Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا أعد السودان من محفزات لجذب الاستثمارات الأجنبية؟

البلاد الآن في مرحلة إعادة دمجها بالاقتصاد العالمي بعد فك عزلتها الخارجية لأكثر من 27 عاماً

تحوّل السودان من بيئة طاردة إلى أخرى جاذبة للاستثمار بعد معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد (اندبندنت عربية – حسن حامد)

تتجه أنظار المستثمرين الأجانب هذه الأيام نحو السودان، لاستكشاف الفرص الاستثمارية المتاحة فيه، لما يملكه من موارد في مجالات عدة، خصوصاً بعد إزالة العقبات التي كانت تقف حجر عثرة أمام الاستثمار في هذا البلد، ومن أهمها رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتوحيد سعر الصرف الرسمي والموازي للعملة المحلية، لكن ماذا أعدت الحكومة السودانية من محفزات لجذب الاستثمارات الأجنبية؟

أكد وزير الاستثمار والتعاون الدولي السوداني، الهادي محمد إبراهيم، أن بلاده موعودة بسياسات جاذبة للاستثمار تدعم النمو الاقتصادي، منوهاً بأن وزارته شرعت في وضع إجراءات وتسهيلات محفزة للمستثمرين الأجانب لتهيئة المناخ الاستثماري.

وأشار عقب إعلان الحكومة السودانية، أخيراً، توحيد سعر الصرف، إلى أن من شأن هذا القرار تحفيز الصادرات وإعادة حصائل الصادر، فضلاً عن فوائده الإيجابية وأثره على قطاع المستثمرين، لافتاً إلى ضرورة وجود حزمة متكاملة من السياسات المصاحبة لهذا القرار لإدارة سعر الصرف بمرونة، والتحكم في إدارة السعر، لا سيما في ما يخص السلع الضرورية.

وبين أن حكومته بهذا القرار الصائب، تكون قد عالجت أهم معضلة تسببت في إحجام كثيرين من المستثمرين الدخول للاستثمار في السودان، لعدم ضمان تحويل أرباحهم وعائداتهم من البلاد، بالتالي تحول السودان من بيئة طاردة إلى بيئة جاذبة بعد معالجة الإشكاليات المتعددة والاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.

 

 

البنى الأساسية

في السياق، أشار وزير الدولة السابق في وزارة المالية السودانية، عز الدين إبراهيم، إلى أنه "صحيح أن إزالة اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب، وتحرير سعر صرف العملات الأجنبية، خطوتان مهمتان لجذب الاستثمارات الأجنبية للبلاد على المستوى القصير والمتوسط وقصير المدى، لكن في حقيقة الأمر هناك خطوات مكملة لا بد من أن تراعيها الحكومة لتحقيق هذا الهدف، من أهمها الاهتمام بالبنى الأساسية، مثل الكهرباء، فليس من المعقول جلب استثمارات خارجية ولديك إشكاليات في أهم مرفق حيوي، صحيح تم توقيع اتفاقية مع مصر خلال زيارة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الأخيرة، والتي تقضي بتنفيذ مشروعي الربط الكهربائي ورفع القدرات إلى 240 ميغاواط خلال الصيف المقبل، وقد سبق أن زودتنا إثيوبيا خلال السنوات الماضية بـ100 ميغاواط من الكهرباء، لكن تظل المشكلة في تسديد فاتورة هذا الاتفاق في ظل ما تعانيه البلاد من عدم توفر النقد الأجنبي. وكذلك الحال بالنسبة للمحروقات، وهو أمر مهم جداً للمستثمر، وقد شاهدنا النقص الواضح في هذا الجانب، فلا بد من تحقيق وفرة في هاتين السلعتين الحيويتين".

وأضاف "كذلك من الجوانب المهمة، احترام القوانين التي تضعها الدولة بالذات عندما تحدث نزاعات بين الأيدي العاملة والمستثمر، فلا بد من قضاء عادل، وقانون فعال، والبعد عن البيروقراطية في إنهاء الإجراءات والمعاملات الخاصة بالمستثمر، وأن تكون هناك علاقة مؤسسية بين الحكومة المركزية والولايات، وأن لا تكون هناك ثغرات منعاً للفساد والرشى والوسطاء، فضلاً عن تهيئة الطرق والجسور، ووسائل النقل، وفاعلية الموانئ وكفاءتها خصوصاً ميناء بورتسودان الرئيس، فهو يتطلب توحيد عمل الجهات ذات العلاقة وتنسيقها من خلال نافذة واحدة لإنهاء الإجراءات، لضمان سرعة عملية تسليم وتسلم المعاملات والبضائع وغيرها، إضافة إلى تسهيل عمليات الدخول والخروج للمستثمرين، باتباع الوسائل الإلكترونية من خلال الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في هذا الجانب".

تنويع الاستثمارات

وبين إبراهيم أن تحقيق قفزة استثمارية يحتاج أن يصحبها توفير عمالة ذات كفاءة وجودة عاليتين في المجالات الفنية، لتغطية حاجة المستثمر في القطاعات التي تتطلبها هذه المجالات، الأمر الذي يحتاج من الدولة التوسع في نظام التعليم الفني، بإدخال تجارب الدول التي حققت طفرة في هذا المجال. كذلك من المهم أن يكون النظام المصرفي فعالاً، لا سيما في جانب منح القروض بمعالجة بطء تنفيذ طلبات التمويل وتكلفته، كما أنه لا بد من توجيه الاستثمارات نحو قطاعات معينة وتنويعها من خلال التركيز على قطاع الكيماويات لتحقيق وفرة في الأدوية وتصديرها إلى الخارج، لتصبح البلاد منافساً عالمياً في هذا المجال، إلى جانب قطاع الأسمدة، وكذلك الصناعات الثقيلة بالتوسع في مجال التصنيع الحربي. وهناك أيضاً قطاع الخدمات خصوصاً شركات الطيران الخاص، ليكون مجالاً مفتوحاً للاستثمار الأجنبي، فضلاً عن النقل البحري، فهو بحاجة لاستثمارات كبيرة بإيجاد أسطول بحري كبير، في ظل استعادة حكومة الخرطوم الخطوط البحرية السودانية "سودان لاين"، التي تمت تصفيتها عام 2016، ما يتطلب بناء أسطول بحري حديث بشراكة أجنبية. وعلى الرغم من أن الخطوط البحرية السودانية فقدت أهم مواقعها ومحطاتها في أميركا وأوروبا، وشرق آسيا، لكن يظل الخط الإقليمي في الخليج والبحر الأحمر، متاحاً لحين استعادة هذا الناقل السوداني سمعته من جديد في السوق العالمية، ونأمل أن يكون ذلك في المستقبل القريب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وزاد وزير الدولة السابق في وزارة المالية "كذلك من المجالات الاستثمارية الرحبة في السودان، قطاع التعليم العالي (الجامعات)، وبناء المستشفيات، فهناك تدافع للعلاج في السودان من قبل مواطني دول أفريقية عدة، فضلاً عن تطوير قطاع السياحة والآثار والمنتجعات، باعتبارها قطاعات أقل تكلفة، وذات عائد أكبر من قطاع الإنتاج السلعي لتكلفته ومخاطره العالية، لكن بشكل عام لا بد أن تربط الدولة مسألة الاستيراد بالتصدير لحل مشكلة ميزان المدفوعات، وأن تكون التسهيلات والإعفاءات التي تمنح للمستثمرين باتجاه خدمة المناطق المهمشة في البلاد من أجل تطويرها وتنميتها".

نافذة واحدة

في المقابل، أوضح الباحث الاقتصادي السوداني، هيثم محمد فتحي، أنه "من خلال تجاربنا السابقة، دائماً ما تكون قوانين الاستثمار التي توضع من قبل الجهات المختصة، من أفضل التشريعات من حيث الضمانات والتسهيلات والإعفاءات، وغيرها من الحوافز التشجيعية، لكن يبقى التحدي في كيفية تنفيذها وتطبيقها على أرض الواقع، خصوصاً في ظل الحكم الاتحادي والتقاطعات التي تحدث بين المستويات الإدارية الحاكمة في البلاد عبر الولايات والمحليات والحكومة المركزية".

ولفت إلى أن من أبرز الإشكاليات التي تواجه المستثمر مسألة إتمام الإجراءات، وهو ما يتطلب إيجاد نافذة واحدة تختص بمعاملات وإجراءات المستثمر، على أن تكون بطريقة إلكترونية ليس فيها أي نوع من أنواع التدخل منعاً للتلاعب والفساد والرشى. كما أن وجود السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب كان سبباً في عدم ولوج كثير من المستثمرين، وكذلك وجوده في لائحة الحظر الأميركي، خاصة أنها تؤثر في ناحية المعاملات المصرفية، وإجراءات التحويلات البنكية للمستثمر الأجنبي، لكن بعد إزالته من هذه القائمة، فإنه من الضروري أن تكون هناك قوانين جاذبة للاستثمار، ليس على الورق، بل أن يتم تنفيذها بالصورة المثلى، وبطريقة تحفظ حقوق المستثمر، وتعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية من الخارج.

وتابع فتحي "هناك كثير من الدول، وتحديداً في أفريقيا، بدأت تنافس السودان في جذب الاستثمارات الأجنبية، وذلك من خلال تعديل قوانينها الاستثمارية، بأن تتضمن تسهيلات وتحفيزات عدة للمستثمر من ضمنها إثيوبيا ومصر وأوغندا وبوركينافاسو ورواندا، لكن في نظري من أهم عوامل جذب الاستثمار هو الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، فما زالت هناك شكوك وتوجسات في هذه الجوانب بعد العقود الثلاثة من التوترات في البلاد التي عاناها المستثمرون، إضافة إلى ذلك لا بد أن يتم تطبيق القوانين بصورة مثلى خصوصاً من ناحية التسهيلات المصرفية والحكومية، وأن تكون الإجراءات سريعة، مقارنة بالدول الأخرى، فالمستثمر الأجنبي لديه معلومات دقيقة عن واقع الاستثمار في كل دول العالم".

تفعيل المبادرات

ويرى فتحي أن بإمكان السودان الاستفادة من علاقاته الخارجية المتطورة بعد انتفاضة ديسمبر (كانون الأول)، التي أحدثت التحول الديمقراطي، من خلال تفعيل المبادرات السابقة لجامعة الدول العربية، بتوطين وإنتاج الغذاء لما يتمتع به السودان من مقومات من حيث الأراضي الشاسعة والصالحة للزراعة ووفرة المياه. فنأمل في الأيام المقبلة بعد عودة العلاقات الطبيعية مع كثير من الدول العربية، استكمال تلك المبادرات العربية بدخول استثمارات إنتاجية كبيرة جداً في مجالي الزراعة والصناعة، يمكن أن يستفيد منها السودان ودول عربية عدة.

لكنه أشار إلى أنه يجب أن لا يعول كثيراً في هذه المرحلة على الاستثمارات الغربية بوجه عام، والأميركية على وجه الخصوص، لأنه في الحقيقة أن تاريخنا منذ الاستقلال في 1956، وحتى الآن، لم يشهد ولوج استثمارات غير تلك العربية، لا سيما من دول الخليج، وعدد قليل جداً لا يذكر كانت استثمارات غربية، بالأخص الأميركية، والتي شاهدناها فقط في مجال استخراج التنقيب عن البترول.

ونوه الباحث الاقتصادي بأنه قد يكون من المجدي تركيز الاستثمارات مع الجانب الأميركي، الذي يبدي حالياً اهتماماً خاصاً بالسودان من خلال وصول عدد من الوفود الاستكشافية، في مجالات محددة كالتقنية والإلكترونيات والصناعات الثقيلة، لكن يجب في هذه المرحلة أن يكون هناك اهتمام كبير باستغلال موارد البلاد في مجالات الزراعة والصناعات التحويلية وقطاع الخدمات، وهنا من الأفضل أن تكون هناك شركات مع الدول العربية، خصوصاً الخليجية.

ضعف الأنظمة

من جانبه، أشار الباحث الاقتصادي السوداني، عز الدين زنون، إلى أن السودان الآن في مرحلة إعادة دمجه في الاقتصادي العالمي بعد فك عزلته الخارجية لأكثر من 27 عاماً، بسب العقوبات الدولية، ما سيترتب عليه إمكانية إلغاء الديون الخارجية واستعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، والحصول على القروض والمنح، إلى جانب تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة، فضلاً عن انسياب المعاملات البنكية من المصارف العالمية، بالتالي زيادة حركة التجارة الخارجية وزيادة الصادرات السودانية لمختلف دول العالم.

تابع "على الرغم من الأهمية الكبرى للاستثمارات الأجنبية بالنسبة للسودان في الوقت الراهن، واجتهاد مسؤولي الحكومة الانتقالية لجذب المزيد من منها محلية وأجنبية، إلا أن واقع الحال يشير إلى ضعف مقدرة الخرطوم على التنافس في جذب واستقطاب الاستثمارات الخارجية، ويرجع السبب الأساسي في هذا الأمر إلى ضعف المناخ الاستثماري في البلاد، وضعف الأنظمة والقوانين والسياسات الجاذبة، وذلك على الرغم من أن بلادنا تتمتع بتوفر الموارد الطبيعية والبشرية، وتوفر المجالات والفرص الاستثمارية التي تؤهل السودان لأن يكون من أكثر الدول جذباً للاستثمار على المستوى العالمي".

إجراءات عاجلة

وأضاف زنون "لذلك فإن المعالجة الموضوعية لضعف معدلات الاستثمار في السودان أصبح أمراً مطلوباً وملحاً، لما له من انعكاسات إيجابية على النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعلى جميع أطراف العملية الاستثمارية. وهذا الأمر لا يحتاج إلى تأكيد، باعتبار أن مردود أو عائد العملية الاستثمارية يساهم بشكل مباشر في نمو القوى الإنتاجية للسودان، ويساعد على تكثيف الحركة الاستثمارية، ما يسفر عن قوى ديناميكية خلاقة تحدث تطورات اقتصادية تؤدي إلى تضاعف الحركة التنموية، ما يعزز أمن السودان واستقراره، ويوفر أرضية للتكامل الاقتصادي مع محيطه العربي والأفريقي، ويساهم بشكل مباشر في تنمية صادراته، ويدعم رغبته المزمنة في الانضمام لمنظمة التجارة العالمية".

وأوضح أنه لكي يستفيد السودان من هذه التغيرات الكبيرة والمهمة، لا بد أن تقوم الحكومة الانتقالية بعديد من الإجراءات العاجلة التي ستساهم في تعظيم الفوائد من بينها، توفير الاستقرار السياسي والأمني، والانفتاح الاقتصادي، وتوفير البنية الأساسية، وتوفير الفرص الاستثمارية، وتوفير النظم الاستثمارية والضرائبية والتشريعية المحفزة، وتوفير الأجهزة المؤسسية الداعمة، وتوفير البيئة الإدارية والاجتماعية الملائمة. يضاف إلى ذلك الاتجاه لتعزيز قدرات القطاع الخاص، وذلك من خلال زيادة كفاءته، وتشجيعه على تطوير هيكلة وتحديث منشآته، وعلى الدخول في شتى أنواع التحالفات مع الشركات الأجنبية بشكل تخصصي، تعزيزاً للتنافسية ولتوفير متطلبات النمو والتطوير والتحديث التكنولوجي، وخلق الأسواق والفرص للصناعات والمشاريع. وكذلك لا بد من الاتجاه لإصلاح قطاع التعليم وتطويره، وذلك من خلال تنمية المهارات البشرية بالتدريب المستمر، وتدعيم البحث والتطوير في السودان، وتعزيز التعاون العلمي مع الدول الشقيقة والصديقة، مع الاستفادة من العقول السودانية المهاجرة، وتوجيه مؤسسات التمويل السودانية للمساهمة بمتطلبات التنمية التكنولوجية، ووضع برنامج عاجل للتكنولوجيا يستهدف الربط بين قطاعات الإنتاج ومراكز البحث والتطبيق التكنولوجي، مع التركيز على المجالات المرتبطة باحتياجات السودان وأولوياته التنموية.