Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المعتزلة فكر وفلسفة (الحلقة الثانية)

ترك الصراع السياسي على الخلافة والتفرغ إلى طلب العلم والمعرفة

عموم المعتزلة رفضوا فكرة سلب الإرادة والقدرة والاختيار من الإنسان كلياً (أ ف ب)

عرضنا في الحلقة الأولى بدايات ظهور المعتزلة في القرن الهجري الأول، ومناطق وجودهم في الحجاز ومصر والعراق، وكيف أنهم اعتزلوا الصراع السياسي المتعلق بالخلافة، وتفرغوا لطلب العلم والمعرفة، فكانوا البذرة الأولى في المعرفة العقلية داخل المجتمع العربي الإسلامي، ومع خاصية كل فرقة منهم، لكنهم مجتمعون على أصل واحد.

تبلور الأفكار

إذا اتسمت المرحلة الأولى من الاعتزال بترك الصراع السياسي على الخلافة، والتفرغ لطلب العلم والمعرفة، فإن المرحلة الثانية اكتملت فيها بعض الأفكار الرئيسة، التي هيأت إلى تكوين مذهب المعتزلة، مثل نفي القدر ونفي الصفات الإلهية وخلق القرآن. ومن أبرز علماء هذه الفترة أربعة متكلمين ماتوا قتلاً بسبب تمسكهم بأفكارهم العقلية والمعرفية أكثر من مواقفهم السياسية.

أولهم، معبد الجُهني (توفي 83 هـ/702 م) الذي يُعد من رواد القائلين بنفي القدر في البصرة، جنوب العراق، وذكر الذهبي (توفي 748 هـ/1348 م) في "تاريخ الإسلام" وكذلك المقريزي (توفي 845 هـ/1442 م) في "الخطط" وغيرهما من المؤرخين، بأن الجهني أخذ فكرة نفي القدر من أبي يونس الأسواري، ويقال له سوسن أيضاً، وهو آشوري مسيحي أسلم ثم ارتد عن الإسلام. وكان الجهني يجالس الحسن البصري (21-110 هـ/642-728 م)، فتكلم في القدر وتبعه بعض البصريين، فأبعده الحسن عن مجلسه، وقال عنه "هو ضال مضل". ونفي القدر عند الجهني وأتباعه لا يعني أن الإنسان قادر على خلق الفعل فحسب، بل أنكروا القدر في العلم والتقدير أيضاً، فلا قدر موجود، والأمر أنف أي مستأنف.

في الجانب السياسي، كان الجهني أحد الذين شهدوا التحكيم، بطلب من الناس، وتكلم مع أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، والأخير عنفه قائلاً، "أيها تيس جهينة ما أنت وهذا، لست من أهل السر ولا العلانية، والله ما ينفعك الحق ولا يضرك الباطل". وكان الجهني رسول عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، لمنزلته العلمية العالية. وفي الجانب التربوي، امتهن تعليم الصبيان فترة من الزمن، وكان معلماً إلى سعيد بن عبد الملك. كما اشترك في حركة ابن الأشعث الذي ثار على سياسة الحجاج بن يوسف الثقفي، فصلبه عبد الملك في دمشق.

وثانيهم، الجُعد بن درهم (توفي 99 هـ/721 م)، من مدينة حرّان في شمال العراق، وإليه تنسب مقالة خلق القرآن. وبحسب رواية ابن عساكر في "مختصر التاريخ"، وكذلك ابن كثير في "البداية والنهاية"، أن الجعد أخذ مقالة خلق القرآن من بيان بن سمعان اليهودي عن خاله لبيد بن أعصم الذي سحر النبي، وكان يقرأ القرآن، ويقول بخلق التوراة. وعندما خرج الجعد من دمشق اتجه إلى الكوفة، والتقى فيها بمعبد الجهني، وأخذ عنه مقالتيْ خلق القرآن ونفي الصفات الإلهية.

في الجانب السياسي، اشترك الجهني في ثورة ابن الأشعث ضد الحجاج، فدفع ثمن فشلها، إذ أمر هشام بن الحكم بقتله وهو مسجون عند خالد بن عبد الله القسري في مدينة واسط، شرق العراق، لكن خالداً ذبحه بطريقة الأضاحي. وفي الجانب التربوي، كان معلماً لمحمد بن مروان آخر خلفاء الدولة الأموية، الذي انتقم من خالد شر انتقام.

أما ثالثهم، غيلان الدمشقي (توفي 124 هـ/743 م)، فأصله قبطي من مصر وتلميذ معبد الجهني، ويُعد المتكلم الثاني بعد شيخه الجهني في مقولة نفي القدر، والإقرار أن الإنسان مختار في أفعاله شرها وخيرها، والله يحاسبه على هذا الاختيار. وكتب غيلان رسائل (بحوث) كثيرة، بحسب رواية ابن النديم بلغت ألفي صفحة، ولكن لم يصلنا من تلك الرسائل البحثية شيء، يبدو أن الجو العام له تأثيره السلبي، إذ كان غيلان وباقي المعتزلة في حالة شك وريبة في عهد الحكم الأموي، لإنكارهم القدر الذي تبناه الأمويين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الجانب السياسي، أيّد غيلان الخليفة عمر بن عبد العزيز ضد الظلم من أمراء بني أمية، الذين كان يسميهم بالظلمة والخونة، وكلفه الخليفة تصفية ممتلكاتهم التي استولوا عليها من خلال نفوذهم في الحكم، لكن بعد وفاة الخليفة طلبوه، فهرب من دمشق، فأعادوه إليها وحوكم فيها على فكره العقلي لا السياسي، وأفتى الأوزاعي بقتله، فنفذ فيه هشام بن الحكم وعداً قطعه على نفسه عندما كان أميراً، بقوله، "هذا يعيبني ويعيب آبائي، والله إن ظفرت به لأقطعنّ يديه ورجليه"، وعلق جثته على باب كيسان في دمشق.

وأخيراً رابعهم، جهم بن صفوان (توفي 126 هـ/745 م)، ينحدر من مدينة ترمذ في سمرقند (ضمن أوزبكستان الآن)، من موالي بني راسب، ومع أنه كان متشدداً في مسألة الجبرية، فالإنسان كريشة في مهب الريح، لا إرادة له ولا قدرة ولا اختيار، ولا فاعل إلا الله، وكل أفعالنا مخلوقة لله مثل أي شيء آخر، وهي أفعال تضاف على سبيل المجاز لا الحقيقة، لكنه حافظ على عقيدته في مقولتيْ خلق القرآن ونفي الصفات الإلهية.

صفوة القول، كان هؤلاء الأربعة ينفون الصفات عن الذات الإلهية من رحمة وسمع وبصر... إلخ، لأن فيها تعددية تعارض وحدانية الله، بحسب تصورهم. لذلك نفوا الصفات من أجل تنزيه الله مما تتصف به مخلوقاته، فأصبحت فكرة نفي الصفات من الأُسس الرئيسة في الفكر المعتزلي وفي فلسفة التوحيد عندهم. وكذلك نفوا القدر، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، لم يؤمن الجهني بالقدر، ولا بإضافة الخير والشر على القدر، فالله تعالى "حكيم عادل لا يجوز أن يُضاف إليه شر ولا ظلم"، وأن الإنسان هو الفاعل للخير والشر على حد سواء. وهكذا شكلت فكرة نفي القدر أساساً آخراً عند المعزلة. وقالوا عن خلق القرآن، إنه ليس كلام الله المُنزل، بل هو مخلوق من مخلوقاته، مثل أي كائن آخر، كل هذا القول من أجل توكيد وحدانية الله الأزلية، ونزاهته تعالى من كل شيء موجود خارج ذاته.

إلا أن عموم المعتزلة، وكذلك غيرهم من المتكلمين، رفضوا فكرة سلب الإرادة والقدرة والاختيار من الإنسان كلياً، وقالوا بالكسب والاستطاعة وحرية الاختيار لدى الإنسان، لأنها من ضروريات العدل الإلهي يوم يقوم الحساب في الثواب أو العقاب.

على أي حال، من خلال طروحات الجهني وابن درهم والدمشقي وابن صفوان توكيدات على قيمة العقل في القضايا الإلهية والإنسانية والطبيعية. وهكذا أخذت الأفكار المعتزلية تنضج أكثر تجاه المذاهب الأخرى من الخوارج والشيعة والمرجئة والإباظية وغيرهم. فالكل يدافع عن فكره، ويسند موقفه بالنصوص القرآنية، خصوصاً التي يفيد ظاهرها بما يرمون إليه من حجج. وعلى الجملة، أدت تلك المجادلات الفكرية إلى نضوج العقل العربي في حقل المعرفة، إذ كانت صراعات تصاعدية وليست تنازلية، وقد أثمرت نتائجها إلى رحابة أوسع في تقبل أفكار وفلسفات وثقافات غير إسلامية تفاعلت معها وفق مبادئ العلم والمعرفة، التي ترفع من شأن العقل الإنساني ذاته.

المزيد من آراء