Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عين الرسام منصور الهبر تراقب العالم وتنقله إلى اللوحة

أعماله التشكيلية مساحة رحبة من الرسم الصريح والتجريد اللوني

لوحات الرسام منصور الهبر في المعرض (انديندنت عربية)

في أعمال الفنان اللبناني منصور الهبر ثمة نزوع نحو الارتجال في صوغ المساحات الملونة، وهو يستخدم أسلوب الكولاج (القص واللصق) في تشكيل الجانب الأكبر من معالجاته لهذه المساحات، لكنه بدلاً من الاحتفاظ بقصاصات الأوراق الملونة التي يضيفها على السطح ليشكل بها ملامح المشهد، يلجأ إلى نزعها بعد وقت محسوب، يطمئن خلاله أن اللون قد أوى إلى مستقرة على جوانب هذه القصاصات. ثم يأتي هو ليزعزع أركان هذا الاستقرار الموهوم، حين يسارع بنزع تلك القصاصات مرة أخرى من مكانها، تاركاً أثرها على السطح كشبح غائم من اللون. هي مغامرة غير محسوبة النتائج بلا شك، لكنه لا يمل من تكرارها، في سعي منه لتأكيد أجواء العفوية والارتجال اللذين يطغيان على معالجاته اللونية.

يمكننا أن نتعرف على جانب من هذه التجربة التصويرية للفنان منصور الهبر من خلال معرضه الأخير الذي يستضيفه غاليري "أل تي" في بيروت حتى الثامن من هذا الشهر. يقام المعرض تحت عنوان "صراع حميم"، ويضم عدداً من أعماله التصويرية الحديثة. في هذا المعرض يستمر منصور الهبر في توظيف خاماته المتنوعة في تشكيل اللوحة، من ألوان الأكريليك إلى الأقلام والأحبار وقصاصات الورق، كما يمعن في تأكيد أسلوبه في المزج بين الرسم الصريح والتجريد اللوني، في معالجات صاخبة من الحذف والإضافة وخدش الأسطح.

أمام هذه المعالجات الصاخبة نجد أنفسنا في مواجهة أو صراع بين كل هذه التفاصيل التي تشكل العمل. ربما يستلهم الفنان منصور الهبر عنوان معرضه الأخير من هذه الجزئية تحديداً، فها هنا صراع محتدم بين الخامات والأدوات، ومراوحة متوترة بين وضوح العناصر المرسومة وحضورها من ناحية، وضبابية اللون وقسوته الطاغية من ناحية أخرى.

الرسم والفراغ

في هذه الأعمال تنتظم العلاقة بين المساحات المرسومة والفراغ المحيط بها على نحو مرتجل، كما تقدم، لكنها علاقة لا تخلو أيضاً من القصدية والتأليف المتعمد بين أطراف هذه المساحات، من طريق العناصر المرسومة تارة، أو من طريق الخطوط السريعة والعشوائية تارة أخرى. بين ثنايا هذه المساحات الملونة يمكننا أن نلمح بسهولة بشراً يمارسون حياتهم العادية، يجلسون أو يتحركون، يراقبون أو يتأملون، يرسمهم الفنان على عجالة وبخطوط متوترة وسريعة كأنه يريد أن يقتنص المشهد قبل أن يتوارى بين ثنايا الذاكرة. يشكل منصور الهبر مفرداته وعناصره تلك بخط واحد متصل وغير مستقر، في استدعاء منه على ما يبدو لروح "الإسكتش" أو الدراسة السريعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين الأعمال المعروضة ثمة مجموعة متجانسة رسمها الفنان على مساحات من الورق غير المنتظم. في هذه الأعمال تعمد الهبر طمس حدود هذه المساحات وأطرافها، مكسباً إياها بنية عضوية غير مستقرة، كأنه يريد خلق اشتباك بصري بين العمل والفراغ المحيط به، وهو ما يتناغم مع نزوعه اللافت لتجاوز البنية المستقرة للوحة، أو العمل التصويري. السلوك اللوني الذي يتبعه الفنان هنا ليس بجديد على تجربته، كما أن التساؤلات التي يطرحها عبر المزج بين هذه الفوضى اللونية والخطوط المستقرة وواضحة المعالم للعناصر المرسومة، سبق أن عالجها من قبل في أعمال سابقة، كأنه مدفوع بطاقة من غضب وثورة، ما إن تهدأ قليلاً حتى تعود للاشتعال من جديد. في هذه الأعمال التي يعرضها منصور الهبر لا يمثل اللون مصدراً جمالياً بقدر ما هو تمثيل صارخ ومباشر لقسوة الواقع وقبحه.

يستعيد الرسام ملامح هذا الواقع وتناقضاته عبر استلهامه لما يدور من حوله وما تعكسه أعين الناس ونظراتهم التائهة والمستسلمة لوطأة المحن المتلاحقة. وما هؤلاء الأشخاص الذين يتحركون بأجساد ضئيلة بين تفاصيل لوحاته سوى انعكاس لآخرين يلتقيهم في حياته اليومية، أو كما يقول هو "أنا عين تراقب العالم من حولها وتجتر تفاصيله على سطح أبيض".

ولد منصور الهبر في بيروت عام 1970، وهو فنان متعدد التخصصات، يمارس الرسم والطباعة، ويعرض أعماله في عديد من الغاليريهات المحلية والدولية. تخرج الهبر في الجامعة اللبنانية ببيروت، وحصل على درجة الماجستير من الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، ويعمل في التدريس.

المزيد من ثقافة