Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هيروشيغي ومصير طائفة الساموراي في لوحات استثنائية

"مئة منظر لمدينة إيدو" مسار العمران يطلق حرية الحكي السياسي

من لوحات مجموعة الساموراي (موقع هيروشيغي)

كلهم من إدوار مانيه إلى فنسنت فان غوغ ومن ويستلر إلى بازيل وعشرات غيرهم، تلقفوا الفن الياباني عند نهايات القرن التاسع عشر ودمجوه في أعمالهم أو قلّدوه أو حتى نسخوه تماماً كما فعل فان غوغ على سبيل المثال. غير أن المشكلة معهم جميعاً كانت في تعاملهم مع لوحات ذلك الفن وكأنها أعمال مستقلة بمعنى أن كل لوحة تمثل ذاتها. فهم احتاجوا إلى مزيد من الوقت قبل أن يدركوا أن الفن الياباني يختلف تماماً عن الفنون الغربية، وأن كل لوحة إنما هي عادة جزء من عمل متعدد اللوحات، يكاد يدنو من فن "الشرائط المصورة" أكثر من دنوه من فن الصالونات. وكانت تلك اللوحات ترسم في أغلب الأحيان لتُجمع في كتب مصورة ضخمة الحجم (القياس المعياري كان 39 سم ارتفاعاً و53 سم عرضاً للوحتين متجاورتين) تنتج لصالح مؤسسات رسمية أو دور نشر مستقلة لتطبع في أعداد كبيرة من النسخ وتعلق في بيوت كثيرة بالتالي بعد أن يعاد تفكيك الصفحات. ولقد جرت العادة على أن يتفرد كل كتاب – أو ألبوم بالأحرى – بموضوع محدد يتكرر بمشاهد مختلفة في كل لوحات الكتاب. ولسوف يكون هيروشيغي هاكوزاي (1797–1858) الأشهر في الغرب على الأقل من بين الرسامين الكبار الذين عرفتهم اليابان. وهو نفسه على أية حال الذي كان أول من يكتشفه الغرب ويستوحيه رساموه، إذ وصل بعض أعماله إلى باريس وغيرها ليحدث صدمة إيجابية وجمالية، ولكن بعد رحيله بحيث أنه هو نفسه لن يعيش مرحلته العالمية كما يستحق.

في كل البيوت

لقد خلف هيروشيغي مئات الأعمال التي سرعان ما انتشرت في البيوت اليابانية أو جمعها الأثرياء على شكل كتب تزداد قيمتها مع مرور الزمن. ولعل الأشهر بين نتاجات هذا الرسام البارع تلك المجموعات التي حملت عناوين يعرفها كل ياباني ويفخر بها وفي مقدمتها مجموعة "مئة منظر شهير لمدينة إيدو" و"الـ53 محطة في الطريق إلى توكايدو" و"الـتسعة وستون محطة على طريق كيزو كايدو". وحتى ولو كانت المجموعة الأشهر لهيروشيغي تحمل في عنوانها الرقم مئة فإنها في الحقيقة تتألف من مئة وتسع عشرة لوحة لم تحظ مدينة إيدو في تاريخها بما يفوقها قوة وجمالا، علما بأن مدينة إيدو هي نفسها طوكيو التي كان ذلك هو اسمها القديم قبل أن يصبح الاسم الذي نعرفه اليوم، منذ عام 1868 ما يعني أن الاسم قد تبدل من دون أن يؤثر ذلك في عنوان المجموعة، بعد عشر سنوات من إنجاز الفنان للمجموعة في العام نفسه الذي رحل فيه فكانت المجموعة خاتمة أعماله الكبرى وذروة ما توصل إليه ذلك النوع من الفن.

ذكريات المدينة وتجوالها

بشكل تصنيفي علمي تنتمي المجموعة التي استغرق إنجازها عامين كاملين ارتكز الفنان خلالهما على ذكرياته عن المدينة كما على تجوالات جديدة له فيها، تنتمي إلى ما يسمى "فن الأوكيو – إي" أي الفن الذي يختص برسم التطور العمراني الذي يطاول الأمكنة كواحد من الإنجازات الكبرى للطبقات الوسطى. والمعني به هنا ما أنجزته تلك الطبقات خلال ما يسمى بـ"حقبة إيدو" (1603–1868)، التي نمت فيها المدينة واكتسبت طابعها العمراني الذي سيستقر منذ ذلك الحين ما يبرر انصراف فنانين كثر إلى تخليد المناظر المدينية في تطورها الوظائفي والجمالي. ولا شك أن هيروشيغي كان وسيبقى الأكبر والأدق ملاحظة بين أولئك الفنانين، حتى وإن قُيّض لآخرين من زملائه أن يبرزوا أكثر منه في مواضيع محددة، كبروز أوكيمورا توشينوبو في رسم الشخصيات المسرحية، أو توريي كيوتسوني في رسم فتيات الغيشا وحياتهن... ويمكننا طبعاً أن نقول هنا أن هيروشيغي تميز في لوحاته بحساسيته الاجتماعية وتعامله مع تغيرات المناخ والمناطق المدينية وتصويره المتقن للعلاقة بين البشر والطبيعة. ومن هنا يمكن اعتباره رسام "الواقع الاجتماعي" من دون منافس.

حرية في التعبير والمنظور

غير أن هناك سمة أخرى لفن هيروشيغي قد لا تكون السمة الأبرز ولا حتى السمة المقصودة في حد ذاتها حتى وإن اتسم فنه برصد التغيرات الاجتماعية بالغة الأهمية علماً بأن سنوات هيروشيغي الأخيرة كانت تلك التي شهدت القدر الأكبر من تلك التغيرات والتي يمكننا هنا أن نتوقف عند واحدة منها قد تكون الأكثر ارتباطاً بتمفصل الأحوال السياسية من دون أن يعني هذا أن الفنان كان يقصد التعبير عن ذلك التمفصل. ففي نهاية الأمر حقق هيروشيغي تلك الرسوم لحساب ناشر ممول وليس لمزاج شخصي مع أنه والناشر كانا متفقين على الطابع الذاتي للوحات وهو طابع تغمره شاعرية مدهشة وحرية مطلقة في جرأة تكوين المشاهد لم يكن من الممكن أن تتاح لغير هيروشيغي من الرسامين. وإلى هذا يمكن أن نلاحظ كيف أن هيروشيغي قد جدد في البعد الدرامي الذي أسبغه على اللوحات التي استخدم في كثير منها منظوراً عمودياً كان نادراً ما يتاح للرسامين في لوحات كانت تتسم بأفقية مدروسة بعناية.

رصد للحظة سياسية خطيرة

لكن الأهم من هذا يكمن في مكان آخر. ففي العادة لم يكن لمثل تلك اللوحات أن تدنو من المواضيع السياسية ونادراً ما كان يمكنها أن تدنو مما يعتبر محرمات في ذلك الحين، فقط كان من المنطقي أن يكون الدنو من الساموراي متاحاً إن هم رُسموا باحترام وتبجيل، لكن هيروشيغي لم يراع ذلك، وعلى الأقل في لوحتين أو ثلاث من لوحات المجموعة لفتت الأنظار حقاً. لا سيما في "كينكونيزاكا..." المرسومة في خريف عام 1857 و"العاصفة" المرسومة قبلها قليلاً. فكيف رسم هيروشيغي الساموراي؟ في الأولى نشاهد على خلفية منظر طبيعي بديع إنما متقشف مجموعة من مقاتلي الساموراي يسيرون خلف قائدهم الذي يرفع بيرقاً ينم عن الاعتداد بالذات. إنهم في ملابسهم الكاملة متمنطقون بسيوفهم الجبارة. لكن في نظراتهم كما في تعبير وجوههم لا يبدون سائرين مسيرة مجد بل كأنهم في مسيرة جنائزية ندر أن صُوّر مقاتلون من طائفتهم منخرطين فيها. وهنا لن يكون علينا أكثر من النظر إلى اللوحة الثانية "العاصفة" لكي نرى مقاتلاً واحداً تدحرجه العاصفة المقتلعة كل عناصر الطبيعة من دون هوادة. لقد سبقته قبعته إلى السقوط ولم يفده سلاحه أيما فائدة، وها هو يقع أرضاً وحتى بطريقة مضحكة من دون أن تراعى اللوحة مكانته. ترى هل كان في وسع أي فنان في ذلك الزمن أن يرسم صورة كهذه للساموراي الذي كثيراً ما صُور في جبروته؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفن وحركة التاريخ

هنا ربما يكون علينا أن نتجه في السياق ذاته نحو لوحة ثالثة وبالغة الأهمية وتنتمي إلى المجموعة نفسها من رسوم هيروشيغي هي "شيبا آتاغاياما"، لنجد أنفسنا أمام إجابة محتملة على أية تساؤلات نطرحها في هذا الصدد، كما علينا أن نتجه صوب التاريخ نفسه لنعثر على إجابة إضافية. ولنبدأ هنا بالتاريخ: فهو يقول لنا أن بعد عقد فقط من إنجاز هيروشيغي للوحاته سيقع السقوط المدوي لتلك الطائفة بأسرها. ولأن السقوط لا يمكنه أن يحدث من دون مقدمات وممهدات، لا شك أن لوحات هذا الفنان عرفت كيف تلتقط حساسية حركة التاريخ في لحظة مناسبة، لحظة كان يمكن فيها التعبير عن النهاية الحتمية القريبة لمن روعوا اليابانيين وتحكموا برقابهم مئات السنين، وها هو الفن يسجل اقتراب لحظة نهايتهم، بل حتى يسجل في اللوحة الثالثة التي نشير إليها "شيخوخة" تلك الطائفة، بعد شباب دام زمناً طويلاً، ولطالما عبر عنه الفن وصولاً إلى فن السينما على يد أكيرا كوروساوا، لا سيما في فيلمه الرائع "الساموراي السبعة".

الإبداع يتكلم

بقي أن نذكر أن هيروشيغي لم يكن من الذين يطلون على الشؤون السياسية في رسومه، بالتالي فإن تلك كانت لحظة نادرة في مساره الفني، لحظة ربما أراد أن يقول من خلالها شهادته على زمنه وربما أيضاً انتصار الفن على التاريخ كما على السياسة تاركاً إبداعه يتكلم عنه. ولا بد أن نشير هنا أخيراً إلى أنه إذا كانت مجموعة مدينة إيدو آخر ما أنتجه هيروشيغي في هذا المجال الفني فإن المجموعة صدرت بسرعة مستبقة حتى مجموعتين للفنان كانتا قد أنتجتا من قبلها ما يعكس الأهمية التي كان هيروشيغي وناشره يسبغانه عليها.

المزيد من ثقافة