Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا حقق غوستاف فلوبير حلمه بالسفر إلى الشرق

معرض فرنسي يتوقف عند تفاصيل هذه الرحلة وثمارها

 لوحة في المعرض من مفكرة دو مورغان (الخدمة الإعلامية للمعرض)

في مناسبة حلول المئوية الثانية لولادة الكاتب الفرنسي الكبير غوستاف فلوبير (1821 ــ 1880)، ينظم متحف "فيكتور هوغو" في بلدة فيلكييه (نورماندي) سلسلة معارض متتالية تحت عنوان "أسفار إلى الشرق"، أولها انطلق حديثاً ويتوق إلى إعادة خط رحلة فلوبير إلى شرقنا برفقة صديقه الكاتب والمصوّر مكسيم دو كامب. معرض يهدف أيضاً إلى كشف انطباعات هذا العملاق خلال هذه الرحلة وتأثيرها في إنتاجه الأدبي، وأيضاً على فنانين فرنسيين (كاميّ سان سانس، جاك دو مورغان، لوتان دو لافال، لويس بولانجيه...) ساروا على خطاه وأنتجوا خلال تجوالهم في الشرق رسوماً ومائيات نشاهد مختارات واسعة منها إلى جانب وثائق وصور فوتوغرافية وبعض مخطوطات صاحب "سالامبو".

قيمة هذا المعرض تكمن في كون رحلة فلوبير المذكورة مهمة على أكثر من صعيد. فهي التي حددت وجهة سفر مواطنيه بعده إلى شرقنا، ومحطته الأولى، أي مصر؛ وخلالها انبثقت نصوصه التي تنتمي إلى أدب الرحلة ومعها أوّل ألبوم من الصور الفوتوغرافية الملتقطة في منطقتنا؛ ومباشرةً بعد عودته منها عثر على أسلوبه الخاص الذي دشّنه في رائعته الأدبية "مدام بوفاري".

حلم المراهقة

ومنذ سن المراهقة، حلم فلوبير بالسفر إلى الشرق وبالاستقرار فيه ("خُلِقتُ للعيش فيه"، سيكتب لاحقاً)، كما يتجلى ذلك في عدد من نصوصه المبكرة، حيث يحضر شرقٌ ذو ملامح غامضة إلى حد ما، غالباً ما يلتبس مع العالم المتوسطي ويرمز إلى العصور القديمة، لكن دائماً مغموراً بالنور. ففي نهاية نص "التربية العاطفية" الأول (1945)، يتوجّه بطله "جول" إلى الشرق "آخذاً معه زوجين من الأحذية يرغب في بري نعليهما في لبنان، وكتاباً لهوميروس كي يقرأه على متن سفينة هيليسبونت". وفي الفترة نفسها، كان يعمل على نص "حكاية شرقية"، متأثراً مثل الكثيرين من جيله بفيكتور هوغو، وتحديداً بديوانه "الشرقيات".

رحلة فلوبير ودو كامب انطلقت في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1849. وللتحضّر لها، قرأ الاثنان أو أعادا قراءة نصوص من سبقهما إلى الشرق، أي "سفر إلى مصر وسوريا" لفولناي، "وصف مصر" و"الطريق من باريس إلى القدس" لشاتوبريان، "سفر إلى الشرق" للامارتين، "سفر إلى بلاد فارس وأماكن أخرى من الشرق" لشاردان، "كتب مقدسة من الشرق" بترجمة غييوم بوتييه، "رحالة قدماء وحديثون" لإدوار شارتون، و"تقرير عن آداب وعادات المصريين المعاصرين" لإدوارد لاين. أما التحضيرات العملية لسفرهما فوقعت على كاهل دو كامب الذي تمكن من إقناع وزارة التعليم العام بتكليفه رسمياً بمهمة علمية: تصوير الآثار ونسخ النقوش، ووزارة التجارة بتكليف صديقه بجمع معلومات عن واردات وصادرات مصر. مهمة سيهملها فلوبير كلياً.

من سفره الأول إلى الشرق عام 1844، عاد دو كامب بمادة كتاب "ذكريات ومناظر من الشرق" الذي أصدره عام 1848 وأهداه إلى صديقه. أما فلوبير، فلم يكن يريد الانطلاق في رحلتهما قبل إنجازه أول أعماله الأدبية الكبرى المستوحاة من الشرق، رواية "تجربة القديس مار أنطونيوس" التي كان يعمل عليها منذ شهور طويلة. لكنه سيضعها جانباً في النهاية إثر نصيحة صديقه الجائرة له "بإلقائها في النار ونسيانها".

الإسكندرية والنيل

في 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، يصل فلوبير ودو كامب إلى الإسكندرية، وفي 26 إلى القاهرة حيث يبقيان حتى فبراير (شباط) وينجزان عدة رحلات استكشافية تقودهما إلى الأهرامات وممفيس، قبل أن يبحرا في مياه النيل حتى الشلال الثاني ويعودا أدراجهما لزيارة معابد أبو سمبل والأقصر وطابا والكرنك. وبعد عودة سريعة إلى القاهرة، يتوجهان إلى الإسكندرية ويستقلان باخرة تقودهما إلى بيروت. وبعد فترة الحجر الصحي، يتجولان قليلاً في المدينة ثم يأخذان الطريق البحرية لزيارة القدس والبحر الميت، ثم الطريق الداخلية لبلوغ دمشق. وبعد وقفة في بعلبك وطرابلس، يعودان إلى بيروت لاستقلال باخرة تقودهما إلى رودس. وفي تركيا، يزوران مدن ميلاس وأفسس وسارديس ومرموريس، ثم يتوجّهان بحراً إلى إسطنبول، قبل ختم ترحالهما في اليونان.

مما كتبه عن هذه الرحلة، نعرف أن فلوبير استمتع كثيراً بما شاهده خلالها، وأنها تطلّبت منه تغييراً جذرياً في عقليته وتبنّي وضعية الرحالة التي تختلف كلياً عن وضعية السائح المبتذل. بعض المواقع فتنه إلى أبعد حد: "مشاهدتي أبو الهول كانت من أكثر الملذات إثارة للدوار في حياتي، وإذا لم أقتل نفسي هناك، فلأن حصاني أو الله لم يرغب في ذلك". افتتان اختبره أيضاً أمام الأعمدة الستة التي لا تزال قائمة من معبد جوبيتر في بعلبك: "لم أكن أعرف أنه يمكن أن نعشق صفّ أعمدة، لكن هذا صحيح"، وبين الناس الذين اختلط بهم وأحبّ تعدّدهم وتنوّعهم. وفي معرض تقييمه هذه الرحلة، كتب: "صحيح أننا نشعر بالملل أحياناً، لكننا نستمتع إلى أبعد حد أيضاً". أما حنينه من حين إلى آخر إلى منزله ووطنه، فجعله يتعاطف في الأقصر مع المسلّة المفقودة التي قدّمها محمد علي إلى فرنسا عام 1830 ونُصبت في باريس عام 1836: "قابعة على قاعدتها، لا بد أنها تشعر بالملل في ساحة الكونكورد وتتأسّف على النيل".

عناء التصوير

وبخلاف فلوبير الذي كانت تتملّكه دائماً رغبة في أن يكون في مكان آخر غير الذي هو فيه، نشط دو كامب بشكل حاد خلال هذه الرحلة وأنجز 216 صورة فوتوغرافية تعذّب كثيراً في التقاطها: "إن تعرّضت روحي للعنة لاحقاً، فسيكون ذلك عقاباً على الغضب والاشمئزاز اللذين تسبب بهما التصوير الفوتوغرافي الذي لم تكن ممارسته آنذاك بسيطة وسريعة كممارسته اليوم"، كتب في نصّه اللاحق "النيل". وحول هذا النشاط، كتب صديقه: "التصوير يشغل ويستهلك أيام مكسيم. (...) إن لم يهدأ، سيلاقي حتفه".

وإضافة إلى تصوير المواقع الأثرية، شارك فلوبير مع صديقه بنشاط تنقيبي، لكنه اغتنم فترات كسله الكثيرة خلال هذه الرحلة للتأمّل في مستقبله الأدبي وتجاوز صدمة "فشل" روايته "تجربة مار أنطونيوس". كسل ما لبث أن أفضى إلى ملل كبير وضعه في حالة اكتئاب عميقة، وقال فيه: "ما هذا الملل الثابت الذي أحمله معي، يا إلهي! لقد لحق بي إلى هذه الرحلة! لم يلتصق رداء ديانيرا بظهر هرقل أكثر من التصاق هذا الملل بحياتي! الفارق الوحيد هو أن مللي يقضمها ببطء!".

وبينما سيقطف دو كامب شهرة كبيرة مما أنجزه في الشرق، لدى عودتهما، لن يحصد فلوبير أي شيء. فكتاب "سفر إلى الشرق" الذي يحمل اسمه صدر بعد وفاته ويتكوّن من نصوص لم يرغب يوماً في نشرها. ومع أنه خطّط في مطلع رحلته لكتابة ما سيختبره خلالها على شكل فقرات أو فصول قصيرة، لكنه تخلّى بسرعة عن هذا المشروع واكتفى بتدوين ملاحظات في دفاتر صغيرة. والسبب؟ اعتباره أدب الرحلة "أدباً قاصراً"، واقتناعه بأنه "من الأفضل (خلال السفر) أن نكون عيناً فحسب"، بالتالي خوفه من أن يجبره تأليف سردية سفر على فرز انطباعاته والتضحية ببعضها، وبالنتيجة التقليل من شأن بعض جوانب تجربته الشرقية: "حين ننظر إلى الأشياء ضمن هدف معيّن، لا نرى سوى جانب واحد منها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بخلاف دو كامب، لم يسع فلوبير إذاً إلى الاستفادة مباشرةً من رحلتهما، بل انعزل فوراً بعد عودتهما وبدأ بكتابة "مدام بوفاري" التي لا علاقة لها كلياً بشرقنا. لكن الصحيح أيضاً هو أنه عاد بأسلوبٍ كتابي خاص ومبادئ جمالية جديدة، بعدما خزّن صوراً وأحاسيس ما لبثت أن سقت بشكلٍ ثابت مخيلته وغذّت أعماله اللاحقة. وفعلاً، بعد "مدام بوفاري"، انكبّ على كتابة رائعته الأدبية الثانية، "سالامبو" التي استثمر فيها ذكرياته الشخصية في شرقنا من أجل وضع أمام عيني القارئ ما أحبّه فيه، أي "تلك العظمة التي تتجاهل نفسها، وذلك التناغم بين أشياء متباينة". وأثناء كتابته "هيرودياس"، استثمر دفاتر سفره، وخصوصاً الدفتر السادس الذي دوّن فيه انطباعاته وتعليمات طوبوغرافية في القدس ومنطقة البحر الميت ودمشق وبعلبك وطرابلس وبيروت، نذكر منها: "على منحدر، يعبر الهواء الأزرق بين سيقان جَمَلٍ. من بعيد، يبدو وكأنه يرتفع نحو السماء".

يبقى أن نشير إلى أن علاقة فلوبير بصديقه تدهورت فور افتراقهما في روما بسبب اختلافات في الرأي والسلوك. فبينما كرّس دو كامب وقته لدى عودتهما من أجل "احتلال موقع"، بقيت هذه العبارة فارغة من المعنى لفلوبير، فكتب له: "لم نعد نتبع الطريق نفسه، لم نعد نبحر على متن السفينة نفسها. فليقودنا الله إذاً إلى حيث كل واحد منا يشاء. أنا لا أسعى لبلوغ المرفأ، بل لمعانقة البحر. إن غرقتُ فيه، أعفيك من الحِداد".

المزيد من ثقافة