Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تظن فعلا أنك تعرف مدينة الرياض؟

تحولت بقعة طينية وسط الصحراء إلى حاضرة تفوق في مساحتها مدناً ضاربة في القدم كلندن وباريس مجتمعتين

تفقد المدن قيمتها عندما تفقد قصتها، لأنها بذلك تخسر قدرتها على إبهار الزائرين، الرياض المدينة الكبيرة الصاخبة، والخجولة في نفس الوقت، لا تحكي سرها بسهولة، ولا تعتاد على زائريها كما تفعل مدن أخرى، إذ يتطلب الأمر أن تغطس في بئرها العميق حتى تجد فيها ما يستحق الزيارة، وتتعامل معها كمدينة يمكن أن تكون على خريطة رحلتك السياحية.

الحالة الصدامية في شخصية المدينة تعود جذورها إلى أيامها الأولى، عندما قرر بناؤو الرياض الحديثة أنهم بحاجة إلى عاصمة أكثر حداثة تليق بمكانة الدولة الصاعدة على أكتاف تدفق الذهب الأسود منتصف القرن الماضي. لم يكن النفط هو المستجد الوحيد على وجهها الصحراوي، إذ تسارع بجوار ذلك تصاعد دورها ومكانتها في محيطها الإقليمي والعربي وحتى على الصعيد الدولي، الأمر الذي عجّل بضرورة إنهاء رحلة البناء في أسرع وقت ممكن.

الرغبة في مواكبة الدور السياسي الجديد بعاصمة سياسية عصرية، وضع رحلة التنمية في المدينة تحت ضغط عامل الوقت، هذا الضغط الذي يجعل النظر إلى القيم الثقافية المادية ترفاً، لا يجب الاكتراث به كثيراً إلى حين الانتهاء من أولوية مواكبة الاستحقاق التاريخي، وهو ما كان في تجربة بناء العاصمة السعودية خلال السنوات الخمسين الماضية.

لا يمكن التقليل من تجربة الرياض كمنجز عمراني وحضري، إذ تم تحويل بقعة جغرافية طينية وسط الصحراء إلى مدينة تفوق في مساحتها مدناً ضاربة في القدم كلندن وباريس مجتمعتين، ببنية تحتية متقدمة ومبانٍ وأسواق عصرية ومتجددة، لكنها في هذه الرحلة أخذت الطريقة المعتادة في التوسع السريع بالسير نحو الشمال.

إدارة الظهر للمركز

غالباً ما تتجه المدن ذات التمدد السريع شمالاً، لسبب غير مفهوم إلا أنها تختار الشمال على بقية الاتجاهات، إلا أن المشكلة ليس في الاتجاه بل في طريقته، فالتمدد بهذه الطريقة العمودية لا يعطي اعتباراً للمركز الذي يمثل غالباً مركز الثقل الثقافي والتاريخي والسياحي أيضاً لدى الدول التي تستثمر في تراثها المادي، كما هي الحال بالنسبة إلى الحالة السعودية الحالية التي باتت تعطي اهتماماً خاصاً للقيمة السياحية التاريخية في الرحلة الاقتصادية القائمة.

والسبب في هذا هو أن احتواء الموروث التاريخي المادي في حركة المعاصرة، يتطلب احتواءه داخل النطاق العمراني، ما يعني أن يكون مركزاً للتمدد لا جنوباً له.

إذ يقوم التوسع الهادئ على جعل المدينة القديمة مركزاً لتمدده الدائري حولها في رحلته للتوسع في كل الاتجاهات، لكن هذا لم يحصل في تجربة الرياض، ويفسر الباحثون في التنمية الحضرية ذلك بكونه النموذج المناسب للمشاريع التي لا تملك ترف الوقت، إذ تبحث عن المناطق الأكثر خلاءً، والأقل حاجةً للهدم أو الإصلاح لبدء رحلة من الصفر يبنى فيها كل شيء على أساس عصري.

مشكلة هذا النموذج أنه يدير الظهر للمنطقة التاريخية ويحولها من مركز المدينة إلى جنوبها المهمل، وهو ما بات جلياً في حالة مركز العاصمة السعودية، الذي لا يحضر في الذاكرة الاجتماعية أو في نزهة أهلها، فلو سألت أحداً من الجيل الذي نضج في هذه المدينة التي تبلغ مساحتها قرابة  2000 كيلومتر مربع عن مركز المدينة بالنسبة إليه، فسيشير فوراً إلى منطقة ذات أبراج زجاجية، ومقاه عصرية ودور سينما، تقع في أقصى شمال المدينة المكتظة.

في حين أن الفوطة والشميسي والمربع والديرة والمعيقلية وابن سويلم والزل والهدم والثميري وشارع الخزان وابن قاسم، لا تعدو كونها مناطق ترد صدفة في أحاديث كبار السن المملة في مجالس لا يحبذ الشباب قضاء وقت كبير فيها، على الرغم من أن كل ما ذكر سابقاً كان تحت رعاية خطط التنمية الثقافية التي رعتها حكومة العاصمة في العقدين الماضيين.

فإن كنت تظن فعلاً أنك تعرف العاصمة في حين لم تزر تلك المناطق الشعبية التي ورد اسمها أعلاه، فعليك أن تكمل القراءة حتى نهاية الصفحة.

الزل والهدم والمشالح

قد تكون المقدمة التي سبقت لا تجيب عن السؤال المطروح في بداية القصة، لكن الجانب التاريخي مهم لصنع سياق يمكن من خلاله فهم المدينة التي نحن بصدد التجول فيها.

لا يمكن بسهولة تحديد نقطة جغرافية لبدء الرحلة في "داون تاون" العاصمة الحقيقي، لكن يمكن البدء من حيث بدأ السعوديون اكتشاف مدينتهم بعد أن حرمهم فيروس كورونا وقيود السفر التي تلته من الهروب إلى الخارج في الإجازة، ليبدأوا بالتفتيش عن شيء في مدينتهم يشبه تقسيم إسطنبول، أو بيكاديلي لندن أو شانزليزيه باريس، من حيث مركزيته.

وإن كان سوق الزل لا يشبه ما ذكر سابقاً في بدائيته المعمارية، إلا أن هذه البدائية تشكل قيمته الحقيقية في مدينة كساها الزجاج من كل جنباتها، بخاصة أنه يمتد إلى قرون سابقة لم تتطرق كل المصادر الأجنبية أو العربية قديمها وحديثها عن تاريخ محدد لبدايته، فعلى الرغم مما حظيت به الرياض من تدوين في كتب المؤرخين، إلا أن من مروا بها كانوا شحيحين في توثيق تاريخها، لكن الأكيد هو أن السوق الذي تقلد أسماء كثيرة من بينها سوق الهدم والزل، أو سوق الزل والبشوت فيما بعد، قد وضع أول أساساته باسم "السوق الكبير" قبل أن تحمل العاصمة اسم "الرياض"، الأمر الذي يعود بنا إلى الروايات التي رجحت بدايته في 1744 ميلادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما حول اختيار المكان فيعود إلى التخطيط العربي والإسلامي القديم، بحسب الباحث ناصر بن حجيلان، في دراسة أنثروبولوجية نشرتها جامعة الإمام، إذ يقول "يقع سوق الهدم والزل في موقعه لمجاورة المكان للمسجد الكبير (جامع الإمام تركي بن عبدالله)، وكذلك وجود قصر الحكم التاريخي إلى الجنوب من السوق، بالتالي فإن السوق وفقاً للتخطيط العمراني في الدول العربية والإسلامية قديماً، يأتي في الوسط في ما بين القوتين السياسية والدينية"، إذ كانت السلطتان العاطفية والصلبة تشكلان قلب المدن التي تجذب ثالث السلطات "الاقتصادية" إليها.

القصر والجامع

ويستمد السوق ذو العمر المجهول قيمته من المركزين المحيطين، وإن كان تاريخهما غير محسوم، إلا أن المصادر التاريخية مدت عمر المسجد الجامع (مسجد تركي بن عبدالله) إلى 1662، فقد استعرض ذات البحث وثيقة كتبها الشيخ زامل بن موسى بن زامل اليزيدي، قاضي بلدة مقرن (الرياض سابقاً)، التي كانت تضم منطقة قصر الحكم وحي الظهيرة وحي الشميسي الموجودة حتى الآن، أشار فيها بخط يده أنه "فرغ من نسخ أحد الكتب الفقهية بعد صلاة العصر في مسجد مقرن الجامع في نجد، يوم الثلاثاء 18 من ذي الحجة 1073 للهجرة".

ورجح الباحث أن المقصود بمسجد مقرن هو المسجد المشار إليه بجوار قصر الحكم الآن، ويعود ذلك إلى أن هذا الجامع تعود إمامته منذ قرون إلى كبار العلماء ممن عملوا في القضاء والإفتاء، الذين ينتسبون لعدد من الأسر العلمية منهم آل زامل التي يعود إليها الإمام المذكور في الوثيقة، قبل أن يتغير ذلك بعد دخولها في الحكم السعودي وتتوسع قاعدة الإمامة فيها.

 

أما القصر الذي كان يحد السوق جنوباً فالمؤكد أن بناءه يعود إلى فترة حكم دهام بن دواس للرياض، فأول إشارة لذكره كانت عن المؤرخ ابن بشر سنة 1748 ميلادية، وهو ما يؤكده المؤرخ السعودي الشهير حمد الجاسر، عندما قال إن "بناء الحصون وتشييد القصر والسور كان عندما استعرت الحرب بين ابن دواس وحكام الدولة السعودية الأولى في 1748".

أما السوق كتاريخ مستقل فلم يرد إلا بعد هذا التاريخ بقرن تقريباً، عبر ما دونه الرحالة الإنجليزي ويليام بلغريف في 1862، في فترة الدولة السعودية الثانية في عهد الإمام فيصل بن تركي، ووصف السوق قائلاً "إنه عبارة عن فضاء واسع، في جانبه الأيمن عدد من الدكاكين والمستودعات، وفي الجانب الأيسر المقابل المسكن الضخم لملك نجد، وأمامهم الممر الطويل القائم على صف من الأعمدة العالية يمر في وسط الساحة رابطاً بين القصر والمسجد الجامع"، ومن خلال وصف بلغريف يمكن للعارف بالموقع الآن أن يدرك بأن السوق كان ما يسمى الآن بـ"ساحة الصفاة" التي تتوسط المساحة الفارغة بين قصر الحكم وجامع الإمام تركي، الأمر الذي يقودنا إلى التغييرات التي طالت السوق.

أول انتقال للسوق

كانت رحلة النقيب وليم شكسبير الشهيرة إلى الرياض في 1914 وثيقة مهمة في دراسة تغير السوق، إذ أكد الإنجليزي من خلال الصور التي نقلها، والمقارنات التي عملها مع ما نشره سلفه بلغريف، أن السوق حتى فترة الملك السعودي المؤسس عبدالعزيز آل سعود، لم يطرأ عليه تغيير طيلة القرون التي تتوسط الرحلتين.

بل وقدم شكسبير مخططاً للسوق الذي كان يشغل الفضاء بين الجامع والقصر بأكمله، فقد كان مدخل السوق بحسب المخطط شمالاً، من مساحة شرق المسجد الذي يغطي معظم الجهة الشمالية للسوق، فيما يغطي شارع رئيس الجهة الغربية، يوازيها جهة الشرق فضاء حتى قصر المصمك، في حين يحتل القصر الجهة الجنوبية كاملة.

وكان السوق يبدأ جنوباً بما كان يدعى حينها "سوق الحريم"، المتخصص في بيع المستلزمات النسائية، إذ لم يكن معتاداً اختلاط ملابس الجنسين في السوق، ثم يليها كلما اتجهنا شمالاً سوق الصيارفة المتخصصين في صرف العملات، ثم الأسلحة وصولاً إلى المشالح والبشوت والأسلحة وبقية المستلزمات الرجالية، في حين كان "الزل" (السجاد) يباع في الجهة الشرقية.

ولم تحدد المراجع تاريخاً محدداً لتحول المكان المذكور إلى "ساحة الصفاة" كما هي عليه الآن على الرغم من حداثة التغيير، إلا أنا أغلب المراجع ترجح استمراره إلى وفاة الملك عبدالعزيز وبداية فترة الملك سعود في الخمسينيات، حين زحف السوق شرق الجامع، وما يدعم هذه الرواية هو ما ذكره المؤرخ السعودي عبدالرحمن الرويشد، أن "شارعاً جديداً استحدث في المنطقة سمي شارع (بورسعيد)، وهو ما يؤكد أن إعادة هندسة المكان حصلت فترة العدوان الثلاثي على مصر"، وغير اسمه في ما بعد إلى شارع أحمد بن حنبل المعروف الآن.

وكانت أنشطة السوق متعددة بحسب الرويشد، إذ أورد أن السوق كان فيه ما يقارب الـ 188 دكاناً، تنوعت بين محال لبيع البشوت (العباءات الرجالية) التي شكلت غالبية السوق بـ45 دكاناً، تليها محال العود بـ 41 دكاناً، ومحال لبيع الملابس الرجالية، والمجالس التراثية، والعقل والأسلحة، والشالات الكشميرية، والأحذية ودكاكين الصرافة، والنحاسيات، والقهوة، والعسل، ومكائن الخياطة، ولوازم الرحلات، وملابس العرضة.

شكل السوق اليوم

الانتقال الكبير الثاني كان قبل نصف قرن تقريباً، فبحسب أبوأحمد، أحد الذين باعوا في السوق منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، فإن السوق انتقل قبل قرابة 30 عاماً إلى موقعه الحالي خلف القصر، بعد أن تمت توسعة القصر والجامع وإحالة مكان السوق بينهما إلى ساحة.

الجهة الغربية لساحة الصفاة تحدها ثلاثة أسواق رئيسة، لا بد أن تكون في خطة الجولة إذا ما قررت زيارة المكان، أولها سوق المعيقلية بمبانيه الثلاثة، تتنوع منتجات دكاكينه إلا أنه سوق مهم بالنسبة إلى أولئك الذين يبحثون عن أقمشة لثيابهم، إذ يعد السوق الأول للأقمشة بشكل عام، ولأقمشة الثياب الرجالية بشكل خاص.

 

بجواره سوق التعمير، الذي لا يختلف في نشاطه عن المستلزمات الرجالية، إلا أنه يحتوي على عدد من أسواق البيع بالجملة، لذلك يعرف لدى أصحاب المحلات في مناطق الرياض المختلفة بـ"سوق الجملة" التي تزود رفوف العاصمة بالمنتجات والسلع.

أما سوق الديرة الشهير فهو بمحاذاة القصر، إذ إن المدخل الرئيس لأمير الرياض الذي يتخذ من "قصر الحكم" مقراً لعمله اليومي يخترق السوق من منتصفه، ولا يختلف السوق في منتجاته عن بقية الأسواق الشعبية إلا في أنه توقف عند أواخر التسعينيات الميلادية، إذ يحرص على عدم تجديد رفوفه واحتفاظه بالمنتجات الغذائية والحلوى التي لا يمكن أن تجدها في أي سوق عصري آخر في العاصمة.

استدارة على القصر

وإذا ما كان سوق الديرة يسند قصر الإمارة من الجهة الغربية، فعليك أن تستدير نصف استدارة على القصر لتصل إلى الجهة الثانية حيث يوجد سوق الزل التاريخي الذي أوردناه ضمن تسلسل زمني لأهميته وامتداده عبر الزمن.

هذه الالتفافة ستعيدنا إلى ساحة الصفاة، التي تتوسط المساحة الخلاء بين القصر والجامع، إذ يحرص زوار المكان على التقاط صور للجامع ذي التصميم الهندسي المشابه لبيئة المكان.

وما أن تتجاوز الساحة سيلاقيك "الزل" في الجهة اليمنى، حيث تتركز أسواق البشوت "العباءات الرجالية" وبخور العود، والسجادات المحلية المصنوعة من السدو، وأيضاً المستوردة من إيران وآسيا الوسطى باهظة الثمن.

إلا أن النقطة الأهم والتجمع الرئيس بالنسبة إلى رواد السوق هو "الحراج"، المنطقة الغربية من السوق بمحاذاة بوابة القصر الكبيرة التي يحرسها الحمَام، حيث يقام حراج "الأنتيك" والأسلحة كل يوم جمعة، الذي ينطلق بعد صلاة الجمعة حتى غروب الشمس.

من اعتاد على زيارة المكان لن تتغير عليه الوجوه، فالكراسي البلاستيكية التي تحيط بحلقات المزادات الثلاثة، المخصصة لـ"شيوخ الحراج" صارت تحفظ دفء جالسيها، إذ يرتاد المسنون ذاتهم المكان كجزء من نشاط نهاية الأسبوع بالنسبة إلى جيل يعيش عقده السادس.

يتوسط دائرة الكراسي "دلّال" يتولى مهمة الترويج للبضاعة التي يحضرها ملّاكها إليه على المحيطين بالحلقة، مقابل نسبة يحصلها له "المقيّد"، وهو أكثر أركان السوق موثوقية، يرتضيه الباعة والزبائن ليتولى تقييد ما تم بيعه واسم من أغلق عليه المزاد وقيمة الصفقة، ليقوم بتحصيلها نهاية اليوم ويعطي المالك والدلّال حصتهم من الصفقة، ثم يأخذ هو حصته.

يقول أبوعبدالله، وهو أحد المقيّدين المشهورين في السوق، أن لا أحد يتهرب من الدفع، هذه قيم السوق التي يحافظ عليها الزوار "من يزايد في الحراج ويكسب الصفقة يلتزم دائماً، وضعت كرسيي بجوار جهاز صرف آلي، يحرص البنك على ملئه بالنقود مساء الخميس حتى يكون متاحاً في حراج الجمعة، وبمجرد أن تغلق الصفقة يصرف الزبون قيمة ما اشتراه ويسلمه لي هنا". ويضيف حول سلاسة إتمام الصفقات "لم أسجل حالة تهرب فهذا سوق للرجال"، وهذا مسار آخر للحديث، إذ تكرر وصف "سوق الرجال" على لسان أكثر من بائع في المكان، إذ يعدُّون ما يباع في السوق من عود وبشوت وثياب وأسلحة محددات لزواره "الرجال"، فلا يستوعب المكان من هو أقل من هذا الوصف في جانبه المعنوي وليس الجندري.

أحد الوجوه المعتادة التي يعرفها مرتادو المكان، هو من يعرفه رفاقه بـ "الشبح"، وهو "دلّال" يتنادى أهل السوق إلى الحضور في اليوم الذي يتولى فيه قيادة الحراج، فبلهجته النجدية الممزوجة باللكنة العربية المكسّرة للجالية الأفريقية، يقدم الرجل الشهير عرضاً مسرحياً أثناء الصياح بالرقم الذي وصل إليه المزاد، ما يجعل كل ملاك الأنتيك والأسلحة القديمة يتسابقون لعرض بضائعهم على طاولته.

 

الطلب العالي على "الشبح" يجعل القدرة على الحديث معه أمراً شبه مستحيل، لذا ارتدنا الطاولة المجاورة له، حيث يجلس عدد من أعيان السوق، تطوف عليهم أباريق الشاي المر المحلاة بالبسكويت، لنسألهم عنه، فقال أحدهم "البيع والشراء في الأنتيك والقطع القديمة مغامرة، لذلك من يجرؤ على أخذ هذه المخاطرة يستحق أن يتخذ لقباً"، كما هي حال رفيقهم الشبح، الذي يعدونه نجماً سينمائياً كما أعده أنا نجماً مسرحياً، إذ يقول "سبق لهذا الدلّال أن مثّل في أعمال سينمائية وأخرى تلفزيونية سعودية على قناة أم بي سي"، وبالنظر إلى اللقطات التي عرضوها علي فقد لعب دوراً جانبياً في مسلسل محدود الانتشار، لكنه كان بالنسبة إليهم نجوميةً مطلقة.

وأضاف "السوق في الأشهر الأخيرة (أشهر حظر السفر) باتت ترتاده الأجيال الشابة، عكس السابق الذي كان يرتاده كبار السن وبعض السائحين الأجانب"، وحول تأثير ذلك على المبيعات، يقول "زبائن الحراج محددون ومعروفون، إما ملاك محلات في السوق، أو من زواه القدماء الذين ما أن يكسبوا صفقة في الحراج إلا ويعيدون بيعها من الحراج المجاور، بعد أن مارسوا هواية اعتادوا عليها"، فعلى ما يبدو لا يعدو الأمر كونه ممارسة يومية تعطيهم قصةً يحكونها بعد عودتهم إلى المنزل عن صفقة عظيمة عقدوها، حتى لو باعوها برأس المال.

في محيط الزل

قبل مغادرة الموقع الأهم في رحلة "داون تاون" الرياض، يجدر التجول في جنباته، بدءاً من سوق الذهب، الذي وثّقه الفنان الشعبي السعودي بشير حمد شنّان، في إحدى أشهر أغانية "مريت سوق الذهب قصدي اشتري دبلة"، الذي كان يقصد به شارع الثميري (شمال السوق).

يحتوي الشارع على امتداده عدداً كبيراً من محلات الحلي والمجوهرات والمسابح، وكل المحتويات الإكسسوارية، سواءً للرجال أو النساء، وإن كان كثير من سكان العاصمة لا يعرفونه، فهم بلا شك يعرفون سوق الذهب في كلمات شنّان.

السير في امتداد السوق نحو الشمال تاركاً القصر خلفك، سيقودك إلى مسجد المصمك، المجاور لقصر المصمك الشهير الذي بني قبل العهد السعودي. أهمية المسجد على الرغم من صغر حجمه وحداثة عمره مقارنة مع "جامع تركي" هو أنه يكاد يكون الوحيد في الرياض الذي لا يزال يؤذن بالطريقة النجدية القديمة التي لم تعرف حينها بمقامات الترتيل الناعمة.

أما الجانب الجنوبي لسوق الزل، فيحتوي "حراج الصقور"، سوق آخر للرجال على ما يبدو، لكن المبكرين منهم. فهو يفتح أبوابه بعد صلاة فجر يوم السبت، يعرض فيه ملاك الطيور الجارحة ما يملكونه في ساحة كبيرة مسقوفة على شكل جناح، هذه الساحة التي تتنزه فيها الحمائم والعصافير طوال الأسبوع، باستثناء صباح السبت، عندما تحتله الصقور التي لا تشارك سوقها إلا مع فرائسها.

الاستمرار في الاتجاه شرقاً، سيمر بك حتماً من سوق سويقه النسائي، الذي يبدو أنه امتداد لسوق الحريم الذي كان محاذياً للقصر قبل الانتقال الأخير، فهو يشبه سوق الزل من حيث محليته في الملابس، فذاك تسير في ردهاته والبشوت والبنادق والخناجر معلقة في كل مكان، في حين لا تشاهد في هذا السوق إلا النقابات والعبايات النسائية والقمصان ذات الأكمام الطويلة تتدلى من السقف.

في "البطحا" بلا فيزا

البطحاء، أو البطحا باللهجة المحلية، تبعد عن سويقة 15 دقيقة مشياً على الأقدام، و15 ألف قدم خارج حدود البلاد.

فإن كان السوق الذي غادرته للتو يعلّق الملابس المحتشمة وأغطية الوجه على أبوابه، فإن البطحاء لا تتحفظ على تعليق ملابس النوم النسائية وأغطية السرير الحمراء، فهي لا تستهدف ذات الشريحة التي ترتاد سويقة. فبالنظر إلى من يقفون حولك، أو من يتزاحمون في محل الحلوى المجاور لك، الذي يبيع المهلبية بالزعفران على الطريقة الآسيوية، ستدرك بأنك قد غادرت إلى الهند أو إحدة الدول المجاورة لها.

إذ يستهدف السوق ببضاعته وملابسه وطريقة عرضه لها، وحتى أسعاره، الجالية الآسيوية بدرجة رئيسة، فما يباع في مكان آخر في الرياض بـ100 دولار، قد يباع بنصفها هنا، بناءً على القدرة الشرائية لزبائنه الخلّص.

سوق الخِيام

قد لا يكون سوق الخِيام في منطقة الغرابي، مكاناً رئيساً وسوقاً عليك ارتياده باستمرار، فهو سوق موسمي يكتظ مع بداية الشتاء.

فالسوق الذي لا يمكن أن تصل له قبل أن تقطع البطحاء كاملةً، هو سوق مختص ببيع الخيام وحقائب الرحلات البرية وأثاثها، إلا أن العمل اليدوي لحياكة بساط الجلوس، أو المقاعد الأرضية سهلة الطي، والخيام الصغيرة والفواصل القماشية، يستحق المشاهدة ولو لمرة واحدة، بخاصة عندما تمتد ألوان الأقمشة التي تكسو "أثاث الصحراء" على ممرات السوق بين أيدي صناعها المهرة.

هذه النقطة التي قررت الوقوف عندها سيراها المؤرخون المهتمون بالأسواق الشعبية في العاصمة السعودية الرياض توثيقاً مخلاً، لكن بالنسبة إلى أولئك الذين لم يتجهوا جنوباً قط منذ ولدوا أو سكنوا المدينة الكبيرة، هي بالنسبة إليهم كشف لجانب مهم في مدينتهم، التي لولا التفاصيل التاريخية والاجتماعية المخبأة بالنهاية في خلجات الناس وباعة الأسواق وصفحات التاريخ لفقدت قيمتها، هذه القيمة تحتاج عيناً لم تعتد على النظر إلى المدينة ولم تخسر حس الانبهار بجديدها، فهذه هي الرياض كما شاهدها ساكنها الجديد، فكيف تشاهدها أنت؟