Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماكرون في الخليج وسط اضطرابات فرنسا

المصالح الخارجية في مواجهة الضغوط الداخلية

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي (واس)

ملخص

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027، تبرز قدرة ماكرون على تحقيق نتائج ملموسة في الملف الاقتصادي، بالتوازي مع استعادة الثقة والاستجابة لمطالب المواطنين، بوصفها أحد التحديات السياسية التي تواجه الرئاسة، فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بجدوى جولة خليجية أو بتوقيت إجرائها، بل بقدرة السلطة على إثبات أن التحرك خارج الحدود يمكن أن يتكامل مع إدارة الأزمات داخلها، لا أن يبدو منفصلاً عنها.

بين تأمين إمدادات الوقود واستعادة المبادرة الدبلوماسية، يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه أمام اختبار سياسي جديد، بعدما أثار قراره مواصلة جولته الخليجية في خضم الاضطرابات التي شهدتها فرنسا جدلاً في شأن أولوياته وقدرته على إدارة الأزمات الداخلية.

لم تكُن جولة ماكرون الخليجية التي امتدت من الـ19 إلى الـ21 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري وشملت الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والسعودية، مجرد تحرك دبلوماسي لتعزيز العلاقات مع شركاء فرنسا في المنطقة، إذ جاءت في توقيت بالغ الحساسية بعد أعمال العنف والتخريب التي رافقت احتجاجات الـ17 من أكتوبر وفي ظل ارتفاع أسعار الوقود وتفاقم المخاوف حيال القدرة الشرائية، مما جعل الزيارة محط انتقادات في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية.

وفي وقت سعى الإليزيه إلى تقديم الجولة على أنها خطوة ضرورية لتأمين إمدادات الطاقة، برز سؤال آخر في التغطية الإعلامية، هل يستطيع ماكرون الدفاع عن المصالح الفرنسية في الخارج بينما تتعرض سلطته السياسية في الداخل للاهتزاز؟

في هذا السياق، أعلن ماكرون خلال الجولة التوصل إلى تفاهمات مع الإمارات والبحرين لتوفير نحو 200 ألف طن إضافية من الديزل شهرياً لشركة "توتال إنرجيز" بحسب ما أوردت "لو موند" أمس الثلاثاء، مشيرة إلى أن الكميات عند احتساب التزامات سابقة مع السعودية، تعادل نحو 10 في المئة من الاستهلاك الفرنسي للديزل، وفقاً للإليزيه.

اتفاق مع السعودية

ومن الرياض، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن اتفاق مع السعودية لتمديد فترة مدها بلاده بشحنات إضافية من الديزل، وجاء في بيان صادر عن قصر الإليزيه عقب اجتماع بين ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان "تم التوصل إلى اتفاق مع السعودية لتمديد تأمين الكميات الإضافية من الديزل التي حصلنا عليها منهم، بحسب ما تقتضيه الحاجة، لضمان إمدادات بلادنا".

 

لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تعني بالضرورة انخفاض أسعار الوقود بالنسبة إلى المواطنين بالمقدار نفسه، إذ يتوقف ذلك على تطورات السوق الدولية وكلف التوريد والتوزيع والضرائب، وهنا يظهر الفارق بين تحقيق مكسب في مجال الإمدادات وتقديم حل مباشر لأزمة القدرة الشرائية.

ولم تكُن الانتقادات الموجهة إلى ماكرون مرتبطة بأهداف جولته الاقتصادية وحدها، بل شملت توقيتها أيضاً، إذ غادر الرئيس باريس مساء الأحد الماضي، عقب خطاب تلفزيوني دان فيه أعمال التخريب، متوجهاً إلى الخليج، في وقت كانت الحكومة تواجه أسئلة حول الاستعدادات الأمنية وطريقة التعامل مع الاحتجاجات.

قراءة في موقف الإعلام الفرنسي من جولة ماكرون الخليجية

وتتمحور الإشكالية الأساسية حول التوفيق بين المصالح الدبلوماسية الفرنسية ومتطلبات إدارة الأزمات الداخلية، فبينما ترى الرئاسة أن الجولة تخدم مصالح البلاد، يثير منتقدو توقيتها تساؤلات في شأن قدرة الرئيس على الجمع بين التزاماته الخارجية والاستجابة للتحديات الأمنية والاجتماعية داخل فرنسا.

وتناولت صحيفة "لو فيغارو" في عددها بتاريخ  20 أكتوبر الجاري الجولة الخليجية تحت عنوان "إيمانويل ماكرون يبتعد في الخليج"، مشيرة إلى أن الرئيس غادر فرنسا وسط الانتقادات، بينما قدم الإليزيه تأمين إمدادات الطاقة مبرراً للزيارة، وركزت تغطيتها السياسية على ما وصفته بالعجز الخطير للسلطة في مواجهة الاضطرابات.

 

وخلال تقرير نشر على موقع "هافينغتون بوست" اليوم الأربعاء، نقل الموقع من داخل المعسكر السياسي انتقاد رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب الذي رأى أن قرار مغادرة ماكرون البلاد في ذلك التوقيت لم يكُن الأنسب، وكذلك تصريحات الرئيس السابق فرانسوا هولاند الذي وصفه بأنه "رئيس جمهورية غائب".

في المقابل، نقل التقرير دفاع ماكرون عن قراره، مؤكداً أن الجولة تخدم مصالح الفرنسيين وأنه يتحمل مسؤولية الحفاظ على صورة فرنسا ومصالحها في الخارج.

توقيت سياسي حساس

ورأت صحيفة "لو موند" أن جولة إيمانويل ماكرون الخليجية جاءت في توقيت سياسي حساس، عقب أعمال العنف التي شهدتها فرنسا، وقبيل الانتخابات الرئاسية لعام 2027. وبينما سعت باريس إلى تأمين إمدادات إضافية من الطاقة، سلطت الصحيفة الضوء على محدودية قدرة شركائها الخليجيين على التأثير في الأزمة الإقليمية التي تعطل صادرات المحروقات. كذلك، وصفت الجولة بأنها "جولة وداع إقليمية"، في قراءة سياسية لتوقيتها، وليس باعتبارها هدفاً معلناً للرئاسة الفرنسية.

وتناولت "لو موند" خلال تغطيتها للأزمة، صعوبة استعادة ماكرون سلطته السياسية، خصوصاً بعدما دان أعمال العنف وأقر بوجود قلق اجتماعي عميق، من دون أن يقدم، وفق تحليل الصحيفة، إجابات محددة عن عدد من المطالب المرتبطة بالتعليم وظروف الدراسة والقدرة الشرائية.

أما موقع "يورونيوز"، فأشار إلى أن الأزمة لم تقتصر على توقيت السفر، بل امتدت إلى تقييم الاستجابة الأمنية وأداء الحكومة. ونشر الموقع أمس تقريراً بعنوان "الضغط يتزايد على ماكرون فيما تهتز فرنسا بفعل أعمال العنف"، لفت فيه إلى الانتقادات التي واجهها الرئيس بسبب سفره إلى الخليج، وإلى إقرار شخصيات من حكومته بوجود ثغرات في الاستجابة للأحداث. ونقل التقرير أيضاً انتقادات صادرة عن شخصيات سياسية من اتجاهات مختلفة، بينها إدوار فيليب وغابرييل أتال وجوردان بارديلا ورافاييل غلوكسمان.

أما موقع "تي أف 1 أنفو"، فتناول الزيارة في ظل التوتر الداخلي، مشيراً إلى التباين بين مبررات الإليزيه والانتقادات التي أثارها توقيت الجولة. وفي تقرير نشره بتاريخ 20 أكتوبر الجاري، تطرق الموقع إلى استمرار الجولة الخليجية في وقت كانت الانتقادات تتصاعد داخل فرنسا، مركزاً على التبرير الدبلوماسي للرئيس الذي رأى أن بإمكانه خدمة المصالح الفرنسية من خلال تحركاته الخارجية.

وتكشف هذه الانتقادات عن معضلة سياسية تتجاوز مسألة وجود الرئيس داخل البلاد أو خارجها، إذ تتمثل المشكلة الأساسية في قدرة السلطة التنفيذية على تقديم استجابة واضحة ومقنعة لأزمة تتداخل فيها المطالب الاجتماعية مع التحديات الأمنية، في وقت تتراجع الثقة السياسية ويقترب موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

انفصال الرئاسة عن الأزمة الداخلية؟

وسلطت شبكة "قناة تي في 5 موند " الضوء على الجدل الذي أثاره قرار ماكرون مواصلة جولته الخليجية بالتزامن مع الاضطرابات التي شهدتها فرنسا، ونقلت عن الخبير الدستوري بنجامان موريل تحذيره من أن الزيارة قد تُفهم باعتبارها مؤشراً إلى انفصال الرئاسة عن الأزمة الداخلية، حتى إن كانت تهدف إلى تأمين المصالح الاقتصادية والإستراتيجية الفرنسية. في المقابل، دافع ماكرون عن قراره، مؤكداً أن نتائج الجولة ستخدم الفرنسيين خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

وذهبت إذاعة "أر تي أل" إلى أن قرار مواصلة الجولة، على رغم تصاعد التوترات، عزز الانطباع بوجود فجوة بين الرئاسة والواقع الداخلي، ونقلت انتقادات طاولت قدرة الرئيس على قيادة الاستجابة للأزمة، وأشارت كذلك إلى تململ داخل أوساط حكومية وسياسية من طريقة إدارة الأحداث.

وخلال تقرير نشرته إذاعة "أر تي أل" أمس، ذكرت أن قرار ماكرون مواصلة جولته الخليجية عقب أعمال العنف التي شهدتها فرنسا أثار انتقادات في شأن غيابه عن البلاد وقدرة الرئاسة على إدارة الأزمة، ونقلت عن شخصيات سياسية ومسؤولين داخل الحكومة والغالبية انتقادات لطريقة التعامل مع الأحداث، وسط تساؤلات حول الاستعداد المسبق للعنف وفاعلية الاستجابة الأمنية.

وأوردت أيضاً تصريحات للمعلق السياسي كريستوف باربييه الذي استخدم عبارة "لم يعُد هناك ربان يقود الطائرة" للتعبير عن تقديره لضعف قدرة الرئيس على فرض قراراته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، لا يمكن اختزال الجولة الخليجية في أنها ابتعاد من الأزمة الداخلية، ففرنسا تواجه تحديات حقيقية تتعلق بأمن الطاقة، كما تسعى إلى الحفاظ على شراكاتها الاقتصادية والدفاعية في منطقة ذات أهمية إستراتيجية. ومن هذا المنظور، يرى منطق الدبلوماسية الرئاسية أن تأجيل التحركات الخارجية قد لا يكون الخيار الأفضل، خصوصاً عندما تتعلق المحادثات بإمدادات الوقود والاستثمارات والأمن الإقليمي.

لكن هذه الحجة لا تلغي الكلفة السياسية للتوقيت، فحين يواجه المواطنون ارتفاعاً في كلف المعيشة، وحين تشهد المدن اضطرابات وأعمال تخريب، تصبح قدرة الرئيس على إظهار الحضور السياسي وتوضيح القرارات جزءاً من معركة استعادة الثقة، وليس مجرد مسألة تواصل إعلامي.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي لعام 2027، إذ يمكن للأزمة الحالية أن تعزز حجج خصوم ماكرون في شأن تراجع نفوذ الرئاسة وصعوبة إدارة الملفات الاجتماعية والأمنية، غير أن قياس الأثر الانتخابي للجولة يظل سابقاً لأوانه، كما أن الانتقادات الإعلامية لا تعني بالضرورة وجود إجماع فرنسي على رفض التحرك الدبلوماسي.

تأمين الطاقة لا يكفي

في المحصلة، تكشف جولة ماكرون الخليجية عن معادلة سياسية معقدة، تتجاوز تأمين إمدادات الطاقة إلى اختبار قدرة الرئاسة الفرنسية على إدارة الأزمات المتزامنة. فبينما تسعى باريس إلى تعزيز شراكاتها الإستراتيجية وضمان حاجاتها من الوقود، تواجه السلطة التنفيذية ضغوطاً داخلية مرتبطة بالاستجابة الأمنية والمطالب الاجتماعية وتراجع الثقة السياسية.

وبينما دافع ماكرون عن مواصلة جولته باعتبارها جزءاً من مسؤولياته في حماية المصالح الفرنسية، أظهرت الانتقادات التي أثارها توقيت الزيارة أن نجاح التحرك الدبلوماسي لا يُقاس فقط بالاتفاقات المعلنة، بل أيضاً بقدرة الرئاسة على إقناع الفرنسيين بجدواها في حياتهم اليومية، فتأمين إمدادات إضافية من الديزل لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار الوقود، كما أن الحفاظ على الشراكات الخارجية لا يعفي الحكومة من تقديم إجابات واضحة عن التحديات الأمنية والاجتماعية في الداخل.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027، تبرز قدرة ماكرون على تحقيق نتائج ملموسة في الملف الاقتصادي، بالتوازي مع استعادة الثقة والاستجابة لمطالب المواطنين، بوصفها أحد التحديات السياسية التي تواجه الرئاسة، فالمسألة لم تعُد تتعلق فقط بجدوى جولة خليجية أو بتوقيت إجرائها، بل بقدرة السلطة على إثبات أن التحرك خارج الحدود يمكن أن يتكامل مع إدارة الأزمات داخلها، لا أن يبدو منفصلاً عنها.

المزيد من تقارير