ملخص
قال المتحدث باسم "الحرس الثوري" الإيراني حسين محبي إن "سبعة كابلات كبيرة تمر تحت الخليج العربي ومضيق هرمز"، زاعماً أن "كل البيانات الإنترنتية والتجارية في العالم" تعتمد عليها، وتابع مهدداً "نريد فقط أن يعلموا أن أهدافاً جديدة ستُكشف"، وقد فتح هذا التهديد باب تساؤلات عدة، ومنها هل لدى إيران القدرة فعلاً على استهداف هذه الكابلات؟ وماذا سيحصل إن استهدفت؟ وما هي بدائل المتضررين للتواصل افتراضياً؟
لم تعد التهديدات الإيرانية، إن بصورة مباشر أو عبر الحوثيين في اليمن، تقتصر على استهداف المنشآت العسكرية والنفطية، أو حتى المدنية من مطارات ومرافق عامة، بل توسعت خلال الأيام الماضية لتصل إلى حد التهديد مرة جديدة باستهداف كابلات الإنترنت البحرية، بخاصة تلك التي تقع في قاع البحر عند مضيق هرمز، فقد قال المتحدث باسم "الحرس الثوري" الإيراني حسين محبي، خلال مراسم في طهران أول من أمس الإثنين، إن "سبعة كابلات كبيرة تمر تحت الخليج العربي ومضيق هرمز"، زاعماً أن "كل البيانات الإنترنتية والتجارية في العالم" تعتمد عليها، وتابع مهدداً "نريد فقط أن يعلموا أن أهدافاً جديدة ستُكشف، وأسلحة جديدة ستُكشف، والنتيجة أننا سنكنس بقايا القوة الأميركية من المنطقة".
هذا التهديد فتح باب تساؤلات عدة، ومنها هل لدى إيران القدرة فعلاً على استهداف هذه الكابلات؟ وماذا سيحصل إن اُستهدفت؟ وما هي بدائل المتضررين للتواصل افتراضياً إن حصل الاستهداف؟
ما هي الكابلات البحرية الخاصة بالانترنت؟
وفق "الاتحاد الدولي للاتصالات" و"اللجنة الدولية لحماية الكابلات البحرية"، فإن الكابلات البحرية للإنترنت هي كابلات اتصالات تُمد في قاع البحار والمحيطات، وتُستخدم لنقل البيانات الرقمية والاتصالات الدولية بين الدول والقارات، عبر ألياف ضوئية تنقل المعلومات في صورة نبضات ضوئية.
وتعتمد هذه الكابلات على تقنية الألياف الضوئية، إذ تتحول الإشارات الكهربائية الحاملة للبيانات إلى إشارات ضوئية تنتقل عبر ألياف دقيقة مصنوعة من الزجاج، قبل تحويلها مجدداً إلى إشارات كهربائية عند أجهزة الاستقبال، وتتكون من ألياف ضوئية محاطة بطبقات عازلة وواقية، لحمايتها من الضغط والظروف البيئية والعوامل الخارجية في أعماق البحار، فيما قد يؤدي قطع كابل أو أكثر إلى تباطؤ الإنترنت، أو انقطاع بعض الخدمات في البلدان التي تعتمد على المسارات المتضررة.
أما لناحية أهميتها، فهي تشكل البنية التحتية الأساسية للاتصالات الدولية والإنترنت العالمي، إذ تنقل جزءاً من حركة البيانات العابرة للقارات، بما فيها الاتصالات والخدمات السحابية والتعاملات المالية والمحتوى الرقمي، لكنها في الوقت عينه ليست مصدر الإنترنت الأوحد حول العالم، بل هناك بدائل عدة، ومنها ما تشمل خدمات الأقمار الاصطناعية لدى "ستارلينك" و"يوتلسات" و"عربسات" ومشغلين آخرين، إضافة إلى بدء "أمازون" نشر أقمار منخفضة المدار، وفق بعض التقارير، لتبقى قدرة هذه المسارات على استيعاب حركة إضافية محدودة، بخاصة إذا تضررت كابلات عدة في منطقة واحدة.
كيف ستتأثر المنطقة إن حصل الاستهداف؟
يشرح الخبير في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، رولان أبي نجم، أن خدمة الإنترنت هي ما نسميه الشبكة العنكبوتية، أي "شبكة من الشبكات، وحتى يكون العالم كله متصلاً بعضه ببعض، يجب أن يكون الاتصال إما عبر الكوابل أو الأقمار الاصطناعية أو الشبكات اللاسلكية، وتابع "بطبيعة الحال تُعد الكوابل البحرية البنية الأساسية التي تربط القارات والدول بعضها ببعض، وتنقل كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بكل ما نستخدمه في حياتنا اليومية، من اتصالات وإنترنت وخدمات مصرفية واستشفائي، وبمعنى آخر فكل ما نستخدمه في حياتنا اليومية، ويحتاج إلى الإنترنت والاتصالات ونقل البيانات، يمر عبر هذه الكوابل البحرية، وجزء من هذه الكوابل البحرية يمر عبر مضيق هرمز".
وعن فرضية استهداف هذه الكابلات، يقول أبي نجم إنه في حال جرى استهداف هذه الكابلات، فمن المؤكد أن خدمة الإنترنت ستتأثر في العالم بالمطلق، وستتأثر المنطقة بصورة أكبر، خصوصاً الدول الصغيرة مثل الكويت والبحرين وقطر، التي ستتأثر بنسبة أكبر من دول مثل السعودية والإمارات، بسبب طبيعتها الجغرافية ومحدودية الكوابل المرتبطة بها.
لكنه أكد في الوقت عينه أن هذا الاستهداف، لو حصل، فإننا لن نشهد انقطاعاً نهائياً للإنترنت، بل سنشهد بطئاً شديداً جداً، وقد تتعطل بعض الخدمات، مثل الخدمات المصرفية وغيرها، وحتى مراكز البيانات وقواعد البيانات حول العالم ستتأثر بهذا الموضوع إلى حد معين، والسبب في ذلك أن حركة نقل البيانات ستتحول من الكابلات الموجودة في تلك المنطقة إلى كابلات أخرى، مما سيؤدي إلى ازدحام في حركة البيانات واختناق في الشبكة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"ستارلينك" البديل الأقوى؟
نسأله إن حصل هذا الاستهداف، فهل يصبح العالم رهينة إيلون ماسك وخدمة "ستارلينك"؟ ليجيب "حالياً تعد خدمات 'ستارلينك' للإنترنت الخيار الأبرز والأول بالنسبة إلى العالم، لكنه في الوقت نفسه ليس مؤهلاً لأن يكون البديل الوحيد ويعوّض كل شيء، فكل الدول مثل الكويت وحتى لبنان، اتجهت إلى 'ستارلينك' بوصفه خياراً احتياطياً في حال حصول انقطاع في الإنترنت".
ويشرح "بالتأكيد لن نصل إلى مرحلة يصبح فيها "ستارلينك" البديل الكامل لأسباب عدة، أبرزها أن الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية يخضع للعوامل الطبيعية والمناخية، فقد تؤثر العواصف والأمطار في منطقة معينة في جودة الاتصال، فضلاً عن أن هذه الخدمة ليست موثوقة بالقدر نفسه الذي تتمتع به الكوابل البحرية، ولا يمكن الاعتماد عليها بالطريقة ذاتها".
في المقابل، يضيف الخبير في الأمن السيبراني أنه إذا انقطعت الكوابل البحرية، فلا أحد يعرف كم من الوقت سيستغرق إصلاحها، خصوصاً أنه لا توجد شركة ستأتي لإصلاح الكوابل في ظل الحرب والظروف الأمنية القائمة، وهنا يكمن إشكال كبير جداً، وإضافة إلى ذلك فهناك شركات تقدم خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، لكن خدماتها محدودة جداً.
ويخلص "حالياً تبقى شركة 'ستارلينك' الخيار البديل الأبرز نسبياً، لكنها لن تتمكن من تغطية كل الحاجات، وبالتالي ستكون هناك خسائر ناجمة عن بطء الإنترنت ومشكلات الاتصال وغيرها، وقد تستفيد بعض الشركات التي تقدم خدمات بديلة من هذا الوضع، لكن حتى 'ستارلينك' ليس جاهزاً ليكون بديلاً كاملاً عن الكوابل البحرية".
أداة حرب رمادية
بدوره، يقول الخبير العسكري الجنرال فادي حداد، إن استهداف الكابلات البحرية أداة حرب رمادية، وليس سلاحاً حاسماً، وقيمته في الإرباك الاقتصادي والسياسي أكثر منه في الحسم العسكري، ويتوقف عند كلفة هذا الاستهداف المنخفضة وأثره الواسع، فيما يمكن إنكاره بسهولة لأن التمييز بين الحادثة والفعل المتعمد صعب، متوقفاً عند حدود الأثر عسكرياً، ويقول إن "النتيجة غالباً بطء وتدهور في خدمة الإنترنت وليس انقطاعاً كاملاً، لأن الحركة يعاد توجيهها عبر مسارات أخرى، فيما الإصلاح يستغرق أسابيع، ويعتمد على عدد محدود من سفن الصيانة، وهذا ما يجعل الأثر الاقتصادي أطول من الأثر التقني"، مؤكداً أن الاتصالات العسكرية والحكومية الحساسة لها عادة مسارات بديلة، ويبقى المتضرر الأكبر هو الاقتصاد المدني والمالي.
من ناحية ميدانية، يقول داوود إن هذا الاستهداف هو توسع من الحرب الحركية إلى حرب البنية التحتية الحيوية، وهو مجال لا توجد له قواعد اشتباك واضحة، لكنه لا يتغير ميزان القوى العسكري المباشر.
وتابع "إذا نُسب الفعل إلى جهة محددة، مثل إيران أو الحوثي، فإن تضرر دول وشركات كبرى يرفع احتمال الرد الدولي، ويوسع دائرة الأطراف الداخلة فيه".