Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خالد إسماعيل يغوص في عوالم الجنوب المصري

"حكايات عائلية" رواية تسبح ضد التيار وتنتصر للمحلية في مقابل العولمة

لوحة للرسام شعبان الحسيني (صفحة الرسام على فيسبوك)

على الرغم مما يتمتع به الجنوب المصري من ثراء وخصوصية تغري الأدباء باقتحام عوالمه، فإنه يبقى أحجية عصية على الحل، إلا لمن تشرب ثقافته ونهل من همومه وعايش تحولاته. ربما كان ذلك سر تفرد خالد إسماعيل، فالكاتب صاحب النشأة الجنوبية، الأكثر التصاقاً بالصعيد وثقافته، برع في استخدام البيئة التي نشأ بها؛ كمركز وفضاء للسرد في أكثر من نص أدبي، وعاد ليتوج أعماله بروايته "حكايات عائلية"، الصادرة أخيراً عن دار "الأدهم"، والتي يوثق عبرها هموماً قد يغفل عنها التاريخ.

يستهل الكاتب روايته بعنوان يبعث الدفء "حكايات عائلية"، وغلاف رسمته ابنته ذات الأعوام الستة ليعزز هذا الدفء، فيحكم قبضته على القارئ؛ الذي يعتقد أنه يواجه هماً خاصاً للسارد، ثم ما يلبث أن يدرك أنه أمام لوحة بديعة، تحوي تفاصيل غزيرة من شأنها إبراز خصوصية المجتمع الجنوبي، والكشف عن غموض عوالمه.

ثماني حكايات تبدو كل حكاية مستقلة بذاتها، لكنها في الوقت نفسه تكمل إحداها الأخرى، محققة وحدة النسيج الروائي. تتدفق في انسيابية لتجسد واقعاً مراً في الصعيد المصري، يعاني التهميش والفقر. وقد استطاع الكاتب عبر فضاء مكاني متخيل "نجع المعداني" يعبر عن واقع الجنوب؛ أن يعزف سيمفونية من الأم تفجر طاقات من الحزن الشفيف، ولا سيما أنه اشتبك مع شريحة عريضة من المنسيين، الغائبين على الرغم حضورهم، والعابرين الحياة في صمت. وقرر اعتماد أسلوب السرد الذاتي الذي يعزز واقعية الأحداث، وينسجم مع السياق العام بما يحويه من حكايات عائلية، ويحقق مزيداً من حميمية العلاقة بين الراوي والقارئ، فضلاً عما يحيل إليه السرد الذاتي من إيهام بأن الكاتب هو صاحب تلك الحكايات، وإن كسر هذا الإيهام في مراحل متقدمة من السرد، بالكشف عن مزيد من سمات الراوي وعوالمه.

صورة من الداخل

لم يكتفِ الكاتب برسم صورة للمجتمع الصعيدي وثقافته من الخارج، وإنما تسلل إلى داخل الشخوص، ليرصد أثر الظروف القاسية لذلك الواقع الموجع على من يعيشونه. فالأب الذي يعمل نفراً في مصلحة الطرق والكباري، ويقوم بمهام شاقة لتسوية الطريق؛ باتت له طبيعة قاسية تشبه طبيعة عمله، وأصبح جافاً كحياة يعيشها، لا تشعل فيها المواقد للطهي سوى يوم من كل أسبوع. فلا يبدو غريباً على من يعيش مثل هذه الحياة الخشنة؛ ألا يقبل ابنه، وأن يرى في التقبيل طراوة تفسد الأبناء، وأن تمارس الأم إزاحة نفسية - لما تتعرض له من قسوة - على طفلها الصغير، فتعاقبه بغرز الإبر في يده حتى يسيل دمه، ونتاجاً لهذه القسوة يتبول الطفل لا إرادياً كوسيلة من عقله اللاواعي لتقريع أبويه، وإنتاج قسوة مضادة.

ولم يقصد الكاتب بالخوض في سيكولوجية الشخوص؛ إدانة الأبوين أو محاكمتهما، وإنما كانت غايته رصد تداعيات الواقع، وتأثيراته المباشرة على سلوك الشخوص، وتكوينها النفسي، ولا سيما أنه أبدى تعاطفاً كبيراً مع الأب في مواضع أخرى من السرد، وأضاء فطرته الحانية.

ازدواجية وتناقضات

مثلما اعتنى الكاتب برصد ظلف العيش والظروف القاسية في صعيد مصر، كان حريصاً على أن يقدم خطاباً معرفياً عبر السرد، يبين الطبيعة الديموغرافية والتركيبة السكانية لتلك المنطقة، فتطرق إلى الأصول القبلية للعربان الذين توافدوا - عبر التاريخ - على الجنوب، لا سيما على محافظة سوهاج، وشكلوا نسبة كبيرة من غالبية سكانها. وكان تبيان الكاتب لهذه الأصول، إضافة إلى رصده تدني أحوال المعيشة، مدخلاً سلكه لإبراز إزدواجية الشخوص وتعقيداتها. فالمجتمع الذي تحول سكانه من الرعي إلى الزراعة، ومن سمات البادية إلى سمات الريف، أصبح مرتعاً للتناقضات، فحوى الانغلاق والمحافظة، وفي الوقت نفسه الانفلات الأخلاقي واختلال منظومة القيم، والتكافل وسلب الحقوق، والمسالمة والعنف. فالأب على الرغم من ضيق ذات اليد يقتطع ربع راتبه لصالح عمته الأرملة، ليساعدها في تربية أبنائها، بينما يأكل ابنه الأكبر ميراث أخيه "الراوي". وعلى الرغم من الطبيعة المسالمة لأبناء القرية، تندلع مشاجرة من أجل مقعد في مقهى، تسفر عن جريمة قتل. والفتيات على الرغم مما يعشنه من قيود في مجتمع مغلق، تتحلل بعضهن من ثوابت الأخلاق.

الاعتناء بالفولكلور

تحرياً لشمول الصورة ومصداقيتها، تعرض الكاتب لعادات وثقافة المجتمع في صعيد مصر، عبر ما ساقه من أحداث؛ وشت باعتنائه الشديد بموروثات وفولكلور بيئته، لا سيما الغريب منها. فالطفل المريض بالحصبة يعالج بارتداء كردان "قلادة" من الذهب، وجلباب أحمر اللون. ويذبح من أجله قنفد، لاستنشاق دخان جلده المحترق. والطفل الذي يتأخر بالنطق يُطعم غراب مسلوق. تكشف المرأة عن شعرها عند الدعاء على أحدهم. وتوصم التي يموت عنها زوجان بأنها "قبارة ووش فقر"، في إشارة إلى أنها تجلب الحظ السيئ. كذلك رصد الكاتب بروز الطبقية بين طوائف المجتمع الصعيدي، إذ ينظر بعضها للآخر بنظرات الاستعلاء، اعتماداً على الأصل والنسب والمهنة. وأبرز أفكاراً أخرى من قبيل اعتبار التمريض مهنة سيئة السمعة، تكون صاحبتها بالضرورة منفلتة أخلاقياً. وكذلك التبرك بالمقامات وقطع المسافات لزيارتها.

تحولات اجتماعية

رصد الكاتب كثيراً من التغيرات والتحولات الاجتماعية، التي طرأت على هذا المجتمع، منها تحول العربان إلى الزراعة، وتخليهم عن أعمال السلب والنهب، وإقلاعهم عن بعض عاداتهم الاجتماعية، مثل الاحتفال بالأعراس طوال أربعين ليلة، والتحاقهم بالجيش وذوبانهم في نسيج الدولة. ووثق مشاهد اندثرت من تاريخ الريف المصري، مثل مشهد "فرقة الدودة"، التي كان يعمل بها الأطفال خلال موسم القطن، لجمع الحشرة يدوياً حتى لا تتلف المحصول. واحتفال الفلاحين بموسم حصاد القطن، وقيمته لديهم، وخسارتهم الكبيرة عامي 1962 و1976، حين التهمت الدودة محصولهم وقضت عليه.

لم يتوقف الكاتب عند حدود الحياة الاجتماعية والموروثات الثقافية للصعيد، بل رصد بعض حراكه السياسي، وتنافس الحزب الشيوعي الثوري والحزب الوطني الحاكم - في النجع - "ثمانينيات القرن الماضي"، الذي انتهى باختفاء الجماعة الشيوعية، بعد أن لجأ الحزب الحاكم لأساليب غير مشروعة من الفساد والإفساد.

أجاد الكاتب استخدام وتوظيف تقنية الوصف، ما أسهم في تحقيق هدفه بتوثيق ملامح حياة المجتمعات في الصعيد وتحولاتها، واستخدم تقنيات بصرية نقلت الأحداث والشخوص ومفردات الريف بدقة بالغة. وربما كان الحضور القوي للصورة مدعاة لإمكانية تحويل البناء الروائي إلى عمل درامي مستقبلاً. أما اللغة التي استخدمها الكاتب فكانت مزيجاً من الفصحى والعامية، التي أنعشت السرد، وتركزت في مواضع الحوار. كما قام بتمرير بعض مفردات البيئة المحلية "الكانون، والكردان، وحلوى الجلاب، والسعي، وبيوت الشعر...."، ليزيد من جاذبية السرد ويعزز من واقعيته.

نساء تحت  القهر

أبرز حضور المرأة في البناء الروائي ما تتعرض له من قهر وتمييز في مجتمعات الصعيد. فنعيمة، أخت الراوي، وبطلة الحكاية الثانية، تجبر على ترك التعليم والزواج المبكر، ثم تتجرع هجر الزوج بسبب إنجابها أربع بنات، وتهمل في مرضها حتى تفارق الحياة. وسعاد السباعي تتعرض لقهر الموروث الثقافي الراسخ، واعتبارها "قبارة"، أي جالبة للموت بعد وفاة زوجيها وأبنائها، فتقاسي مرارات التنمر والازدراء. وصفاء تتعرض للقتل في جريمة شرف، بينما يفر عاشقها الذي غرر بها من دون عقاب. أما عزيزة الأخت الثانية للراوي فتتعرض للطلاق وسلب حقوقها، بعد موت طفلها، على الرغم من إخلاصها في خدمة زوجها وعائلته. وعلى الرغم مما تعرضت له، لم تجد دعماً كافياً من عائلتها، التي اعتبرتها خطراً وتهديداً بعد طلاقها.

"لما طلقت عزيزة أصبحت أمي ترغب في تزويجها من أي رجل، وأصبح بيتنا يعيش أفراده حالة توتر، فالبيت الذي فيه امرأة مطلقة لا يعرف الراحة، كلما اقترب منه رجل تفجرت شهوة الحكي والإشاعات"، ص81.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على الرغم من الصبغة شديدة المحلية التي اتسم بها النص، تطرق الكاتب لوضع العراق في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وحربه مع إيران والكويت، وذلك بسبب وجود أعداد كبيرة من العمالة المصرية، لا سيما القادمة من الصعيد في العراق. وتضرر هذه العمالة بشكل مباشر نتيجة حرب الخليج، الأمر الذي انعكس سلباً على الأحوال الاقتصادية لأسرهم في الجنوب المصري.

على الرغم من ثراء التناول، لم تتجاوز الرواية مئة وثلاثين صفحة من القطع المتوسط؛ إذ تعمد الكاتب أن يضع في بؤرة الضوء ما يعكس الصورة الكلية. واعتمد الحذف كتقنية لتجاوز كل ما لا يخدم النص، وللإسراع بالسرد، من دون التأثير على الحبكة التي أحكمها إلى حد بعيد.

وبدا خلال رحلته منحازاً للضعف الإنساني، ولفطرة الإنسان المجبولة على الخطأ، واتضح ذلك فيما انتهجه الراوي من منهج المكاشفة والإفصاح عن نزعاته الفاسدة، وأيضاً في سلوك بطل الحكاية الثامنة والأخيرة "الحاقن العاشق"، الذي عشق زوجة ابن عمه فتسبب في قتلها. ولعل البناء الروائي في مجمله لا يوثق خصوصية مجتمع في جنوب مصر وحسب، وإنما يعد سباحة عكس التيار، وانتصاراً للمحلية في مقابل العولمة.

المزيد من ثقافة