Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

احتجاجات تشرين بين مطالب المتظاهرين واختراقات الولائيين

تغير مزاج الشعب العراقي من الحذر والترقب والرفض إلى مزاج الثورة على القوى التي تقود البلاد إلى أكبر مستنقع فساد 

تواصلت تظاهرات أكتوبر  2019 ثمانية عشر شهراً لتعم المناطق الجنوبية والوسطى من البلاد (رويترز)

تخطت مطالب المحتجين العراقيين الشباب في حراك تشرين، المطالبة بتغير تردي الأوضاع الاقتصادية وانتشار ظاهرة الفساد والبطالة ونقص الخدمات في البلاد، بل انعدامها إلى مرحلة المطالبة بإسقاط العملية السياسية برُمّتها، التي بدأت بعد الاحتلال 2003. وتواصلت تظاهرات الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ثمانية عشر شهراً، لتعم المناطق الجنوبية والوسطى من العراق لتجد أصداء لها في بعض مناطق إقليم كردستان، لا سيما السليمانية، لتتحول إلى تهديد مستمر للسلطات التي تمادت في قمع الاحتجاجات.

مثيرات غيرت مزاج الشعب

فعلى مدى عامين ماضيين، تغير مزاج الشعب العراقي من الحذر والترقب والرفض، إزاء رؤية الجيوش التي احتلت بلادهم إلى مزاج الثورة على القوى التي تقود البلاد إلى أكبر مستنقع فساد في تاريخ العراق، على حد وصف منظمات الشفافية الدولية، تمثل أعلى مظاهره بالتدخل الخارجي وهدر الثروة وتكديسها بأيادي السلطة الجديدة التي أهملت الخدمات وتوظيف عائدات النفط الكبيرة على مشاريع توصف من قبل لجان النزاهة البرلمانية بالوهمية حيناً، والفاشلة أحياناً، وبروز ومظاهر لم يألفها المجتمع العراقي من قبل، كشيوع وانتشار المخدرات والسلاح المنفلت خارج مشجب الدولة، وانفلات عشرات الميليشيات المدججة بالسلاح التي تجوب شوارع العاصمة والمدن الأخرى، من دون ردع أو تفسير لماذا؟!

حركة تشرين الاحتجاجية صادمة للسلطة

الحركة الاحتجاجية الشبابية التي تسمى قوى تشرين رفضت ذلك الواقع الجديد الذي تقوده سلطة تنادي ظاهراً بمظلومية الشيعة في العراق، وهي متماثلة مع مضيفيها السابقين في إيران، ما أدى لخروجها إلى الشوارع تطالب بحقوق الشعب المهدرة، ولن تنطلي عليها الشعارات التي رافقت الحكم الجديد، كما يرى مراقبون نافذون، فاجتمعت قواها في الأول من أكتوبر 2019 في قلب العاصمة بغداد، وفي أشهر ميادينها (التحرير) تطالب السلطات بالبدء بتحسين الخدمات وإنهاء البطالة التي عمت البلاد.

وبدلاً من أن تتفهم السلطة تلك المطالب المشروعة، فإنها صدمت من حجم التظاهرات واتساعها، وعمدت إلى وقف مد تلك الاحتجاجات، واستهدفت المتظاهرين بالعنف المفرط، واستخدام الرصاص الحي، ما تسبب بمقتل 740 متظاهراً وناشطاً مدنياً منذ بدء الاحتجاجات.

وأصيب أكثر من ألفي جريح من بينهم أكثر من ثلاثة آلاف مصاب بإعاقة جسدية، وسلسلة من اعتقالات المحتجين أدت إلى مفترق طريق بينهم وبين السلطة التي سوغت ما حدث بأنه من فعل (الطرف الثالث)، على حد وصف رئيس الحكومة السابق عادل عبدالمهدي، دون أن يحدد هوية هذا الطرف الذي يطلق النار ويقتل المحتجين، الذين استفزهم سلوك الحكومة وخرجوا بأعداد متزايدة لتعم الاحتجاجات باقي المدن، ومنها البصرة والناصرية، النجف، كربلاء ومدن أخرى ليسقطوها.

ارتفاع سقف المطالب إلى إسقاط النظام

حتى رفع المتظاهرون سقف مطالبهم ومناداتهم بإسقاط النظام السياسي وحكومة عبدالمهدي التي كانت أول ضحايا الاحتجاجات، وأحرقت قنصليات إيران في مدن ذات الأغلبية الشيعية، رافقها إحراق مقار الأحزاب ومنع كادرها من الوصول إلى تلك المقار وإحراق بعض بيوت النواب المتنفذين، لكن السلطة التي تتحكم بإدارة البلاد عمدت إلى تطوير طريقة التفاوض مع المحتجين بسلسلة من الوعود كي تبقي واقعاً سياسياً رسمته حقبة جديدة تسيطر فيها أجهزة الردع الحكومية التي أفق عليها الكثير من المال والتجهيزات من جهة مع إبقاء سطوة الميليشيات المسلحة بخبرة إقليمية خارجية من جهة أخرى، واعتماد نهج جديد مع المتظاهرين عن طريق التلويح بالاستجابة لبعض مطالبهم وإغرائهم بأن لهم دوراً خلال الحقبة المقبلة التي أعقبت حكومة عبدالمهدي، وأن الحكومة بدأت تستجيب لحاجاتهم بسلسلة من الوعود بهدف غير معلن لكسب الوقت والمراهنة على شق صفوفهم من الداخل والتلويح لهم بالشراكة في العمل السياسي والترشح في الانتخابات القادمة كما هو معلن.

سياسيون عراقيون ورؤى متباينة

لكن نديم الجابري، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد وعضو للبرلمان السابق، يقول لـ"اندبندنت عربية"، "إن حركة تشرين الاحتجاجية لم تعد موحدة، إذ يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة اتجاهات: اتجاه التحق بأحزاب السلطة، وبات رديفاً لها، وسيدخل في الانتخابات، واتجاه آخر أسس أحزاباً متعددة بقدرات ضعيفة، أظن أنها لن تحقق أي نجاح فيها، واتجاه ثالث انكمش ليعيد ترتيب أوراقه، وهذا الاتجاه يعاني صعوبات كثيرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويستدرك الجابري، "ما يجمع الاتجاهات الثلاثة أنها لم تعتمد على قيادة سياسية محترفة، ولم تطرح بديلاً سياسياً ناضجاً، وأن القمع لم يكن قادراً على إنهاء الاحتجاجات الشعبية، بيد أن اختراقها من أحزاب السلطة وتأطيرها كأحزاب رديفة كان له الأثر الأكبر في تحجيم احتجاجات تشرين".

في المقابل، يوضح الباحث السياسي حيدر الطائي أن "بداية انطلاق الحركة الاحتجاجية كان يؤشر إلى حقيقتين ماثلتين، الأولى أنها حركة شبابية عفوية، بغض النظر عن محاولات استغلالها وتوظيفها من أطراف داخلية وخارجية، والحركات العفوية غالباً ما تنتهي كما بدأت، والثانية أنها بشعاراتها وما رافقها من تطورات وأساليب احتجاجية لم تستطع استيعاب وإقناع فئات شعبية أخرى، ولهذا كان متوقعاً لها أن تفقد زخمها تدريجياً، وهذا ما حصل بالفعل".

ويؤكد الطائي أن الكاظمي التقى قيادات من الحركة الاحتجاجية منذ توليه المنصب، ووعدهم مراراً بتلبية مطالب المحتجين، فيما ينظر المحتجون إلى تلك الوعود كونها مجرد وعود لم ينفذ منها شيء، وتفسير ذلك، كان في نيته دخول الانتخابات بغية الاستفادة من موقفه تجاه الاحتجاجات قبل أن ينسحب من المشاركة لمعرفته لواقع ما تمثله هذه الحركة من حجم يعد متواضعاً بالقياس للآخرين من منافسيه في الانتخابات".

من جهة ثانية، يعلل أحد نشطاء الحراك التشريني على الطائي أن توقف الاحتجاجات يعزى إلى انتشار وباء كورونا والمخاطر الصحية التي خلفها من جهة، ومحاولة إعطاء فرصة للحكومة الجديدة وترتيب صفوف الحراك الشعبي التشريني من جهة أخرى"، مؤكداً "لم يجرِ أي تفاوض مع الحكومة التي حاولت جر بعض الأطراف المشاركة لحركة تشرين، لكن التشرينيين رفضوا أي مساومة، لكن قبل البعض منهم، وهم على عدد الأصابع مناصب منحتها لهم السلطة"، مؤكداً أن "أهل تشرين لا يعدون حكومة الكاظمي مثلتهم، وهي بعيدة كل البعد عنهم وعن طموحاتهم وأهدافهم"، على حد قوله.

قوى تشرين تعارض وتشارك في الانتخابات!

في ظل هذه الأجواء المحتدمة بين حكومة الكاظمي الذي يمسك العصا من الوسط، وبين المحتجين من جهة، والأحزاب المشاركة في العملية السياسية من جهة ثانية، بهدف الوصول إلى الانتخابات المبكرة التي دعا إليها المرجع الأعلى لشيعة العراق علي السيستاني، كشفت مفوضية الانتخابات عن تسجيل عشرات الأحزاب الجديدة جلها من الشباب المنخرط في حركة تشرين، والتي يعول على اشتراكها في هذه الانتخابات، حصد مقاعد برلمانية. ويصف نديم الجابري تلك المشاركة بقوله "ربما يكون للأحزاب التشرينية الرديف لأحزاب السلطة، حظ في الانتخابات المقبلة، وقد تحصل على عدد محدود من المقاعد النيابية، وهذا سيمثل ضربة موجعة لثوار تشرين، لأن أحزاب السلطة ستتخذ ذلك ذريعة لتقول هذا هو حجم تشرين، لكن البعض كان يبالغ بتوقعاته".

ويقدم الجابري تصوراً لثوار تشرين بأن "مستقبلهم يتوقف على اختيار قيادة أو قائد سياسي محترف مع برنامج سياسي بديل يتسم بواقعية، إضافة إلى تفعيل قدرتهم على كسب ود بعض الدول الغربية الكبرى".

لكن الباحث والكاتب حيدر الطائي، وهو قريب من الحركة الاحتجاجية، يشير إلى أن "هناك حديثاً يومياً تقريباً بين أوساط المحتجين وبعض الناشطين عن غلبة المصالح الأنانية والشخصية التي تحرك البعض، محملين إياهم مسؤولية الإخفاق الذي آلت إليه حركة تشرين وعدم قدرتها على إنضاج مشروع سياسي واضح المعالم، وتنظيم أنفسهم بالطريقة الصحيحة مع تحدٍ خطير، يلخص بمحاولات استغلال الحراك الاحتجاجي الذي بات أمراً واقعاً يتضح من مؤشر استغلال لافتة الاحتجاجات لدخول الانتخابات المقبلة".

وكما أسلفنا، فإن المزاج العراقي السياسي تغير، وصار يقلب مواجع سنوات المحنة التي رافقت عملية سياسية مضطربة، وباتت خسائرها باهظة لا يتحملها الاقتصاد العراقي، ولا تنسجم مع جيل عراقي يطالب بحرية.

المزيد من متابعات