Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأولويات الإيرانية بين الالتزام الأيديولوجي وشروط البقاء

تشهد المواقف الداخلية انقساماً واضحاً بين المتشددة والمتمسكة بخيار عدم تقديم أي تنازل أو عقد تسوية تتخلى فيها طهران عن بعض خطوطها الحمر

أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي (يمين) وقائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير (مواقع التواصل)

ملخص

هذه الأصوات لم تكن لتعود للإعلان عن موقفها بهذا الوضوح، في هذه المرحلة، لولا ما انتهت إليه الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، وما تعرضت له إيران من خسائر نتيجة الهجمات الإسرائيلية - الأميركية المشتركة وغير المسبوقة، في تاريخ الصراع بينهما، وبالتالي فهي تدعو قيادة النظام إلى إعادة النظر في هذه الإستراتيجية وهذه السياسات لإنقاذ إيران وإبعادها من دائرة الخطر والتهديد.

ما تكشفه المواقف الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين، المعنيين بملف المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية، بخاصة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، أو رئيس البرلمان ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف، عن أن جهود الوساطة التي تبذلها روسيا عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف، وباكستان عبر قائد الجيش الجنرال عاصم منير، اللذين زارا طهران على التوالي خلال الأيام الأخيرة، تتمحور حول محاولة إقناع طهران بالموافقة على تسوية تشبه التنازل، في ما يخص مسألة مخزونها من اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المئة.

السقف المرتفع الذي تمسك به رضائي خلال لقائه مع منير، وتأكيده أن بلاده ترفض إخراج ذرة واحدة من هذا المخزون، يحمل على الاعتقاد أن لافروف قد سمع موقفاً مشابهاً، وأن المسافة للوصول إلى نقطة وسط بين الموقفين الإيراني والأميركي لا تزال واسعة، وقد يكون من الصعب ملؤها أو سدها في المدة الباقية للانتخابات النصفية، وإمكان أن يدخل تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن ضربة قاصمة ضد إيران بعد الانتخابات، حيز التنفيذ.

قد يكون من الممكن اعتبار زيارة منير بأنها الفرصة الأخيرة قبل الوصول إلى طريق مسدود، وانحسار خيارات الاتفاق لمصلحة خيار المواجهة والتصعيد، وأن زيارة لافروف لا تخرج عن هذا التوصيف، باعتبار ما تحمله من مواقف وأبعاد ترتبط باحتمالات الحرب ومخارج الحل الممكن، والدور الذي قد تؤديه موسكو في هذا التوقيت الدقيق والحرج.

وفي ظل هذه التطورات، بدأت المواقف الداخلية الإيرانية تشهد انقساماً واضحاً، بين المواقف المتشددة والمتمسكة بخيار عدم تقديم أي تنازل، أو عقد تسوية تتخلى فيها طهران عن بعض شروطها وخطوطها الحمر، وبين مواقف تدعو إلى نوع من العقلانية والاعتبار من التاريخ، والواقعية في التعامل مع ملفات تسبب كثيراً من الخسائر والأزمات والصراعات لإيران، على مدى العقود الماضية، وهي مواقف تصدر عن جهات لا يمكن اعتبارها غير معنية بمستقبل إيران ومصالحها القومية والإقليمية، بخاصة أنها كانت  ولا تزال تعد نفسها داخلة بصورة كبيرة وأساسية في البحث عن مخارج وحلول، تبعد كأس الحرب المرة عن إيران وشعبها ومصالحها، واستقرار نظامها ووحدة أراضيها.

وإذا ما كانت هذه الأطراف لا تملك سوى خيار رفع الصوت أمام عجزها عن التأثير في القرارات المصيرية والإستراتيجية، لكنها في الواقع تشكل تعبيراً واضحاً عن عمق الجدل القائم داخل المشهد الإيراني، ورؤية كل طرف مسار التطورات وتداعياتها والمخاوف المترتبة على أي قرار أو خطوة، قد تعيد إيران لدائرة الحرب.

في هذا السياق، يمكن التوقف عند التصريحات والمواقف التي أطلقها وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، وتحدث فيها عن ضرورة تقديم تنازلات مؤلمة، من أجل الحفاظ على بقاء إيران، وإخراج وجودها واستمرارها من دائرة الخطر، واستذكاره "معاهدة تركمانشاي" بين إيران وروسيا القيصرية، التي وقعتها الدولة القاجارية قبل نحو قرنين، بعد وصول القوات الروسية إلى أبواب طهران، وتخلت فيها عن أجزاء من إيران التاريخية في القوقاز الجنوبي، وكان الهدف منها الحفاظ على إيران وليس التخلي عن أجزاء منها، أو خسارة أجزاء في مقابل الحفاظ على باقي الجسد، متماسكاً وموحداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كلام ظريف، على رغم موقفه السلبي التاريخي من الدور الروسي في أزمة إيران النووية، واتهامه داخلياً من التيار "المحافظ" بميوله الغربية، وترجيح التوجه نحو الغرب على حساب الشرق، فإنه يتقاطع بصورة  ما مع اقتراحات قد تكون في جعبة لافروف ومنير خلال زيارتهما إلى طهران، بخاصة في إشارته إلى ضرورة اتخاذ قرارات صعبة، والتخلي عن بعض الأشياء من أجل الهدف الأسمى المتمثل في بقاء إيران ونظامها، وإبعاد شبح الخطر عن البلاد وبقائها.

وعلى رغم تأكيد الجهات العسكرية المعنية بالمواجهة مع الولايات المتحدة، وإعلان استعدادها لرد واسع وكبير ضد أي هجوم قد يستهدف البنى التحتية والاقتصادية والنفطية الإيرانية، فإن المستوى السياسي المعني بالتفاوض والحوار مع واشنطن والمجتمع الدولي، يسعى جاهداً من أجل إيجاد معادلة منصفة لأية تسوية ممكنة ومحتملة مع الإدارة الأميركية، تبعد شبح الحرب المقبلة وتقطع الطريق على تصاعد الآثار السلبية للعقوبات والحصار الاقتصادي الذي فرضته واشنطن.

مؤشرات التسوية المحتملة، أو المخرج الذي يضمن لإيران تحقيق جزء من مطالبها، ويعطي الرئيس الأميركي الانجاز الذي يبحث عنه، بدأت من مواقف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش زيارته الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي، وكلامه عن استعداد إيران للتعامل الإيجابي مع أزمة اليورانيوم المخصب، وهو الحل الذي سبق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن اقترحه، وأكد فيه استعداد بلاده لاستضافة هذا المخزون، كمدخل لإعادة الحياة للحوار والتفاوض الإيراني - الأميركي، وإبعاد المنطقة عن دائرة حرب مفتوحة مع تداعياتها الدولية.

وبناء على هذه المؤشرات، يمكن الربط بين كلام ظريف عن تنازلات صعبة من أجل الاستمرار، وزيارة لافروف ومنير، وإمكان أن يكون الهدف تفعيل مقترح نقل مخزون اليورانيوم إلى روسيا، ضمن آليات يمكن التفاهم عليها ثنائياً أو بالاشتراك مع واشنطن، وأن هذه الخطوة قد تساعد في نزع فتيل الحرب التي يهدد بها الرئيس الأميركي، أي تسريع الانتقال إلى المرحلة الثانية الخاصة بالملف النووي، من خريطة الطريق التي سبق لظريف أن تحدث عنها، وأقرتها آليات مذكرة التفاهم بين الطرفين في إسلام آباد.

وإذا ما كان الملف النووي يشكل تحدياً وجودياً، وأزمة صدقية لمنظومة القرار في النظام الإيراني، وأن أي تنازل فيه يفتح الطريق أمام مسار واسع من التنازلات، فقد عاد للواجهة جدل قديم كان يجري خلف الكواليس، حول آلية التعاطي والتعامل الإيراني مع القضية الفلسطينية، وأن جزءاً من القوى السياسية الإصلاحية على وجه التحديد، تنظر إلى هذا الملف كأحد أسباب ووجه الصراع مع الولايات المتحدة، بخاصة أن الموقف الأيديولوجي للنظام يعلن بوضوح العداء لإسرائيل، ويتبنى أي مشروع مقاومة ضدها، وبالتالي فإن الاستمرار في تبني هذه الإستراتيجية، وأن تكون "قيصرياً أكثر من القيصر"، باتت تجلب على إيران كثيراً من الأضرار والخسائر والتبعات، من دون أية رؤية واضحة لمستقبل هذا العداء وأبعاده.

هذه الأصوات لم تكن لتعود لإعلان موقفها بهذا الوضوح خلال هذه المرحلة، لولا ما انتهت إليه الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، وما تعرضت له إيران من خسائر نتيجة الهجمات الإسرائيلية - الأميركية المشتركة، وغير المسبوقة في تاريخ الصراع بينهما، وبالتالي فهي تدعو قيادة النظام إلى إعادة النظر في هذه الإستراتيجية وهذه السياسات، لإنقاذ إيران وإبعادها من دائرة الخطر والتهديد.

المزيد من آراء