Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتهاء تفويض الرئيس الأميركي بالحرب يقترب فما البدائل؟

الكونغرس يسعى لاستعادة سلطته بإلغاء قوانين 1991 و2002

مقر الكونغرس في العاصمة واشنطن (رويترز)

بعد فورة الغضب التي اشتعلت لدى عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين عقب الضربات العسكرية الأميركية ضد الميليشيات التابعة لإيران في سوريا، قدم الرئيس الأميركي جو بايدن غصن زيتون بتأكيد البيت الأبيض أنه منفتح على فكرة إلغاء تفويضات الكونغرس بالحرب، التي دعمت العمليات العسكرية الأميركية في جميع أنحاء العالم على مدار العقدين الماضيين، ولكن بايدن يريد التشاور حول تفويض جديد يتماشى مع الطبيعة المفتوحة للضربات الأميركية في الخارج لمواجهة التهديدات الإرهابية، فما أسباب الاعتراضات المتصاعدة في الكونغرس، وكيف يمكن أن يؤثر إلغاء التفويض بالحرب في جاهزية وقدرة الولايات المتحدة العسكرية على مواجهة خصومها، خصوصاً في ظل الاستفزازات الإيرانية المتكررة، وإلى أي مدى يمكن للبدائل التي يطرحها بايدن أن تكون كافية لردع الخصوم؟

مبررات الخلاف

في الأيام التي أعقبت الضربات الجوية التي شنتها القوات الأميركية على سوريا، شكك المشرعون في الكونغرس في المبرر القانوني الذي ساقته إدارة الرئيس جو بايدن لشن الهجمات على ميليشيات تابعة لإيران في سوريا، ففي حين قال بايدن، إنه أمر بالضربات دفاعاً عن النفس بعد أن استهدفت جماعات مسلحة مدعومة من إيران القوات الأميركية بهجمات صاروخية، لم يُرض هذا التفسير عدداً من الأعضاء الديمقراطيين والجمهوريين في مجلس الشيوخ، الذين استخدموا الضربات لإحياء مساعيهم المستمرة منذ سنوات لتقليص سلطات الحرب الرئاسية، أو إلغاء تفويضات الكونغرس السابقة التي تخول للرئيس سلطة شن الحرب.

غير أن التوترات التي تتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران بسبب استمرار الاستفزازات الإيرانية وتشجيع الأخيرة حلفاءها في العراق على شن هجمات صاروخية ضد قواعد تشمل قوات أميركية، تدفع إدارة بايدن إلى البحث عن بدائل قانونية للرد على طهران كلما اقتضى الأمر، وبما يتناسب مع الفعل الإيراني، ولكن في الوقت نفسه من دون إثارة غضب أعضاء الكونغرس الذين يتخوفون من انزلاق الإدارة الأميركية في حرب مع طهران أو غيرها من الخصوم من دون الحصول على تفويض من الكونغرس بشن الحرب مثلما فعل الرؤساء الأميركيون السابقون الذين استندوا إلى تفويضات سابقة من الكونغرس صدرت أعوام 1991 و2001 و2002، ولكن في ظروف مختلفة.

دفاعاً عن النفس

وعلى عكس الإدارات الأميركية السابقة، لم تذكر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أياً من تفويضات الحرب السابقة كمبررات قانونية للضربات التي شنتها على مواقع تابعة للميليشيات المدعومة من إيران في سوريا، ما يشير إلى أن الإدارة الأميركية تتبع نهجاً مختلفاً، فقد أشار المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي إلى المادة الثانية من الدستور الأميركي التي تمنح القائد العام للقوات المسلحة الأميركية ليس فقط السلطة، ولكن الالتزام بحماية القوات الأميركية، فضلاً عن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعطي الدول الأعضاء الحق في الدفاع عن النفس.

حل بديل

وبحسب جين ساكي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، فإن إدارة بايدن ملتزمة بالعمل مع الكونغرس لضمان استبدال تفويضات الكونغرس لاستخدام القوة العسكرية القائمة حالياً بإطار ضيق ومحدد لضمان قدرة الولايات المتحدة على حماية الأميركيين من التهديدات الإرهابية مع إنهاء الحروب إلى الأبد، لكن ساكي لم تؤيد في الوقت ذاته أي اقتراح معين حول كيفية تعديل قانون عام 2001 الذي صدر في أعقاب الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن، الذي يُعرف باسم تفويض استخدام القوة العسكرية وكان الغرض منه استهداف تنظيم القاعدة وحركة طالبان التي استضافت التنظيم في أفغانستان.

وفيما اعتبر البعض قرار البيت الأبيض بمثابة غصن زيتون ممتد للكونغرس، إلا أنه لا يخفي محاولة الرئيس الجديد تهدئة غضب حلفائه الديمقراطيين قبل الجمهوريين من قراره شن ضربات جوية انتقامية ضد الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا الأسبوع الماضي من دون السعي لنيل موافقة من الكونغرس، الأمر الذي أحبط العديد من حلفاء بايدن وجدد المخاوف القديمة بين الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء من تخلي الكونغرس عن دوره الدستوري في إعلان الحرب والتفويض بالعمليات العسكرية.

خيار صعب

ومع ذلك، فإن التوصل إلى اتفاق بشأن تفويض جديد لاستخدام القوة العسكرية قد يكون صعباً للغاية. وعلى سبيل المثال، لا تزال هناك وجهات نظر متباينة على نطاق واسع حول نطاق أو مدة إصدار قرار حرب جديد من قبل الكونغرس كي يغطي العمليات القتالية الجارية في أماكن عديدة مثل أفغانستان وسوريا والعراق، بما في ذلك عمليات مكافحة الإرهاب في عشرات البلدان الأخرى.

ووفقاً لتقرير أصدره معهد واتسون للشؤون الدولية في جامعة براون الأميركية، فقد نفذت حكومة الولايات المتحدة عمليات لمكافحة الإرهاب في 85 دولة في الفترة من 2018 وحتى 2020، وتشمل هذه العمليات الضربات الجوية وهجمات طائرات الدرون والقتال على الأرض، فضلاً عن برامج وخطط قوات العمليات الخاصة الأميركية، والتدريبات العسكرية ومساعدة القوات الأجنبية.

كفاح طويل

غير أن الكونغرس كافح لسنوات للتوصل إلى أي اتفاق حول كيفية تعديل القانون الصادر عام 2001 أو إلغائه بعد ما أصبحت صياغة القانون والغرض منه لا علاقة لها بكيفية استخدام الحكومة الأميركية له، فقد سمح القانون بشن الحرب ضد مرتكبي ومخططي هجمات 11 سبتمبر (أيلول) من تنظيم القاعدة ومن آواهم من حركة طالبان الأفغانية، لكن مع تطور الحملة الأميركية ضد الإرهاب، وسعت الإدارات المختلفة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري تفسيراتها لتبرير القتال ضد الجماعات الإرهابية الأخرى البعيدة عن أفغانستان مثل فرع القاعدة في اليمن، وتنظيم "داعش" في سوريا والعراق، وحركة الشباب في الصومال.

وقد فعلت الإدارات الأميركية ذلك في عهد جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترمب عبر الادعاء بأن لديها بالفعل سلطة مستمرة منحها لها الكونغرس لمحاربة هذه التنظيمات الإرهابية، وبذلك تجنبت السلطة التنفيذية المشاكل التي يمكن أن تنشأ بسبب سلطات شن الحرب، كما تجنب الكونغرس الذي يعاني حالة استقطاب طرح الأمر للتصويت.

معضلة التعديل

وعلى الرغم من اتفاق العديد من أعضاء الكونغرس من كلا الحزبين، على أن التفويض استُخدم طويلاً ووصل إلى أبعد من مقاصده بكثير، وأنه تجاوز دور الكونغرس الذي نص عليه الدستور لتقرير متى يمكن أن تخوض أميركا الحرب، فإن أعضاء الكونغرس لم يتمكنوا من الاتفاق على كيفية تعديل أو إلغاء هذا التفويض.

فمن ناحية، يرفض البعض تمديد التفويض بالحرب إلى ما لا نهاية لرغبتهم في فرض قيود أكثر صرامة، مثل ضرورة إنهاء سريان القانون تلقائياً، وتقييد عدد القوات البرية والحد من قدرة السلطة التنفيذية على اعتبار الأعداء الجدد يمثلون قوى مرتبطة بتنظيم القاعدة أو معاملتهم كجزء من الحرب القائمة، لكن فريقاً آخر امتنع عن تقليص سلطة الإدارة الأميركية في استخدام القوة العسكرية لمحاربة الجماعات المرتبطة بالقاعدة على اعتبار أن الجماعات الإرهابية لا تزال تمثل تهديداً رئيساً للأمن القومي الأميركي، الأمر الذي نتج عنه استمرار المأزق الحالي والتمسك بقانون التفويض الصادر عام 2001.

استعادة قرار الحرب

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، يبدو أن هذه السياسة قد تتغير، ففي حين أن بعض الجمهوريين المخضرمين الذين فضلوا إصلاح قانون التفويض بالحرب قد تقاعدوا مثل السيناتور السابق بوب كوركر ونظيره جيف فليك، إلا أن العديد من المشرعين المنتخبين حديثاً، بخاصة من أقصى اليسار واليمين يتفقون على أن الكونغرس في حاجة ضرورية إلى استعادة دوره الأصلي في اتخاذ قرارات الحرب، ومن بين هؤلاء السيناتور الديمقراطي تيم كين الذي قالت في شأنه المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الرئيس بايدن يريد العمل معه في قضية إصلاح قانون التفويض بالحرب.

ولم تتولد هذه الرغبة لدى إدارة بايدن من فراغ، فقد تزعم السيناتور كين قبل أيام قليلة مع نظيره الجمهوري تود يونغ، عدداً من زملائه من الحزبين في مجلس الشيوخ، في تقديم مشروع قانون جديد يستهدف إلغاء قانونين آخرين من قوانين الحرب السابقة التي لا تزال سارية حتى الآن، وهما القانون الصادر عام 1991 الذي فوض لإدارة الرئيس بوش الأب بحرب الخليج الأولى لتحرير الكويت من قوات الرئيس العراقي صدام حسين، والقانون الصادر عام 2002 الذي فوض لإدارة الرئيس جورج بوش الابن بحرب العراق عام 2003.

وفي حين أن السيناتور كين تبنى خلال دورات الكونغرس السابقة، تشريعات لمعالجة السؤال الأصعب حول كيفية إلغاء واستبدال تفويض الحرب الصادر عام 2001، إلا أنه لم يتقدم به مرة أخرى حتى الآن.

محاولات سابقة

وبينما عفى الزمن عن قانون حرب الخليج لعام 1991، فإن قانون حرب العراق 2002 لا يزال مهماً حيث استخدمه الرئيس باراك أوباما عام 2014، لقصف تنظيم "داعش" بعد ما اجتاح أجزاء من العراق وسوريا، وعلى الرغم من أنه طلب من الكونغرس قانوناً لتفويض إدارته بالحرب، لكنه أصر في الوقت نفسه على أنه لا يحتاج إلى موافقة تشريعية جديدة، حيث استند إلى تفويضي الحرب لعامي 2001 و2002 باعتبارهما يوفران أساساً قانونياً قائماً بشكل مسبق لمهاجمة "داعش"، الذي خرج من رحم تنظيم القاعدة الذي هاجم القوات الأميركية بعد حرب العراق.

كما فشلت الجهود التي بذلها الكونغرس لتفويض حرب "داعش" على وجه التحديد، فقد انتقد بعض الجمهوريين استراتيجية أوباما ووصفوها بأنها ليست صلبة بشكل كافٍ، لكنهم قاوموا منحه السلطة التي طلبها، في حين أن الديمقراطيين الذين انقسموا حول تفويض عام 2002 للسماح بحرب العراق، فضلوا منح سلطة محدودة فقط لشن حرب جوية وفي النهاية، فشل الكونغرس في التوصل إلى اتفاق وأقر بالنظرية القائلة إن الحرب لها أساس قانوني بالفعل.

وفي عهد الرئيس دونالد ترمب، ظهرت مخاوف جديدة حول إمكانية أن تقدم إدارته على حرب مع إيران من خلال الاستناد إلى القوانين القديمة بدلاً من طلب تفويض جديد ومحدد من الكونغرس، لكن حينما أصدر ترمب أوامره في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، بشن غارة جوية في العراق أسفرت عن مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وصفت إدارته المهمة على أنها دفاع عن القوات الأميركية في العراق، وأن الضربة اعتمدت على قانون حرب العراق لعام 2002.

وعلى الرغم من المحاولات المتجددة في الكونغرس لاستعادة سلطة قرار الحرب وسحبها من الرئيس، فإن ذلك لن يكون بالأمر اليسير، كما أن قدرة الرئيس بايدن على توجيه ضربات انتقامية ضد إيران لن تتأثر كثيراً، بيد أن تعنت إيران في التفاوض وفرض شروطها على واشنطن واستمرار تشجيع ميليشياتها على مهاجمة القوات الأميركية في العراق، قد ينتهي إلى توسيع نطاق وحجم الضربات المتبادلة في إطار سياسة اختبار الخصم، وهو ما ينذر بسيناريو أسوأ قد يدفع بايدن إلى استخدام المبررات نفسها التي استخدمها الرؤساء السابقون حتى لو لم تكن الهجمات دفاعاً عن النفس.

المزيد من تقارير