Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سوريون في بلدان عربية... حلم مقيم تحت خيمة

في لبنان ومصر والأردن يواجهون تبعات الأزمات المعيشية بعد 10 سنوات من اللجوء

أكثر من 180 ألف طفل سوري في لبنان لا يرتادون المدارس حالياً (أ ف ب)

خلال عشر سنوات، هي عمر الحرب السورية، نشأ جيل كامل من السوريين في الخارج. توزع أبناء البلد في دول الجوار والمهاجر، الأوروبية والأميركية، بأرقام مليونية.

وحمل السوريون في ترحلهم الصعب، أوجاعهم، وأحزانهم، وإحباطاتهم في موطنهم الذي طحنته الصراعات المسلحة، وكذلك نقلوا معهم أيضا خبراتهم، ومواهبهم، ورغبتهم في الحياة.

في التقرير التالي جولة على أوضاع السوريين في كل من لبنان، ومصر، والأردن، تعكس صورة عما يعانيه القاطنون في مخيمات اللجوء (لبنان والأردن)، وما استطاع أن يحققه الذين كان من حظهم الوصول إلى مصر.

 

الحكومة اللبنانية وضعت خطة لعودة النازحين إلى بلادهم

يستضيف لبنان زهاء مليون لاجئ سوري مسجل، أصبحت حياتهم أكثر بؤساً منذ بدء الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فالفقر يزيد بين اللاجئين السوريين في انعكاس للمعاناة التي تتفاقم بين جميع السكان الذين يشكل اللاجئون السوريون نحو 20 في المئة منهم.

في المقابل، بدأت تعلو بعض الأصوات تذمراً من الوجود السوري، انطلاقاً من عدم قدرة لبنان على استيعاب هذه الزيادة في أعداد المقيمين فيه، خصوصاً وأنه يعاني أصلاً نقص الخدمات، ويمر بأزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية. في المقابل، تدعو أصوات أخرى إلى إخراج هذا الملف من التجاذبات السياسية ومعالجته في سياقه الإنساني حصراً، داعين إلى عدم المغالاة في تحميل اللاجئين السوريين الأسباب المباشرة للأزمة التي يمر بها لبنان، إذ حملوا الحكومات اللبنانية المتعاقبة المسؤولية المباشرة في هذا الملف.

ووضعت الحكومة اللبنانية خطة لعودة النازحين السوريين إلى بلادهم بالتنسيق مع النظام في سوريا، في خطوة أيدها "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" الذي يقود منذ فترة حملة ضغوط كبيرة للدفع نحو هذا التوجه، فكُلفت لجنة وزارية لمتابعة هذا الملف، في ظل تحفظ دولي يرى أن حل هذه المسألة مرتبط بتسوية الأزمة السورية.

وتعرضت الخطة لسلسلة انتقادات من منظمات حقوقية وإنسانية، اعتبرت أن إعادة اللاجئين إلى سوريا من دون تأمين مظلة دولية برعاية الأمم المتحدة يعرض سلامتهم للخطر، واستشهدت تلك المنظمات بتقارير عن اعتقالات طالت عشرات السوريين الذين عادوا إلى بلادهم خلال الأعوام السابقة، ضمن برنامج إعادة النازحين الذي أشرف عليه الأمن العام اللبناني.

يذكر أن لبنان لم يوقع على اتفاق العام 1951 الخاص بوضع اللاجئين، وفضّل المسؤولون استخدام مصطلح "نازحين" بدلاً من "لاجئين" في معرض الحديث عن السوريين.

الفروع الأمنية

تشير مسؤولة العلاقات الإعلامية في "الرابطة السورية لكرامة المواطن" هيا الأتاسي، إلى أن معظم السوريين الذين نزحوا إلى لبنان يريدون العودة إلى بلادهم، إلا أن التخوف من الأجهزة الأمنية السورية والملاحقات أو حتى الاعتقالات التي ستطالهم بعد العودة هي العائق الأساس، وقالت إنه "بناء على دراسة أجرتها الرابطة توصلت إلى أن 76 في المئة من اللاجئين السوريين يعتقدون أن إصلاح المنظومة الأمنية في سوريا هو الشرط الأساس لعودتهم الطوعية".

ولفتت أن أكبر مشكلة يعانيها اللاجئون السوريون في لبنان، أنهم لا يتمتعون بوجود قانوني، والحكومة لم تعترف بوجودهم قانونياً، من دون حصولهم على صفة لاجئ أو صفة مقيم، بل استخدمت مصطلح "نازحين" للتملص من واجب الحماية القانونية لهم، فباتوا من الفئات الأكثر ضعفاً في لبنان.

احتلال القصير والقلمون

بدوره، يقول المدير التنفيذي لمركز وصول لحقوق الإنسان محمد حسن، "اللاجئون السوريون حول العالم هاربون لأسباب سياسية وليست اقتصادية، وهذا الأمر مرتبط بشكل أساس بوجود حكومة النظام السوري الحالية، ولن تكون هناك رؤية واضحة لمستقبل اللاجئين ما دام السبب الرئيس في لجوئهم مستمراً، وهو عدم توفر البيئة الآمنة والحياة الكريمة لهم".

ويضيف، "لا يمكننا إغفال ملف اللاجئين في لبنان ومسببات عدم عودتهم لسوريا، على الرغم من تعرضهم لأبشع الانتهاكات، مهددين بشكل دائم بالترحيل القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب، وتجريدهم من حقوقهم الأساسية، إلا أنهم يفضلون هذه الحياة المليئة بالصعوبات على فقدان حياتهم داخل سوريا"، مشدداً أن "حزب الله" اللبناني جزء لا يتجزأ من الحكومة اللبنانية التي لا تزال صامتة عن احتلاله المناطق الحدودية، وبالتالي "فإنه يمنع عودة اللاجئين إلى أراضيهم الأصلية في المناطق الحدودية لأهالي القصير والقلمون، والذين يشكلون عدداً غير مستهان به من اللاجئين".

الفقر المدقع

أظهرت دراسة أجرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن "الانكماش الاقتصادي والتضخم الحاد وتفشي وباء "كوفيد-19" وانفجار بيروت، دفع باللاجئين إلى حافة الهاوية"، وأن نسبة العائلات اللاجئة التي باتت تعيش تحت خط الفقر المدقع بلغت 89 في المئة في عام 2020 مقارنة مع 55 في المئة عام 2019، حيث بات متوسط الدخل للفرد 308.728 ليرة لبنانية للشخص الواحد شهرياً، أي ما يعادل 205 دولارات في عام 2019 في حين بات أقل من 30 دولاراً بعد انهيار سعر الصرف الليرة اللبنانية.

وأشارت إلى أن "تسعاً من أصل كل 10 أسر سورية لاجئة في لبنان تعيش حالياً في فقر مدقع"، وتعاني 50 في المئة من العائلات السورية انعدام الأمن الغذائي، مقارنة مع 28 في المئة في العام 2019.

انخفاض العدد

وفق مصادر في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن 90 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان يريدون العودة إلى بلدهم، إلا أن المفوضية والمنظمات الدولية لا تشجع عودتهم قبل ضمان آمن تحت رعاية الأمم المتحدة، وتشير إلى أنه نتيجة تراجع الإمكانات المالية لدى المفوضية وتداعيات الأزمة اللبنانية، انخفضت نسبة اللاجئين السوريين الذين يرزحون تحت خط الفقر من نحو 25 في المئة، لتتجاوز الـ 90 في المئة حالياً.

وتقدر مصادر المفوضية عدد اللاجئين السوريين في لبنان حالياً بأقل من 910 آلاف لاجئ، بعد ما وصل إلى ذروته بنحو 1.3 مليون في عام 2015. ولفتت أن "هناك نحو 19 ألفاً و985 لاجئاً غير سوري بين المسجلين لدى المفوضية، بينهم نحو 16 ألفاً و662 عراقياً. المفوضية لا تُميز أبداً بين اللاجئين ولا تعطي أحدهم الأفضلية، فننظر إلى اللاجئ كإنسان ونعمل معه على هذا الأساس".

"ريع" اللاجئين

وتشير دراسة نشرها مركز "مالكوم كير– كارنيغي" للدراسات في الشرق الأوسط، إلى أن لبنان سعى إلى الاستفادة من أزمة اللاجئين من خلال التماس مساعدات مالية أوروبية لمعالجة المشكلة، وهي مقاربة يسميها الخبراء "تحقيق الريع من اللاجئين"، وتعبّر عن موقف راسخ يركز على التبعية والاعتماد على الجهات الخارجية في إدارة الأزمات.

وأشارت الدراسة إلى أن الاتحاد الأوروبي من أبرز الجهات المانحة لدعم اللاجئين السوريين في لبنان، إذ قدم منذ العام 2011 مساعدات إنسانية تجاوزت قيمتها 2.3 مليار يورو، في حين تسعى بعض الأطراف السياسية اللبنانية إلى استغلال اللاجئين تمهيداً لتنسيق لبناني - سوري يرمي إلى ممارسة مزيد من الضغوط على المجتمع الدولي لتوفير التمويل، واستخدام ورقة عودة اللاجئين لرفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا.

ووفق الدراسة نفسها، فإن المصرف المركزي يسعى إلى الاستفادة من التمويل الخارجي المخصص لمساعدة اللاجئين، إذ طالب الجهات المانحة الدولية بالحد من تعاملاتها مع المصارف التجارية، وتحويل أموال المساعدات إلى مصرف لبنان فقط، الذي يتولى توزيعها على اللاجئين بالليرة اللبنانية، لزيادة احتياطات المصرف المركزي من العملات الأجنبية.

التسيب المدرسي

توضح دراسات لمنظمات دولية عدة أن أكثر من 50 في المئة من اللاجئين السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة و17 عاماً في لبنان، أو أكثر من 180 ألف طفل، لا يرتادون المدارس حالياً، مما يشكل تهديداً كبيراً حول مستقبل الأجيال الصاعدة، وإمكان انخراطها في تنظيمات متطرفة.

ووفق التقارير، قدّم المانحون الدوليون عام 2015 أكثر من 1.1 مليار دولار للبنان من أجل مساعدته في التعامل مع أزمة اللجوء السوري، منها 61.3 مليون دولار لوزارة التربية والتعليم العالي والمدارس الرسمية اللبنانية، و260.7 مليون دولار لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) التي تمرر هذه المساعدات إلى وزارة التربية والتعليم العالي، ومجموعة من المنظمات الأهلية الشريكة، لكن مع تدفق كل هذه المبالغ إلى البلاد لم تغطِ الخطة التربوية سوى 50 في المئة من الأطفال السوريين نتيجة سوء إدارة البرنامج.

 

 

السوريون في مصر جزء من الحياة والتناغم سمة التعايش

في المقابل، السوريون في مصر سمة في كل ركن من أركان المدن الكبرى وبعض المدن الصغرى. آلاف منهم قدموا إلى مصر في بداية اندلاع الأحداث قبل عقد، وآخرون وصلوا بعد تفاقم العنف، وغيرهم يحاول أن يبقى على الطريق بين مصر وسوريا، لكن واقع الحال يقول إن آلاف السوريين في مصر صاروا جزءاً من الحياة.

المطبخ السوري

محال المأكولات لم تعُد معلماً يتوافد عليه محبو المطبخ السوري من شرق القاهرة إلى غربها، أو من شمال الإسكندرية إلى جنوبها، فرائحة مناقيش الزعتر والفتة الشامية والمقلوبة الحلبية والفلافل الشامي والكنافة على الفحم، صارت تمتزج بعبق الفول والطعمية والمخبوزات والبسبوسة والمشويات المصرية في كل شارع.

لم تعُد كلمة "صاج" أو "منقوشة" أو "كبة" تثير الاستغراب أو تستوجب الشرح، فآلاف السوريين الذين تواتروا على مصر على مدى عقد من عمر الحرب في بلادهم، باتوا من أصحاب المشاريع الغذائية الناجحة جداً.

قائمة مشاريعهم في مصر كثيرة، وكل ما يتعلق بالأطعمة والعطارة والحلويات يتصدّر القائمة التي تتسع أيضاً لتضم تجارة المنسوجات والملابس والإضاءة وحرف السباكة والميكانيكا وإصلاح النوافذ وغيرها. غالبية الرجال يعملون، ونسبة من النساء يعملن، وعملهم غير الرسمي سمة، والتفاوتات بين نحو نصف مليون "مقيم" كبيرة وكثيرة.

وعلى الرغم من كثرة السوريين في مصر، إلا أن أحداً لا يلقبهم بـ "اللاجئين"، فهم "سوريون في مصر". وعلى الرغم من أن الغالبية لا تختلط اجتماعياً بالمصريين، إلا أن "التناغم" سمة التعايش، وأرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في مصر تشير إلى نحو 137 ألف سوري مسجلين في قوائمها، لكن عدد المقيمين لا يقل عن 250 ألفاً وربما يصل إلى 300 ألف، بحسب تأكيد القاهرة.

أعداد ضئيلة

هذه الأعداد تبدو ضئيلة مقارنة بشعور المصريين بالوجود السوري حولهم، لكن الأرقام لا تكذب. هذا "الشعور" يتخذ طابعاً عملياً يتمثل في إقبال أعداد متزايدة من المصريين على محال المأكولات السورية، إضافة إلى سمعة طيبة اكتسبها العامل السوري في مجالات الإصلاحات المنزلية، وعلى الرغم من ذلك فإن إقامة السوريين في مصر لم تخلُ من سُحب تسييس غائمة عكرت صفو التعايش، لكن سرعان ما عاد التناغم.

حكم الجماعة

إبان حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 2012 و2013، كان من الواضح أن الجماعة متضامنة قلباً وقالباً مع فكرة "القتال في سوريا"، بل ومباركة توجه بعض المصريين للمشاركة فيها لإنهاء الحكم، وهذا الميل السياسي أجج مشاعر المصريين من غير المؤيدين لجماعات الإسلام السياسي.

وهدأت الأمور، ومن ثم عاودت سحابة أخرى الظهور في عام 2019 تصب في الاتجاه السياسي ذاته، بعد إضافة توابل اقتصادية، فتلميح وتلويح بأن نشاط السوريين الاقتصادي وعملهم في مصر يؤثران سلباً في فرص المصريين، وهذه المرة، جاء الرد من قبل جموع من المصريين ممن دشنوا هاشتاغ "السوريين منورين مصر" وتفاعلوا معه.

قوة العمل

يشير أستاذ السياسات العامة ومدير مركز دراسات الهجرة واللاجئين في الجامعة الأميركية في القاهرة، إبراهيم عوض، في ورقة صدرت العام 2019 عنوانها، "اللاجئون السوريون في مصر"، إلى أن نسبة هؤلاء بحسب عدد سكان مصر تبلغ 0.0013 في المئة، أي أن واحداً من كل ألف من السكان في مصر سوري، وأنه حتى في حال تم حساب النسبة بناء على التقدير الذي ذهبت إليه السلطات المصرية وهو 300 ألف، فإن نسبتهم بحسب عدد السكان ستبلغ 0.003 أي أن ثلاثة من كل ألف ساكن من السوريين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح عوض أن قياس هذه النسبة في ضوء قوة العمل المصرية البالغ عددها 30 مليون شخص، يعني أن المشاركين السوريين في النشاط الاقتصادي يمثلون 0.001 أو 0.003 على أقصى تقدير، أي أن واحداً أو ثلاثة من كل ألف مشارك في سوق العمل المصرية سوري أو سوريون، مما يعني أن النسبة لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تؤثر سلباً في المصريين في سوق العمل.

سوق العمل ومجال السكن وأماكن الترفيه ومؤسسات التعليم وتفاصيل الحياة تبقى "بيئة مؤاتية" للسوريين في مصر، على حد وصف "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، التي تشير إلى أنه على الرغم من الإبقاء على شـروط تأشـيرة الدخول التـي فرضتهـا مصـر على السوريين في يوليو (تموز) 2013، إلا أن أعداداً كبيرة منهم لا تزال تدخل البلاد بطرق عدة، أبرزها تيسيرات "لمّ شمل الأسرة"، إضافة إلى سماح القاهرة لهم ولطالبي اللجوء بتسوية أوضاعهم، وتمنحهم تصاريح إقامة تمتد صلاحيتها ستة أشهر قابلة للتجديد. وعلى الرغم من الإجراءات الروتينية والورقية الطويلة والصعبة، إلا أنها تظل مشكلات في حدود المعقول.

المقيمون السوريون

من جهة أخرى، فإن المقيمين السوريين لهم الحق في تسجيل صغارهم بالمدارس الحكومية المصرية، والحصول على الخدمات الصحية ذاتها التي يحصل عليها المصريون، إضافة إلى التمتع بأشكال الدعم المختلفة المتاحة في المواصلات والغذاء، حتى وإن كانت ضئيلة.

ضآلة إمكان العودة حالياً تبدو واضحة من إجابات عدد كبير من السوريين والسوريات، الذين سُئلوا عن حلم العودة بعد عقد من الأحداث الدامية في بلادهم، فأجمعت الغالبية على أن العودة إلى الاستقرار في سوريا بالغة الصعوبة حالياً، والسمة العامة بين الجميع هي رفض يشوبه خوف من الخوض في أي حديث ودي يتطرق إلى السياسة.

الأسباب المذكورة لم تخرج عن إطار الحرص على سلامة أفراد الأسرة، لا سيما النساء والأطفال، وصعوبة وضبابية الوضع الاقتصادي الحالي، والبعض تحدث عن نية الاستقرار في مصر، لا سيما أولئك الذين نجحت مشاريعهم الصغيرة وتوسّعت، فيما أشار آخرون إلى تقسيم العام بين مصر وسوريا، لكن حين تستقر الأوضاع هناك.

سيعودون ولكن!

يقول أنس عبد الله (34 سنة) إنه سيعود إلى سوريا وحده في أول فرصة متاحة، ليطلع بنفسه على الأوضاع قبل أن يقرر إعادة زوجته وأبنائه أو بقاء الأسرة عاماً أو عامين إضافيين.

وعلى الرغم من أن محل الحلويات الذي بدأه بصينية كنافة نابلسية في الشارع أصبح عدداً من المحال، إلا أنه يؤكد أنه سيعود إلى بلده يوماً ما، أو هكذا يتمنى.

ويأمل مهند فارس (30 سنة) في أن يصل إلى معادلة تمكنه من أن يتخذ من حلب والقاهرة مقرين له. ويضيف، "أحببت القاهرة وقلبي في حلب، ولو استطعت الجمع بينهما، فهذا غاية المنى، لكن هذا باعتبار ما سيكون في المستقبل. الوضع حالياً لم يتضح بعد".

وضع آخر لم تتضح كل معالمه بعد بالنسبة إلى السوريين في مصر، وذلك فيما يختص باللقاح المضاد لـ "كوفيد-19"، فالمتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، وصف الحملة التي بدأتها مصر للتلقيح ضد المرض بـ "الضخمة".

وأشار إلى أن الأمم المتحدة تعمل مع القاهرة لتضمين اللاجئين والمهاجرين في خطط التطعيم، كما أن وزيرة الصحة والسكان المصرية هالة زايد أوضحت أكثر من مرة أن اللاجئين في مصر ضمن الفئات التي ستحصل على اللقاح.

وبين الحصول على اللقاح والعثور على فرصة عمل والتعايش مع المصاعب الاقتصادية وخوض غمار التعليم ومحاولات إصلاحه والحصول على الرعاية الصحية والحياة رغم أنف كورونا، يظل السوريون في مصر قصة مختلفة عن غيرها من قصص الهرب السوري من صراع مميت دخل عامه العاشر.

 

 

عناء يومي لجيل كامل من اللاجئين السوريين في الأردن

من جهة ثانية، نشأ في الأردن جيل كامل من السوريين الذين لا يعرفون عن بلادهم شيئاً سوى ما يذكره الآباء أو تعرضه وسائل الإعلام.

وما بين حلم العودة وصعوبة الحياة وتراجع المساعدات الدولية، انضم وباء كورونا إلى قائمة التحديات التي تواجه هؤلاء اللاجئين وتحيل حياتهم إلى عناء يومي.

تتحدث الحكومة الأردنية عن وجود 1.3 مليون لاجئ سوري، نصفهم غير مسجلين لدى مفوضية اللاجئين، بينما تشير الأرقام والإحصاءات الرسمية للأمم المتحدة إلى وجود نحو 700 ألف لاجئ سوري على أرض المملكة التي تعد ثاني أكبر مضيف للاجئين في العالم.

ويعيش نحو 20 في المئة من هؤلاء اللاجئين في المخيمات، بينما تتوزع الأكثرية ما بين العاصمة عمّان وباقي المدن الأردنية، ونحو أكثر من نصفهم من البالغين، بينما لا يزيد عدد كبار السن على خمسة في المئة.

كورونا يفاقم المعاناة

وشكّل اللجوء السوري في الأردن ضغطاً على البنية التحتية التي تعاني ندرة المياه وضعف مرافق الصرف الصحي. ومع ظهور وباء كورونا في البلاد زادت معاناة اللاجئين، بخاصة أولئك القاطنون في المخيمات، حيث تزايدت أعداد الأسر التي لا تحصل على حصص كافية من الغذاء، بشكل ضاعف معه عدد من يعانون الأمن الغذائي.

ووفقاً لتقديرات رسمية، فإن الأردن يحتاج إلى ما يزيد على 1.6 مليار دولار في 2021 لمواجهة أعباء اللجوء السوري، في حين لم يزد التمويل الدولي على 49 في المئة من المبلغ المطلوب.

وتفيد السلطات بأنها تحتاج إلى 55 مليون دولار لمواجهة تفشي فيروس كورونا بين اللاجئين السوريين. وتشير أحدث الأرقام إلى إصابة 2554 لاجئاً سورياً بالفيروس، وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

تحديات

في المقابل، يضع مراقبون الحاجات الإنسانية على رأس قائمة التحديات التي تواجه اللاجئين السوريين في الأردن اليوم، بخاصة مع تطلع الأردنيين للتعافي من آثار جائحة كورونا. وتشير التقديرات إلى أن 80 في المئة من اللاجئين تحت خط الفقر.

وتقول الأمم المتحدة إنها ستكون غير قادرة على توفير الدعم لـ 200 ألف لاجئ في أبريل (نيسان) المقبل، و100 ألف آخرين في يونيو (حزيران)، ويأتي ذلك وسط إشكال نقص في التمويل تعانيه "يونيسف"، والتي يصل عجزها إلى 9 ملايين دولار، بينما تبلغ الكلفة السنوية 13 مليون دولار.

ووفقاً لدراسة صادرة عن المجلس النرويجي للاجئين، فإن وضع النازحين السوريين في المنطقة بات اليوم أسوأ من أي وقت مضى، حيث يواصل عدد كبير منهم في الأردن حياتهم من دون إقامة قانونية، ولا يملك عشرات الآلاف منهم أية وسيلة لجعل وضعهم شرعياً، مما يجعلهم غير قادرين على الوصول إلى الخدمات الأساسية، أو الحصول على تصاريح عمل، فضلاً عن تعرضهم بشكل مستمر للتهديد بالاعتقال والإعادة القسرية إلى بلادهم.

وإلى جانب ذلك، تبرز معضلة فقدان 75 في المئة من اللاجئين السوريين في الأردن لجوازات سفرهم أو وثائقهم التي تخولهم السفر أو إثبات ملكيتهم في سوريا.

التعليم والتسرب

ويشكل التعليم والعملية التربوية والناحية النفسية جانياً مهماً من حاجات اللاجئين الأطفال والشباب الذين يقارب عددهم نحو 50 في المئة من إجمالي عدد اللاجئين، ومن أبرز الظواهر المرتبطة بهذه الفئة سحب الأطفال من المدرسة للعمل واللجوء إلى الزواج المبكر.

ويتلقى الطلاب في مخيمات اللاجئين ساعات تدريس أقل، ومن قبل معلمين أقل كفاءة، وبسبب هذه البيئة التعليمية غير المشجعة، فإن معدلات التسرب من المدرسة للطلاب السوريين أعلى بكثير من معدلات الأردنيين.

العودة طوعاً

بدورها، تشكو السلطات الأردنية من عدم رغبة أغلب اللاجئين السوريين في العودة لبلادهم طوعاً، وهو ملف تتعامل معه عمّان بمرونة وإنسانية عاليتين، في وقت لا تتخذ السلطات السورية إجراءات من شأنها تشجيعهم على العودة.

وتشير الأرقام التي ترصد عودة اللاجئين السوريين من الأردن إلى تخوف كثيرين من العودة إلى بلادهم لأسباب عدة، منها الخوف من الاعتقال والتجنيد الإجباري في الجيش، ويقتصر الأمر في كثير من الأحيان على عودة كبار السن والأطفال والنساء وحسب.