Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفتنة نائمة... رجاء لا توقظوها!

الغريب في واقعنا هذا هو أن هذه الثقافة المرضية لم تتوقف عند العامة بل انتقلت إلى أوساط المثقفين والكتاب والجامعيين

بقراءة في منشورات المثقفين والعامة على حد سواء نكتشف أن المرأة في مجتمعاتنا تعيش تحت الرقابة منذ أن تبدأ خطواتها الأولى في الفضاء العمومي والعلم (بيكسلز)

ملخص

بمثل هذه الأحاديث الدموية العنيفة عن موضوعي المرأة والدين يبدو وكأن بعضهم يريد أن يوقظ الفتنة التي هي نائمة، محاولاً بوعي أو من دون وعي أن يعيد البلد للعشرية الدموية، حيث الأب يقتل ابنه والأخ يقتل أخته والعم يقتل زوجته...

إن الفتنة نائمة... رجاء لا توقظوها!

حين نتابع ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي من نقاشات بيزنطية هوجاء، نشعر بأن المثقفين العرب والمغاربيين وجدوا في هذا الفضاء الأرض الخصبة لإشعال نار الفتن وزرع الشقاق وتثمير ثقافة الكراهية، مع العلم أن هذا الاكتشاف العلمي التكنولوجي وُجد كوسيلة للتواصل والإخبار والنقاش الجاد المثمر بين البشر على هذا الكوكب.

هناك فرق ما بين حرية التعبير وحرية الرأي وحرية الخيال من جهة وزرع الفتنة من جهة أخرى، فحرية التعبير حق وحرية الدعوة إلى الفتنة جريمة. فإذا كانت ظاهرة ثقافة الشتم والسبّ والاعتداء اللفظي متفشية بوضوح في مجتمعاتنا العربية والمغاربية، وهذه حقيقة ملموسة، فمثل هذا السلوك المشين له أسبابه الاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية والأخلاقية.

حين نتأمل بعض خطابات الحقد والكراهية يبدو لنا الشخص الساب والشتام وكأنه يأكل لحم الشخص المشتوم حياً، وبكل لذة وسعادة.

والغريب في واقعنا هذا هو أن هذه الثقافة المرضية لم تتوقف عند العامة، بل انتقلت إلى أوساط المثقفين والكتاب والجامعيين حتى أصبحت شائعة ومرجعية لمنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي والتي يريدون منها إسكات صوت خصومهم الثقافيين والإبداعيين بالعنف والتهديد والتشويه.

والمؤسف، يوماً بعد يوم، يتراجع حضور الخطاب المعتدل الهادئ في الحوارات ليعوّض بخطاب يقوم على قاموس دموي أو غير أخلاقي مقزز.

وفي مثل هذه الأيام الثقافية العجفاء التي نعيشها، تساوى خطاب النخب الثقافية والأدبية بخطاب العامة جميعهم من أجل تكريس ثقافة الشتم والسبّ والدم التي تخرج من رحم مجتمع مريض سياسياً ودينياً وثقافياً، وفيه يتساوى قاموس الوقاحة والبذاءة المستعمل عند المثقف كما هو عند الأمي وعند الجاهل المتعلم.

لم يعُد المستوى الثقافي أو الجامعي دليلاً على التزام هذه الفئة التحفظ وانتقاء الكلمات، فكل الكلمات جائزة ومسموح بها شرط أن توسخ خصمك أكثر وأكثر.

إننا نسحب هذه الثقافة المريضة خلفنا وفينا منذ الصغر ولعشرات السنين، إذ يكبر الطفل منا في بلدان العالم العربي وشمال أفريقيا على خطاب العنف والدم في الأسرة وفي الشارع وفي المؤسسة التربوية أو المهنية، حتى ليبدو وكأنه من العاديات، فها أنت تسمع الأم تصرخ في وجه طفلها أو طفلتها في البيت كما في الشارع، قائلة "لو مسكتك لشربت دمك"! وتسمع الآخر يخاطب ابنه "لو فعلت كذا أو كذا لذبحتك فوق ركبتي من الوريد إلى الوريد"!

الذبح وشرب دم الطفل خطاب يومي عادي!!! من هنا تبدأ المصالحة مع ثقافة الدم.

تلك العبارات الدموية ربما تبدو لبعضهم عابرة، لكن الذي يتأملها ملياً سيجد أنها ستترسخ في اللاوعي وبصورة خطرة، وأمام ذلك يتحول معنى "الدم" ومعنى "الذبح" إلى عملية بسيطة تشبه النكتة أو اللعبة، وفي مثل هذا المقام تبدو فكرة إزهاق روح أو إنهاء حياة كائن حي شبيهة بشرب جرعة ماء باردة!!!

وفي ثقافة الدم والشتم والسب والقذف التي تكبر في "دِمَن" الكراهية يتم إلغاء عقل المواطن وتعطيله، ويهيمن الشعور بالتهور والتوحش الذي يتخذ للأسف شكل الفروسية والشجاعة والإقدام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وليس هناك سلوك دموي من دون خطاب دموي يسبقه ويحضر له.

وفي الدول المتقدمة لو يسمع أحد مثل هذه العبارات "أشرب دمك" أو "أذبحك على ركبتي" تُوجه إلى طفل أو كبير من قبل أحدهم، سيرفع فوراً دعوة قضائية ضد الشتام السباب وشارب الدماء، ويحاكم على هذا الخطاب ويعاقب على هذا الكلام الخطر، أما نحن، ففي أحسن الظروف، نبرر ذلك بالقول "لقد كان في حال غضب وصدر منه ذلك في لحظة لم يتحكم فيها في أعصابه"!! من دون إدانة الخطاب.

لقد كشفت المنشورات الكثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي في مجتمعاتنا العربية والمغاربية عن العدد المرعب لـ"المجانين" و"مرضى الأعصاب" وذوي العاهات النفسية المختلفة الذين يعيشون بيننا، والأدهى والأمرّ أن كثراً منهم يعملون أساتذة جامعيين وبعضهم يشتغل صحافياً وبعضهم الآخر يكتب كتباً في الرواية والشعر والقصة والمسرح...

لقد ساعدتنا وسائل التواصل الاجتماعي في ما ينشر عليها، منذ بداية الألفية الجديدة إلى الآن، في تحديد المواضيع التي يتجلى فيها بامتياز جنون الهلوسة الدموية للمثقفين العرب والمغاربيين، أي طبيعة تلك المواضيع التي يرتفع حولها منسوب العنف الدموي والشتم والسبّ والقذف والتهديد، وأول موضوع يحرك هلوسات المثقفين وجنونهم هو موضوع المرأة، فالمثقف العربي والشمال أفريقي مريض بقضية اسمها "المرأة"، وكأن المرأة هي سبب هزيمتنا العسكرية في فلسطين وسبب حروبنا في السودان وليبيا وسوريا واليمن وسبب فسادنا الاقتصادي المنتشر في جميع مؤسساتنا، وما يلاحظ، وبصورة جلية، هو نمو ثقافة الدم والتحرش والتنمر والاستعلاء والذكورة المخصية كلما جاء ذكر المرأة أو مسألة المساواة بين الرجل والمرأة.

بقراءة في منشورات المثقفين والعامة على حد سواء، نكتشف أن المرأة في مجتمعاتنا تعيش تحت الرقابة المستمرة منذ أن تبدأ خطواتها الأولى في الفضاء العمومي وخطواتها الأولى في القراءة والعلم والتحصيل، رقابة من قبل الأب والأخ والعم والجار وبقّال الحي وساعي البريد والمتقاعد الذي يلعب الورق في الساحة من طلوع الشمس إلى غروبها لا يقطعها إلا بحلول مواعيد الصلاة، فحول هذه "المرأة" تشكل قاموس ثري في القبح والرداءة وسوء الأخلاق وهتك الأعراض، فالخطاب في مثل هذه الحال يصادر من المرأة ملكيتها لجسدها وعقلها ولباسها وحقها في الخروج والدخول، ويحدث هذا في الواقع اليومي، وفي المدينة كما في القرية، وفي الأحياء الشعبية كما في الأحياء التي تسمى "راقية"، ويحدث هذا في الواقع كما يحدث على الافتراضي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

أما الموضوع الثاني الذي يتجلى فيه عنف دموي آخر أكثر حدة، فتُوزع بصورة يومية دعوات التحريض على القتل والتكفير والتهويد، فهو موضوع الدين، هذا الدين الذي أصبح الجميع حياله فقهاء ومفتين، سائق التاكسي والبقال والحلاق والمعلم والخضار وبائع الزلابية، الجميع يفتون في الصباح وفي المساء، في المشروب والأكل وطريقة المشي وطريقة النوم وطريقة اللبس... وإذا ما صدر عن أحد رأي مخالف للمفتين يتم على الفور رجمه على المباشر ومن دون رحمة، وترى الجميع يقذفونه بلغة بذيئة تارة وإرهابية تارة أخرى، ويكشف الجميع عن وجوههم الحقيقية وإذا نحن أمام عناصر مقنعة في تنظيم "داعش"، يطالبون بجزّ الرقبة وقطع الرؤوس، ويقولون ذلك بكل راحة بال ومن دون خوف أو رادع.

بمثل هذه الأحاديث الدموية العنيفة عن موضوعي المرأة والدين يبدو وكأن بعضهم يريد أن يوقظ الفتنة التي هي نائمة، محاولاً بوعي أو من دون وعي أن يعيد البلد للعشرية الدموية، حيث الأب يقتل ابنه والأخ يقتل أخته والعم يقتل زوجته...

إن الفتنة نائمة، رجاء لا توقظوها!

اقرأ المزيد

المزيد من آراء