Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إصابات كورونا تحلق في الهند بعدما اعتقدت أنها تغلبت عليه

مستشفياتها على حافة الهاوية، وآلاف الأرواح تُزهق يومياً، فيما تتفشى النسخ المتغيرة الجديدة من الفيروس في شتى أنحاء البلاد التي صارت البؤرة الجديدة للجائحة العالمية

ترتفع إصابات "كورونا" في الهند في وقت بدأت الوفيات أيضاً تتزايد على نحو مفاجئ مجدداً في الأسابيع الأخيرة (غيتي)

في المستشفى الرئيس المخصّص لمرضى "كوفيد" في مومباي الهندية، وعلى واحد من الأسرّة الألف، حاولت عجوز جاهدةً أن تتنفّس فراحت تلهث علّها تلتقط بعض الهواء مع أنّ جهاز تنفّس اصطناعيّ كان يضخّ الأوكسجين إلى رئتيها. طوال ساعات، صارعت المرأة في سبيل كل نفس أخذته، ثم توقّف قلبها ليعود إثر محاولة إنعاش قلبيّ رئويّ CPR لجأ إليها الأطباء لاسترجاع نبضها.

أدركت الدكتورة شاراد أواشر أنّ مريضتها لن تُكتب لها النجاة. لقد دمّرت عدوى "كورونا" رئتيها. لذا، اُستدعيت ابنتها إلى المستشفى حيث علمت أنّ "ساعات قليلة" تفصل والدتها عن الموت.

في البداية، تملّكها غضب شديد، فأجابت، "لا تقولي ذلك أيتها الطبيبة، أمي هي كل ما أملك". بيد أنّ الابنة، شأن مئات الآلاف من الهنود الآخرين، لم يكن أمامها في خضم الجائحة أيّ خيار آخر سوى أن تتجرّع الخسارة التي تركها "كوفيد- 19" في عائلتها.

إصابات ووفيات كثيرة خلفها "كورونا" في الهند العام الماضي، إذ سجّلت البلاد عدد الحالات الأعلى عالمياً إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية والبرازيل. بيد أن الأرقام سرعان ما أخذت تنخفض بعد انقضاء الصيف الماضي. وبحلول يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، وتزامناً مع توزيع اللقاحات المضادة، أعلن وزير الصحة الهندي أنّ الجائحة في بلاده قد وصلت إلى خواتيمها.

ولكن بعد مضي أشهر لم تفرض فيها البلاد سوى قيود قليلة، وفقط عندما بدأت الحياة تعود إلى سابق عهدها، انفجرت أعداد الحالات فجأة، لتجتاح البلاد موجة "تسونامي" من العدوى تاركةً وحدات العناية المركزة في حالة "أشبه بالحرب"، وفق توصيف الأطباء.

ولمّا كانت دول أخرى كثيرة تحرز تقدّماً سريعاً في حملات التطعيم، صارت الهند الآن بؤرة عالمية لـ"كوفيد- 19"، في حين تتعاظم المخاوف إزاء الأشكال المتحوّرة الجديدة من الفيروس.الأطباء في الولايات الهندية الذين يقع عليهم الضغط الأشد في غمرة الجائحة، يرسمون صورةً كالحةً للمشهد في كلامهم عن فوضى تشوب على نطاق كبير عمليات الدخول إلى المستشفيات التي تستقبل مصابين ميؤوس الأمل في شفائهم، وبأعداداً تفوق قدراتها الاستيعابية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الخارج أمام المستشفيات، ذوو الضحايا وأحباؤهم يبكون وينتحبون، سيارات إسعاف محملةً بالمرضى، ومحارق ومقابر تفيض بالجثث، عمليات إنعاش تنتهي بإخفاق، وعائلات تتدافع للحصول على أسرّة وبلازما، وحتى إمدادات طبية أساسية من قبيل الأوكسجين والنقالات وأجهزة التنفس الاصطناعي... إنها مشاهد مألوفة في مختلف أنحاء الهند .

"نواجه كارثة هنا. عليّ أن أوفر الرعاية الطبية لمصابين يشغلون 75 سريراً في وحدة العناية المركزة يومياً، فيما تستقبل المستشفى أعداداً من المرضى أكثر بأشواط ممّن يغادورنها. بلغنا الحد الأقصى من طاقتنا الاستيعابية الكاملة"، تقول الدكتورة أواشر.

"على بغتة، يموت المرضى بسبب نقص الأكسجة [إمداد الأكسجين]. أعدادهم هنا تفوق ما يمكن للأطباء معاينته، وقد استنفدت آلات المراقبة كافة. إنّنا نعاني"، هذا ما أسر به إلى "اندبندنت" طبيب مقيم في "مستشفى سيون" الحكومي في مومباي، مشترطاً عدم الكشف عن اسمه.

ماهاراشترا، حيث مدينة مومباي، جرى توصيفها طوال أسابيع عدة باعتبارها حالة خاصة فيما يتصلّ بالتفشي الأخير لفيروس "كورونا" في الهند، لكنّ الوضع ليس أفضل حالاً الآن في العاصمة دلهي حيث يقول الدكتور أتول جوجوي، في مستشفى "سير غانغا رام" إنّ أقسام العناية المركّزة، وحتى الأجنحة العامة، لا تحوي أيّ أسرّة شاغرة. ولا يمرّ يوم من دون أن تتفاقم الأمور وتزداد الحال سوءاً، وفق كلامه.

وذهب الدكتور جوجوي، ألى أن "الاضطرار" إلى الوقوف "موقف المتفرج" في خضمّ هذه المعركة "الأشبه بالحرب" ضدّ هذا المرض، يترك خسائر فادحة. "نحن منهكون جسدياً فيما عبء العمل ما انفك يتزايد، [ولكننا أيضاً] مرهقون عقلياً لأنّنا نتعامل على نحو مستمرّ مع انهيارات عصبية يكابدها كبار السن."

الآن، يبدو تفشي "كورونا" في الهند أسوأ مما كان عليه في أيّ وقت من العام الماضي، مع تسجيل البلاد سلسلة تطورات مروِّعة في الأسابيع القليلة الماضية. علاوة على أنّها تجاوزت البرازيل في إجمالي عدد حالات "كورونا"، شهدت الهند قفزات يومية بلغت أكثر من 200 ألف إصابة جديدة خلال فترة 48 ساعة، في الأسبوع الماضي.

فيما لا تتوفَّر بيانات تكفي لكشف السبب الذي تُعزى إليه الموجة الجديدة من الجائحة في الهند، يقول علماء إن نسخة متغيِّرة محلية من الفيروس تُسمى "بي.1. 617" (B.1.617) تؤجِّج، على الأرجح، أوار "كورونا"، مصحوبة بتخاذل عن التقيّد باحتياطات السلامة وظهور التجمعات المكتظة مجدداً والإعراض عن ارتداء الكمامات في جميع أنحاء البلاد.

من المحتمل أنّ متحوّرات معدية عدة تؤدي دوراً في استفحال الحالات في الهند. وكشفت اختبارات أنّ الأشكال المتغيِّرة الثلاث من الفيروس، "بي. 1. 1. 7" (B.1.1.7) البريطاني، و"بي.1.351 " (B.1.351) الجنوب أفريقي، و"بي 1" (P1) البرازيلي، تنتشر بين السكان. وقد عُثر عليها في ولايات ماهاراشترا، والبنجاب، وكيرالا، ودلهي، وكارناتاكا، التي تسهم فيما بينها بنسبة عالية من الحالات الجديدة.

ولكن، المخاوف الأكبر تدور حول المتغير الهنديّ "بي.1. 617"، الذي أطلق عليه اسم "المتحوّر المزدوج" في تقارير إعلامية، علماً أنه في الواقع قد طرأ عليه 15 تبدلاً في التركيبة الجينية للفيروس الأصلي. ولكن تلك التسمية تُعزى إلى أنّه تعرّض لطفرتين مميَّزتين وتبعثان على القلق طالتا بروتين "سبايك" ظهرتا في مكان آخر خلال الجائحة، وتُعرفان بالاسمين "إي 484 كيو" (E484Q) و"أل 452 آر" (L452R). والملفت أنها المرة الأولى التي تجتمع فيها الطفرتان الجينيتان المختلفتان في سلالة واحدة.

في المملكة المتحدة، رُصدت 77 حالة من المتحوّر الجديد.

"بناء على تجربة البلدان الأخرى بشأن سلالة "إي 484 كيو" و"أل 452 آر"، نتوقّع أن تنتشر بشكل أسرع [مقارنة بالنسخ الأخرى من الفيروس) وأن تتملّص من الأجسام المضادة التي ولّدتها استجابات الأجهزة المناعية لدى من أصيبوا بالعدوى أو أخذوا اللقاح"، يقول المتخصِّص في علم الفيروسات شهيد جميل، العضو في الاتحاد الهندي "سارس- كوفيد لعلم الجينات (اختصاراً Insacog)، مع الإشارة إلى أنه منظمة مكوّنة من 10 مختبرات وطنية شكَّلتها الحكومة الهندية في يناير الماضي بغية كشف التسلسل الجيني للنسخ المتحوِّرة من الفيروس.

والحق أن الهند تعكف في الوقت الحالي على وضع التسلسل الجيني لأقل من 1 في المئة فقط من عينات "كوفيد- 19". وفق خبراء، يُحتمل أن يكون "بي.1. 617" والمتغيِّر البريطاني كلاهما أكثر انتشاراً بأشواط ممّا تشير إليه الأرقام، ولكن من المحال معرفة مدى تفشيهما.

في رأي يعكس آراء خبراء آخرين كثر، يقول البروفيسور دينان بيلاي، عالم الفيروسات في "كلية لندن الجامعية" University College London، "لن أتفاجأ إذا تبيَّن أن ذلك المتحوِّر ("بي.1. 617" الهندي) أحد العوامل التي أفضت إلى تزايد الحالات"، في الهند.

من وجهة نظر أريس كاتزوراكيس، وهو بروفيسور في التطور وعلم الجينوم في "جامعة أكسفورد" Oxford University، من شأن التحوِّر الجيني المزدوج المتميز بيولوجياً "أن يفاقم الأمور سوءاً بشكل عام"، ويطرح أيضاً احتمال أن يكون "بي.1. 617" قد تكيَّف بصورة جيدة ليصيب بالعدوى مجدداً الأشخاص الذين اكتسبوا مناعةً عبر التقاطهم الفيروس أو تلقيهم اللقاح.

ولكن البروفيسور بيلاي ، يوضح أن السمات المحددة للمتحوِّر ستكون نتيجة "مجموعة" كاملة "من الطفرات" أصابت تركيبه الجيني البروتيني المعروف باسم "سبايك"، علماً أنّه الجزء المسؤول في الفيروس عن دخول الأخير إلى الخلايا البشرية.

إذا تغيَّرت تلك "البنية الثلاثية الأبعاد" (سبايك) بشكل كبير خلال تطور الفيروس، يمكن للأخير، كما يقول البروفيسور بيلاي، أن يصير أكثر قدرة على اختراق خلايانا، أو أن يتجنب التأثيرات المحايدة للأجسام المضادة، التي صُمِّمت لتلتصق ببروتينات "سبايك" وتمنع عملية ارتباط الفيروس بخلايا الجسم.

في ولاية ماهاراشترا الأكثر تضرراً بإصابات "كورونا"، حيث يُسجل 50 في المئة من الحالات الوطنية الحالية، أظهرت الفحوص المختبرية أنّ "بي.1. 617" تسبَّب بما نسبته 61 في المئة من عينات العدوى بين يناير ومارس (أذار) الماضيين. غير أنّه إلى الشمال، في ولاية البنجاب، نتجت 80 في المئة من الحالات تقريباً عن المتحوِّر البريطاني المعروف بكونه شديد العدوى.

ولكن في اعتقاد البروفيسور شهيد جميل، انتشر الفيروس (المتحوّر الهندي) في "ولايات هندية عدة"، من بينها ولاية غرب البنغال، حيث تواصلت التجمعات الانتخابية (انتخابات المجلس التشريعي) من دون رادع أو قيد، وولاية أوتراخاند الشمالية حيث تجمّع الملايين للاستمتاع بالسباحة في نهر الغانج خلال "مهرجان كومبه ميلا" (مهرجان الإبريق المقدس) الديني- أكبر تجمّع للحجاج في العالم، الذي سُمح بإقامته على الرغم من الجائحة.

ثمة احتمال أن تكون حشود الحجاج الذين حضروا المهرجان، وقد بلغ عددهم الملايين في بعض الأيام، قد حملت الفيروس معها إلى أنحاء الهند كلها.

في السياق نفسه، يقول البروفيسور غوتام مينون، في "جامعة أشوكا" في دلهي، إن انتشار النوع الهندي من الفيروس في ولاية ماهاراشترا "دليل مؤكد على أنّ المتحوِّر "بي.1. 617" أكثر قدرة على العدوى مقارنةً بالسلالة القديمة"، ذلك أنّه حلّ محلها بسرعة كبيرة.

ويبدو أن نسبة أكبر من حالات العدوى العديمة الأعراض تتفشى، بالإضافة إلى بروز مرضى يعانون أعراضاً غير معتادة مقارنةً بالموجة الأولى"، يقول البروفيسور مينون، مضيفاً أنّه "من الواضح أن العمر العام للمصابين أصغر من ذي قبل".

تطرقت إلى المتحوِّر الجديد في الهند أيضاً الدكتورة غاغانديب كانغ، بروفيسورة في علم الأحياء الدقيقة في "كلية الطب المسيحية في فيلور"، فقالت إنّ بلادها كانت بطيئة في دراسة المتحور "بي.1. 617""، وهي هفوة تترك المسؤولين في جهل بشأن مستوى التدخلات التي ينبغي تنفيذها. وأضافت، "لا نعرف شيئاً" عن النسخة المتغيِّرة لأن المسؤولين الحكوميين "لا يجمعون البيانات لاستخلاص النتائج".

"اشتغلنا على النحو التالي، درسنا التسلسل الجيني للفيروس قليلاً في البداية، ثم توقفنا، ثم عندما عادت المتحوِّرات شرعنا في العمل على فك التسلسل مجدداً. حتى الآن لم نصل إلى المستوى المنشود"، كما تقول الدكتورة كانغ، موضحةً أنّ "النهوض برصد غير مكتمل يتأرجح بين الاستمرار والتوقّف، والقيام بعمليات إبلاغ عشوائية، ليست الطريقة التي يدار بها نظام المراقبة."

فيما يتعلق بكيفية ظهور "بي.1. 617" للمرة الأولى، يرجّح البروفيسور جوليان تانغ، متخصِص في علم الفيروسات في "جامعة ليستر" Leicester University، أنه ربما يكون وليد ما يُسمى "إعادة التركيب الجيني". يشمل ذلك "العدوى المزدوجة المتفرقة بنوعين مختلفين من المتحورات لدى الشخص عينه"، كما يقول.

في ظل تلك الظروف المذكورة، يمكن للفيروسات المختلفة أن تستبدل أجزاء من شيفرتها الجينية ذات الصلة ببروتين "سبايك" بغية إنتاج "سلالة" تحمل "مزيجاً من أنماط طفرات مختلفة". وبغض النظر عن كيفية ظهوره، ربما يكون "بي.1. 617" متحوِّراً يستدعي القلق ولا بدّ من مراقبته"، يضيف البروفيسور تانغ.

ومع ذلك، يأمل العلماء في أن يحافظ الجيل الحالي من اللقاحات المضادة لكورونا على فاعليته ضدّ المتحوِّر (الهندي)، وغيره من متحورات مشابهة، حتى لو أنّها طوَرت قدرة على التملّص من أجزاء من الاستجابة المناعية للجسم.

مع مرور الوقت، أصبحت اللقاحات أقلّ فاعلية في مواجهة الداء، علماً أن أمراضاً عدة تشهد هذه الظاهرة، و"الحصول على بعض من الحماية يبقى أفضل دائماً من غيابها التام"، كما تقول البروفيسورة بيلاي. وإلى تلك الحماية، يرجع الفارق المُلاحظ بين مصاب لا تظهر عليه أعراض البتة، وآخر ينتهي به المطاف في المستشفى أو الوفاة.

ومع ذلك، فيما يداهمنا الوقت في مواجهة القفزة الأخيرة في الإصابات، يتمثّل التحدي الحقيقي في طرح إمدادات اللقاحات في الهند بأسرع ما يمكن، يقول جيريدهارا بابو، بروفيسور في علم الأوبئة في "مؤسسة الصحة العامة" في الهند، موضحاً "أن وتيرة التطعيم (في بلاده) أفضل نسبياً مما هي عليه في معظم البلدان الأخرى، ولكنها لم ترق إلى المستوى المطلوب".

وخلُص البروفيسور بابو إلى أن "الهند بحاجة إلى إعطاء 10 ملايين جرعة في أقل تقدير يومياً في سبيل حماية الفئات الضعيفة من السكان في الأشهر القليلة المقبلة. التوسّع في التطيعم والإسراع في تأمين الجرعات من شأنه أن يكون أكثر نفعاً في خفض معدل الوفيات" بسبب "كورونا".

© The Independent