Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نساء بلا غد" ثلاث سوريات يهربن من جحيم إلى آخر

نورة غانم أخرجت نص العراقي جواد الأسدي مع ممثلات مصريات

من مسرحية "نساء بلا غد" للمخرجة نورة غانم (اندبندنت عربية)

حقق العرض المسرحي "نساء بلا غد"، إنتاج المعهد العالي للفنون المسرحية في مصر، وإخراج السورية نور نواف غانم، حضوراً طيباً في الوسط المسرحي المصري، منذ عرضه على خشبة المعهد، ومشاركته في مهرجان "زكي طليمات" لطلاب المعهد، ثم مشاركته في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وأخيراً عرضه على خشبة مسرح غوتة في القاهرة.

العرض أفصح عن مخرجة موهوبة ودارسة، ولديها رؤية تسعى إلى تجسيدها على الخشبة، بعيداً عن التطبيق الميكانيكي لما درسته. وبدا ذلك أولاً في طريقة إعدادها لنص العراقي جواد الأسدي" نساء بلا رب" وإضافة بعض التفاصيل إليه، وحذف تفاصيل أخرى، وذلك كله في سياق صياغة رؤية تخص الواقع السوري، وتبرز معاناة نسائه. وبدا ثانياً في قدرتها على تشكيل صورة مسرحية نابضة بالحركة والحيوية، لم تنزلق إلى فكرة الحكي المجرد الذي قد يصيب المشاهد بالملل، وإنما انشغلت بالأداء التمثيلي الذي يميل إلى النعومة، ويحفر عميقاً داخل الشخصيات، بعيداً عن التشنجات والانفعالات التي قد تفسد الهدف من رسالة العرض، وانشغلت كذلك برسم خطوط الحركة التي أدركت أهميتها وسط هذا الاضطراب الذي تحفل به أحداث العرض، فجاء الأمر منظماً ومرسوماً بعناية، في المكانين اللذين تدور في أجوائهما الأحداث، وهما الملجأ المشترك الذي يقيم فيه النازحون، والمكتب الذي جرت فيه تحقيقات السلطات الأمنية.

صوت وصورة

الجميع يتابع الأحداث في سوريا ويتعرف على المآسي التي يتعرض لها الشعب السوري نتيجة الصراعات والحروب، وتدخلات قوى عديدة من هنا أوهناك، وذلك عبر الصوت والصورة، وأحياناً على الهواء المباشر. وهذا ما يشكل مأزقاً كبيراً لأي مخرج يسعى إلى عكس هذا الواقع فنياً، وتجسيده بوسائطه الجمالية. فأي شيء يمكن أن يكون أقوى من الصورة المباشرة التي تبث من موقع الحدث عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، وما الجديد الذي يمكن تقديمه، ولا يشعر معه المشاهد بأنه إزاء منشور سياسي، أو صرخة تطلقها هذه المرأة أو تلك؟

 

لدينا ثلاث نساء سوريات، لكل منهن مأساتها الخاصة، التي تنسحب كذلك على أغلب النساء السوريات، أي أننا لسنا بصدد مأساة خاصة أو استثنائية لكل واحدة، لكننا أمام مجرد نماذج تعكس أوضاع المرأة في سوريا في ظل الحروب والصراعات. الأولى تعرضت للاغتصاب الجماعي من قبل تنظيم "داعش" تحت زعم جهاد النكاح، ما يفضح هذه التنظيمات التي استغلت الأوضاع القائمة لتحقيق مآربها الخاصة، وراحت تتزيا بالدين، ولكنها في سلوكياتها تبدو أبعد ما تكون عن الدين، أي دين. أما الثانية فكانت فنانة معروفة لها أحلامها الكبرى قبل نشوب الحرب، واعتقلتها السلطات الأمنية وأذاقتها الويل خلال استجوابها، بينما الثالثة كان لديها طفلة مصابة بثقب في القلب، وأجريت لها عملية جراحية، لكنها ماتت، ليس بسبب تداعيات الجراحة، ولكن بسبب رصاصة أصابتها في القلب نفسه الذي كان بدأ في التعافي.

نفق مظلم

إنها ثلاث قصص مأساوية حدثت للنسوة الثلاث في بلادهن، وعندما نجحن في الهرب إلى مدينة "براغ" الألمانية، كن يمنين أنفسهن بغد أفضل، لكن أمنياتهن ذهبت أدراج الرياح، إذ تعرضن لمضايقات أكثر، سواء من خلال التحقيقات التي تجريها السلطات الألمانية معهن، أو من خلال الممارسات السلبية لبعض طالبي اللجوء، ما أدى إلى تخوف السلطات من جميع المهاجرين، وانعكس بالتالي على معاملتها للنسوة الثلاث.

فضلاً عن ذلك، ونتيجة للتشوهات النفسية التي أصابتهن قبل النزوح، تصبح العلاقة بينهن، خلال الإقامة في الملجأ المشترك، على درجة عالية من التوتر. ونكتشف من خلالها التاريخ الشخصي لكل منهن، وكيف ضاعت أحلامهن التي سعين إلى تحقيقها عبر الهجرة إلى دولة مثل ألمانيا المفترض أنها ترحب باللاجيئن، فلا هن ارتحن في بلادهن، ولا في دولة حسبنها جنة موعودة.

 

بؤس يطاردهن في الداخل والخارج معاً، لتتوضح البنية الدائرية التي اعتمدتها المخرجة، أنهن دخلن دائرة مفرغة، فالبداية مثل النهاية، ودائماً مايعدن إلى نقطة الصفر، فلا ضوء في نهاية نفقهن المظلم، بالتالي لا غد ولا مستقبل، لا شيء سوى الأسئلة العالقة من دون إجابات.

مونتاج سينمائي

اعتمدت المخرجة المونتاج السينمائي، ولجأت إلى التقطيع والنقلات من هنا إلى هناك، لتخفف من وطأة السرد، وتجعله أكثر تشويقاً، بخاصة أنه يأتي عبر أداء تمثيلي من الحركة وليس السكون. وذلك ما جعل التمثيل أكثر تأثيراً وأكثر قدرة على توصيل رسالة العرض، بحيث جاء داخلياً وعميقاً ونابعاً من وعي الممثلات بأدق التفاصيل النفسية للشخصيات. كأن الممثلاث الثلاث (بسمة ماهر، ونهال الرملي، ولونا أبودرهمين التي استُبدلت في العرض الأخير بسماء إبراهيم لانشغال الأخيرة في عمل تليفزيوني)، وهذا يعود بالتأكيد إلى حرص المخرجة على تدريب ممثلاتها على سكة أداء تخدم من خلالها رؤيتها، وتصل بهن إلى هذه الحالة من التماهي مع الشخصيات، وإن من دون ذوبان مطلق فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ديكورات العرض لم تحفل كثيراً بإضفاء طابع جمالي على المنظر المسرحي، فجاءت متناغمة مع اضطراب الحدث وفوضويته، وبخاصة في الملجأ الذي تقيم فيه النسوة الثلاث. أشياء مبعثرة، ومنصة لإلقاء المونولوغات، وسرير مهمل، وكتب وملابس متناثرة، وسواها. وفي الخلف بانوراما سوادء، ولا شيء أكثر من ذلك، ومالت الإضاءة (صممها أحمد كشك) إلى الإنارة في معظم اللحظات، باستثناء لحظات بوح كل شخصية، إذ بدت الشخصية في بؤرة ضوئية معزولة عن سواها، للفت الأنظار أكثر إليها وإبراز أدق انفعالاتها.

مثل هذه العروض لا تعبر المشاهد بسهولة، بل تظل مقيمة في ذاكرته، سواء لطبيعة القضية التي تتناولها، وهي قضية إنسانية مطروحة دائماً وأبداً، نتيجة الصراعات والحروب وأهوالها.  بخاصة إذا كانت لا تزال ساخنة، كما في الوضع السوري، أو لطريقة الطرح التي تعتمد الجمالي بديلاً من السياسي المباشر والزاعق، الذي قد لا يكون مؤثراً لاعتياديته وكثرة تكراره، حتى بات أمراً مألوفاً، فيأتي الفن ليبث فيه دماً جديداً يجعله عالقاً بأرواحنا، راسخاً في ذاكرتنا، ويدفعنا لأن نصرخ بأعلى صوت، أوقفوا هذه الحرب، أي حرب في أي مكان، فوحدها الشعوب تدفع الثمن، ووحدهن النساء يدفعن أكثر.

المزيد من ثقافة