Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرأة المصرية في يومها... هل ما زالت "الضلع المكسور"؟

إنجازات رسمية وانتكاسات اجتماعية للنساء وأصوات تحذر من ردة شديدة يتعرض لها نصف المجتمع

تفخر المرأة المصرية بمكاسب وتعيينات في مناصب قيادية، لكنها تنظر بحسرة إلى مكانة اجتماعية أصابها الضرر (أ ف ب)

هذا العام (2021) من الأعوام القليلة التي تجد المرأة المصرية فيها نفسها تتأمل بعمق قبل أن تحتفي احتفاءً معتاداً بيومها "يوم المرأة المصرية"، ففي كل عام منذ تم تدشين يوم 16 مارس (آذار) ليكون يوماً احتفائياً بها، تجد المرأة المصرية نفسها موضوعاً للاحتفالات الرسمية بما تم إنجازه من قوانين وتعيينات ومساعدات مالية للمهمشات والمطلقات والغارمات.

وعلى مدار اليوم من كل عام، يجري تذكيرها بأنه في مثل هذا اليوم تظاهرت نساء مصريات ضد الاستعمار، ومن أجل الاستقلال، في مطلع القرن الماضي، وكيف سقطن ضحايا، ولماذا تأسس اتحاد نسائي مصري على يد هدى شعراوي، وخط سير مطالبات نساء مصريات بقدر أعلى من المساواة السياسية والاجتماعية والتعليمية مع الرجال، وكيف التحقت المجموعة الأولى من الطالبات بجامعة القاهرة في عام 1928، وحظيت المرأة بحق الانتخاب والترشح في منتصف الخمسينيات، وكيف أن المصادفة جعلت من شهر مارس، ويوم 16 تحديداً، توقيتاً لحدوث تغيرات جذرية وتحقق مكاسب فورية لنساء مصر.

فاض بهن الكيل

لكن نساء مصر هذا العام فاض بهن من التيارات الرجعية والأفكار الشعبية والثقافات الظلامية الآخذة في التوغل والتغول، في مواجهة حادة ومباشرة مع جهود هائلة على طرف النقيض الآخر.

طرف النقيض الآخر يقف عليه قليلون، لكنهم مؤثرون، أصوات مصرية لنساء ورجال تحذر في يوم المرأة المصرية من ردة شديدة يتعرض لها نصف المجتمع. الردة هذه المرة تجسد حجم التجاذب بين تيارين رئيسين أحدهما يمد يد العون للمرأة نحو التنوير ورد الاعتبار، والآخر يمد يد العون للمرأة للإبقاء عليها في خانة "اكسر للبنت ضلع، يطلع لها 24 ضلع".

أحد الأضلع الرئيسة في احتفاء هذا العام بالمرأة المصرية هو القانون الجديد المقترح للأحوال الشخصية، الذي يسميه بعض الكتاب والمثقفين "قانون كسر ما تبقى من كرامة المرأة"، ويطلق عليه آخرون "قانون إعلاء المفهوم الذكوري الرجعي لمكانة المرأة المصرية"، بينما تبقى الغالبية المطلقة من المصريين غير عابئة بالقانون.

مواطنة منقوصة

عدم اهتمام القاعدة العريضة من المصريين والمصريات بالقانون الذي تصفه الناشطة في مجال حقوق المرأة، عزة كامل، في مقال لها بأنه "إعلان جميع النساء ناقصات عقل وأهلية، وأن مواطنتهن منقوصة"، لا يعكس إلا حقيقة ما وصلت إليه مكانة المرأة في العرف الشعبي.

مشروع القانون الذي أثار جدلاً تحت قبة مجلس النواب (البرلمان المصري) قبل نحو عام، فتقرر تأجيل الجدل حوله للعام التالي، بسبب الإصرار على إجراء تعديلات على قانون يعتبره البعض أصلاً مجحفاً للمرأة المصرية ومن شأنها أن تزيد من حجم الإجحاف يعني الكثير.

تعتبر كامل أنه "في الوقت الذي نتباهى فيه بأن نسبة النساء في البرلمان أصبحت 27 في المئة، ولدينا ثماني وزيرات، يأتي هذا القانون ليخرج لنا لسانه، ضارباً عرض الحائط بأي استحقاق دستوري للمرأة، ويؤكد أننا ما زلنا مجتمعاً ذكورياً بجدارة مغلفاً بأصولية ومبطناً بسلفية ضد وجود المرأة في الحياة العامة، ويعمل على وأدها حية في الحياة الخاصة، لا يعبأ بالمواطنة ولا بالدستور ولا بملايين النساء اللاتي خرجن يطالبن بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية".

الوكيل يطلّق العروس

القانون الذي يتزامن الإصرار على فرضه ومناقشته، مع يوم المرأة المصرية، ينص على سبيل المثال لا الحصر، على مادة تعطي ولي أو وكيل العروس الحق في المطالبة القضائية بفسخ عقد الزواج قبل "الدخول" خلال مدة لا تزيد على سنة من تاريخ العلم به، أو تاريخ العقد، أيهما أقرب، وذلك إذا زوجت المرأة نفسها من شخص يعتبره الولي غير كفء، أو من دون مهر.

وتصف كامل النص المقترح بأنه "من المضحكات المبكيات، أن مشروع القانون الكارثي، يبيح لأى ذكر من الأسرة أن يطلق المرأة لعدم التكافؤ بين الزوجين"، وهي ترى أن مسودة القانون معيبة بشكل مطلق، وأنه أداة جديدة لتكريس العنف والقمع المغلف قانونياً، وينتهك حقوق ومبادئ الدستور، وترى أنه كان من الأجدر أن تكون القوانين حصناً للحريات وأداة فاعلة للوقاية والحماية والطمأنينة، بدلاً من أن تكون سموماً وقبوراً.

يشار إلى أن الأزهر كان قد تقدم في عام 2019 بمقترح لتعديل قانون جديد للأحوال الشخصية بغرض "تنظيم حياة المواطنين". وكان شيخ الأزهر أحمد الطيب قد أصدر قراراً في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2017 بتشكيل لجنة لإعداد مقترح مشروع لتعديل بعض أحكام القوانين المصرية المتعلقة بالأحوال الشخصية، "بهدف ضمان توسيع نطاق الحفاظ على حقوق الأسرة المصرية".
وعقدت اللجنة ما يزيد على 30 اجتماعاً انتهت بعدها من صياغة مشروع القانون، وأحالته إلى هيئة كبار العلماء؛ المرجعية الشرعية الأعلى في الأزهر. ورأت اللجنة أن المقترح، الذي أثار الجدل والغضب مرتين خلال دورة سابقة لمجلس النواب المصري وتم تأجيل نقاشه، "يهدف إلى معالجة ما يعانيه المجتمع من مشكلات تبحث عن حلول منصفة وناجزة، في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، وبشكل يواكب العصر الذي نعيش فيه ومستجداته".

عقوبة الزواج الثاني السري

"ماذا أكتب على قبري؟ الزوجة الأولى التي ضحك عليها زوجها وتزوج عليها ولم تكتشف إلا بعد وفاته أن هناك زوجة ثانية وابنة تطالبان بحقهما في الميراث؟ ثم حين أغضب وأثور، يقولون لي إن المرحوم لم يخطئ أو يجرم أو يأتِ حراماً، بل مارس حقه الشرعي؟"، ياسمين نظمي (56 عاماً)، إحدى القليلات ممن يؤيدن نصاً في مشروع القانون الجديد ينص على عقاب بالحبس مدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه (نحو 1200 دولار) في حال تزوج الزوج بأخرى من دون إخبار الأولى. تقول نظمي، "على الرغم من أن هذا النص يضع قيمة الغرامة في جيب الحكومة، وليس في جيب الزوجة المخدوعة المطعونة في كرامتها، فإنني أؤيده، لأنه يفترض أننا (النساء) لسنا زكائب، بل بشر".

إلا أن هذه الفئة من البشر في يوم عيدها تجد أن النص الوحيد في مشروع القانون الجديد الذي اعترض عليه كثيرون من رجال المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية هو هذا النص.

 

الشريعة الإسلامية

أحد معارضي النص، أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، يقول إن بعض نصوص مشروع القانون الجديد "مخالفة للشريعة الإسلامية"، وقال غاضباً محتداً على من يطالب ويؤيد إلزام الزوج بإخبار زوجته الأولى لدى زواجه من الثانية والثالثة والرابعة أن "الإسلام ليس ملطشة"، وأن "الأزهر وحده هو المسؤول عن الأحوال الشخصية لأنه جزء من التشريع الإسلامي، وأن قوانين الأحوال الشخصية في مصر شأن إسلامي لا بد أن يخرج من أيدي العلماء، ولا يخرج إرضاءً أو تقليداً للغرب"، مطالباً بالتوقف عن استخدام نغمة الحبس والترهيب وإيذاء الناس وإضرارهم (والمتمثل في رأيه في إجبار الزوج على إخبار زوجته بأنه سيتزوج غيرها)، واستخدام الرحمة والتفاهم والود، إذ يتوجب على الزوجة ألا تعترض أو تغضب لدى زواج زوجها بأخريات بعملها، أو من دونه.

يشار إلى أن مركز الفتوى في الأزهر لم يألُ جهداً في التأكيد أن الإسلام لم يجعل علم الزوجة الأولى شرطاً من شروط صحة الزواج بالثانية.

لغة الأرقام

أما المكاسب التي تحققت للمرأة المصرية في مناسبة يومها المصري، فتتواتر الأرقام والإحصاءات التي تؤكد ذلك، والتي تربطها سياسياً بالمرحلة الراهنة، فقد ارتفعت نسبة الوزيرات في مجلس الوزراء، كما تم تعيين أول سيدة محافظ في محافظة البحيرة في عام 2017، وفي دمياط في عام 2018.

وزادت نسبة النساء في منصب نائب محافظ بنسبة 31 في المئة في عام 2019، وفي القضاء، تم تعيين 26 قاضية جديدة في محاكم الدرجة الأولى، و66 قاضية في المحاكم المصرية، وست قاضيات نائبات لرئيس هيئة قضايا الدولة المصرية، ليبلغ عدد القضايات في الهيئة 430 قاضية.

وعلى صعيد التمكين الاقتصادي، وقع البنك المركزى المصري مذكرة تفاهم مع المجلس القومي للمرأة، للنهوض بالمرأة، كما تم إطلاق برنامج "الادخار المالي" الذي استفادت منه 18 ألف سيدة مصرية.

الأم مكبلة

كما تم إطلاق برامج رئاسية عدة لصالح المرأة مثل "تكافل وكرامة" لمساعدة النساء الأكثر احتياجاً، وبرنامج صحة المرأة، وبرامج عدة تهدف إلى إدماج مبادئ المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة اجتماعياً واقتصادياً.

لكن فعلياً، المرأة المصرية المطلقة والحاضنة لأطفالها لا يسمح لها بنقل أطفالها من مدرسة لأخرى أو استخراج أي أوراق رسمية من دون إذن طليقها، في حين يسمح للأب وأقاربه من الذكور القيام بذلك من دون علمها، كما أن المرأة المصرية المتزوجة لا يسمح لها بفتح حساب مصرفي لأبنائها بأموالها الخاصة من دون إذن الزوج.

الزوج الذي يدعي الفقر بعد أن يطلق زوجته تهرباً من الإنفاق عليها وعلى أبنائه، عليه أن يحتفي بيوم المرأة المصرية، ذلك لأن القانون يلزم الزوجة المطلقة بالبحث والتقصي والتحري لإثبات دخل طليقها حتى تتمكن المحكمة من تقدير حجم النفقة!

نفقات لا أول لها أو آخر تتكبدها المرأة المصرية، وتتذكرها في يومها، نحو 3.5 مليون أسرة مصرية تعولها امرأة وحدها، وهي المرأة نفسها التي لا يحق لها إلحاق أو تغيير مدرسة الأبناء أو إصدار ورقة رسمية لهم، وهي أيضاً المرأة نفسها التي لا يحق لها أن تغضب حين يتزوج زوجها بأخرى من دون أن يخبرها على الرغم من أنها تنفق عليه وعلى أبنائهما.

نفقات فادحة

نفقة أخرى فادحة ما زال عديد من النساء المصريات يتذكرنها بحسرة في يومهن، اسمها تبرير التحرش، تارة باسم الدين، وأخرى وكأنها عوامل بيولوجية لا يمكن السيطرة عليها، وثالثة من دون منطق من قريب أو بعيد. قبل أيام، فجع المجتمع المصري بحادث تحرش مصور وموثق في مدخل عمارة سكنية بطله رجل أربعيني متزوج ومتعلم ويشغل وظيفة جيدة، وطفلة لا يزيد عمرها على سبع سنوات، استدرجها الأول ليعبث بجسدها. الغالبية العظمى استنكرت وشجبت، لكن أطلت أقلية عبر منصات التواصل الاجتماعي تارة تطالب بعدم فضح الرجل، وأخرى ترجح أن الصغيرة اعتادت التحرش.

وقبل أشهر، شهدت مصر كذلك الكشف عن حادث تحرش جماعي جرت أحداثه في فندق كبير في القاهرة، وعلى الرغم من أن التحرش ارتكبه ذكور في حق إناث، فإن نسبة كبيرة من مدوني منصات التواصل الاجتماعي سارعت إلى توجيه اللوم للإناث وملابسهن وتصرفاتهن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المرأة قيادية

لكن، بالورقة والقلم والأرقام والإحصاءات وقوائم الإنجازات، تمضي الدولة المصرية قدماً في محاولات تحرير المرأة المصرية مما أصابها على مدار نصف قرن من هيمنة للتيارات الرجعية، ولذلك حققت المرأة المصرية رسمياً عديداً من إنجازات تعيينات في مناصب قيادية.

"المرأة في الصفوف القيادية لتحقيق مستقبل من المساواة في عالم كوفيد-19"، عنوان احتفالية منظمات الأمم المتحدة بيوم المرأة العالمي الذي وافق يوم الثامن من مارس الحالي، تطرق كذلك إلى المرأة المصرية في مجال القيادة.

كوفيد-19 والنساء

المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في مصر، إلينا بانوفا، أشادت في مناسبة اليوم العالمي للمرأة ويوم المرأة المصرية، بـ"العمل الهائل" الذي قامت به الحكومة المصرية، وتحديداً المجلس القومي للمرأة في التحرك بسرعة للاستجابة لتداعيات فيروس كورونا على النساء والفتيات.

وأشارت إلى إيمان الأمم المتحدة بأن المساواة بين الجنسين هي السبيل لتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030، لافتة إلى أن مصر كانت الدولة الأولى التي تتخذ حزمة سياسات للتخفيف من أثر وباء كورونا على النساء، وتحسين سبل حماية النساء والفتيات في مثل هذه الأوقات الحرجة.

ولفتت بانوفا إلى الأثر المضاعف الذي تركه الوباء على نساء وفتيات العالم، ومصر لم تكن استثناءً، إذ أدى إلى تعميق أوجه عدم المساواة بين الجنسين الموجودة مسبقاً في الصحة والاقتصاد والحماية والمكانة الاجتماعية.

في يوم المرأة المصرية هذا العام، تفخر المرأة المصرية بمكاسب وتعيينات في مناصب قيادية، لكنها تنظر بحسرة إلى مكانة اجتماعية أصابها الضرر ويتناوب على تثبيته قانون مجحف هنا، وعادات وتقاليد ظالمة هناك، وتقلص جهود تنوير مجتمعي هنا وهناك.