إلى بلادهم وأوقف عملية تركيبها.

صحيح أن موسكو هي أيضاً صرحت بأن "عودة الخبراء عملية روتينية وفي موعدها"، إلا أن هذا لم يكن في الخطة المعلنة للمدربين الخبراء.

ومنذ عامين، أي منذ أن أعلنت تركيا عن شراء الصواريخ من روسيا بما يقارب 3 مليارات دولار، أكدنا أن أردوغان لن يستطيع شراء هذه الصورايخ، وحتى لو اشتراها فلن يتمكن من تفعيلها.

في واقع الأمر، لم تقم تركيا بعدُ بتركيب أولى المنصتين على الرغم من تسلمهما في يوليو (تموز) 2019، بل تحاشت تفعيلها أو تركيب راداراتها بسبب إدانة واشنطن، لكن ذلك أيضاً لم يكف لإرضاء واشنطن، ولا يوجد حل سهل لهذا النزاع، وهو ما ينذر بمزيد من تآكل العلاقات، إلى جانب نقاط خلافية أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويحاول أردوغان إيجاد صيغة وحل وسط حتى لا يثير غضب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي الوقت الراهن، تُركز أنقرة على صيغتين، إما إرسال هذه الصواريخ إلى دولة أخرى، أو استخدامها لأغراض التدريب وحسب. ولأن بايدن لم يتراجع إلى الآن عن موقفه من أردوغان، وطالما أن صواريخ "أس 400" موجودة على الأراضي التركية، فمن المستحيل أن تتمكن تركيا من شراء طائرات (F-35).

من ناحية أخرى، تتزايد مشكلات الرئيس رجب طيب أردوغان يوماً بعد يوم في السياسة الداخلية والبلديات والأزمات المتعلقة بفيروس كورونا وارتفاع معدلات البطالة والتضخم وزيادة استياء رجال الأعمال وانخفاض معدلات التصويت لحزبه في استطلاعات الرأي، والأزمات في السياسة الخارجية.

وربما تجبر هذه الأوضاع السيئة أردوغان الذي لم يبق لديه كثير من الفرص، على التمسك بإدارة بايدن كملاذ أخير من أجل وقف هذا التراجع، وإطالة مدة بقائه في السلطة.

وقبل إدارة بايدن كان أردوغان قد جرب طريقاً مع إدارة ترمب، وبالفعل نجح جزئياً في التعامل معه شخصياً، مما أسهم في إطالة حياته السياسية، وسيحاول أن يجرب الطريقة نفسها هذه المرة مع بايدن أيضاً.

والمفارقة أن حكومة أردوغان التي كانت قبل سنوات تتبجح وكأنها الحاكمة في المنطقة، أصبحت الآن تبحث عن السبل التي تؤدي بها إلى التحالف مرة أخرى مع الحكومة الأميركية وتتفاوض من أجلها، وهذا يُظهر مدى ما بلغت إليه إدارة أردوغان من الانحطاط بعد حكمها الطويل البالغ 19 عاماً.

وإلى جانب الانهيار في مجالات مثل الاقتصاد والسياسة الخارجية، توجد ظاهرة أخرى ينبغي عدم إغفالها في الظروف الحالية، وهي الفضائح التي ينشرها واحد من أكبر زعماء المافيا في تركيا (سادات بيكر)، فنلاحظ أن هذه التصريحات أشد تأثيراً على الحكومة من مجموع أنشطة أحزاب المعارضة مجتمعة.

نعم، سيقابل أردوغان بايدن في الـ 14 من يونيو محملاً بكل متاعبه الداخلية هذه، وحتى نكون واقعيين نستطيع القول إن تركيا تعيش فترة أكثر هشاشة في تاريخها من أي وقت مضى، ويعتمد الاقتصاد التركي حالياً على موقف الولايات المتحدة.

وإدارة أردوغان مستعدة لتقديم جميع أنواع التنازلات للحصول على دعم من الولايات المتحدة والتخلص من عقوبات الاتحاد الأوروبي، وقد كادت تعلن أنها مستعدة لتقديم المزيد، وبالفعل تخلت عن ادعاءاتها في شرق البحر الأبيض المتوسط وجلست إلى طاولة المفاوضات مع اليونان، بما في ذلك قضية البحر المتوسط التي كانت ترفضها حتى الآن، وقبلت التعاون الفعال مع الغرب في البحر الأسود، وقد أدت واجبها بالإسهام في منع حفتر من الاستيلاء على طرابلس في ليبيا، لكنها عندما طلبت المزيد قوبلت بالرفض القاطع.

ويبدو أنها وافقت على التحرك وفقاً للاستراتيجية الأميركية من خلال الانفتاح على كل من مصر وإسرائيل والسعودية في الشرق الأوسط وجورجيا وأوكرانيا وبولندا في الشمال، وبادرت لتحسين العلاقات معها.

هل كل هذا كاف لإقناع بايدن؟ من الواضح أن إدارة بايدن لا تتحمس للتعامل مع أردوغان، ولا نعلم مرشحاً للرئاسة الأميركية قبل بايدن أبدى موقفه من أردوغان بهذا الوضوح، لكن الواقع أن أردوغان هو الذي يحكم تركيا في الوقت الحالي، وليس أمام الولايات المتحدة خيار آخر.

ومع ذلك فليس من المتوقع أن تقبل إدارة بايدن بالأمر الواقع، وتجمد أزمة صواريخ "أس 400" مع تركيا لتقول "دعونا ننظر ما يمكننا القيام به في جوانب أخرى". وأعتقد أن البيت الأبيض يحافظ على سياسته القائلة "قم بحل هذه المشكلة كما أريد أنا، ثم تعال لنطبع معك العلاقات".

وقد كانت العلاقات بين البلدين في عهد ترمب تعتمد في المقام الأول على العلاقة الشخصية بين الرئيسين، لكن لا أعتقد أن ذلك سيستمر في عهد بايدن، الذي يفضل أن تكون العلاقات بين المؤسسات أكثر منها بين الأشخاص.

وتفيد تقارير مراكز الأبحاث الأميركية الراصدة للعلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا أن أردوغان تسبب في إثارة مشكلات كثيرة في المنطقة من خلال استخدام علاقته الشخصية مع ترمب.

ومنذ هذا الحين فصاعداً لم يعُد بمقدور أردوغان أن يواصل أسلوبه الدبلوماسي المعتمد على العلاقات الشخصية، أو اتباع سياسة التوازن من خلال روسيا، بل إنه في الوقت الذي يحاول الانخراط في السياسة الإقليمية للولايات المتحدة سيحاول أن يجد طريقاً يخفف عليه تبعات العلاقات مع روسيا.

لم يعد أردوغان زعيماً لا غنى عنه بالنسبة إلى الغرب، لا سيما النظام الأميركي، وأصبح يُنظر إليه على أنه زعيم لا يمكن الاعتماد عليه والثقة فيه، وأكبر أوراقه الرابحة هو ما أصبح معروفاً عنه من أنه يتراجع ويكون مستعداً للتنازلات عندما يُحشر في زاوية ضيقة.

وليس من السهل في ظل هذه الظروف أن يضمن أردوغان مستقبله السياسي ومستقبل حزبه، ولم تتخذ إدارة أردوغان إلى الآن أية خطوات بخصوص حقوق الإنسان، ولا تعطي أي مؤشر على ذلك، وربما يحتفظ بهذه الورقة كورقة مساومة لاستخدامها ضد الولايات المتحدة.

إن التنازل في قضية التعاون مع الغرب في البحر الأسود وصواريخ "أس 400" أهون عليه من اتخاذ خطوات في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، لأنه يعلم جيداً أن أدنى تخفيف للقيود على الشعب من شأنه أن يُحيي المعارضة الاجتماعية، وأن المشكلات المتراكمة، وبخاصة الاقتصادية، ربما تتحول إلى انفجار مجتمعي يؤثر بشكل مباشر في مستقبله السياسي في الداخل، إذ إن هناك جبهة معارضة عريضة يجري التحكم فيها بقوة الحديد والنار، وبالأساليب البوليسية القاسية، ولذلك لا يسمح لأدنى تحرك شعبي من شأنه أن يتحول إلى مظاهرة جماهيرية.

ولا نستبعد من أردوغان أن يستمع إلى خطبة حول حقوق الإنسان ثم يواصل طريقه كما تعود عليه، وحتى لو فتح صفحة جديدة مع إدارة بايدن فإن العلاقات ستظل غير متكافئة أكثر من أي وقت مضى، لكن المحزن أن إدارة أردوغان باتت راضية بهذا أيضاً. وبينما كان بلدي إلى الأمس دولة لها وزنها في الاعتبارات الاستراتيجية، أصبح اليوم أمام الولايات المتحدة في وضع لا يحسد عليه.

المزيد من تحلیل