Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الضباب الدخاني" والحرائق يتسببان في أزمة سياسية لإندونيسيا مع جيرانها

يسعى فلاحون وشركات إلى تجفيف مساحات شاسعة بغية إنشاء مزارع تجارية عليها

إندونيسيون يحاولون الفرار من فيضان اجتاح منازلهم في 22 فبراير الحالي (أ ب)

حذر الرئيس الإندونيسي، جوكو ويدودو، من حرائق الغابات في بلاده، فيما تستعد السلطات لموسم الحرائق المحتملة للغابات في الفترة المقبلة، في حين أن ظاهرة الضباب الدخاني الموسمي قتلت مئات آلاف البشر. وتشير الدراسات إلى ارتباط وثيق بين التلوث الضبابي وزيادة حالات الإصابة بالفيروس المستجد، كما تسببت الحرائق الموسمية للغابات في أزمة سياسية لإندونيسيا مع جيرانها في الأرخبيل.

الضباب الإندونيسي

تعرف ظاهرة "الموسم الضبابي" في جنوب شرقي آسيا بأنها أزمة التلوث الهوائي الإقليمية التي نتجت عن إزالة الغابات والحرائق الزراعية، كما أن غالبية تلك الحرائق تندلع في الجزر الإندونيسية، وتستعر مع بداية موسم الصيف. وتشارك ماليزيا بنسبة قليلة من تلك الحرائق. ولا يقتصر تأثير حرق الغابات وامتداد الضباب على إندونيسيا وحدها، بل يصل مداها إلى سنغافورة وماليزيا وتايلاند. كما يتسبب الضباب الموسمي في شل نشاطات عدة في البلاد، فتغلق المدارس والجامعات، وتتوقف النشاطات الرياضية، وتؤجل رحلات الطيران.
وينتج معظم هذا الضباب عن حرق أراضي الخث الاستوائية الغنية التي تبتلع الكربون. ووفقاً لما أورده تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن "الأراضي الخثية، وهي أراضٍ رطبة تتكون تربتها بالكامل تقريباً من مواد عضوية مشتقة من بقايا مواد نباتية ميتة ومتحللة لها أهمية بيئية كبيرة في كوكبنا، إذ لها قدرة هائلة على مكافحة تغير المناخ، وبإمكانها خفض الانبعاثات الكربونية والغازات الدفيئة وإحياء النظام البيئي الأساسي. وعلى الرغم من أن الأراضي الخثية لا تغطي سوى 3 في المئة من سطح الأرض العالمي، فإنها قادرة على تخزين ما يقرب من 550 مليار طن من الكربون، بحسب التقرير. ومع صعوبة إشعال النيران في أراضي الخث تحت ظروف الغابات البكر والمغمورة بالمياه، يسعى فلاحون وشركات إلى تجفيف مساحات شاسعة منها ويستنزفونها بغية إعدادها لإنشاء مزارع تجارية والصغيرة عليها، فتسبب هذه العملية جفافاً لسطح أراضي الخث، وتجعلها قابلة للاحتراق. كما يحرق المزارعون مخلفات زيت النخيل ولب الورق ومزارع الورق للتخلص منها. وذكر متخصصون أن توقع موسم الضباب يعد أمراً معقداً، إذ يرتبط بالحالة الجوية وتقلب الطقس طويل المدى إلى جانب إدارة المياه والأرض. وتعد هذه الطريقة أكثر رخصاً بالنسبة إلى المزارعين، للاستعداد للزراعة، إذ تكلف الطرق النظيفة مبالغ كبرى، خاصة للفقراء منهم.

عام الحظ 

ومن حسن الحظ تميز العام الماضي بهطول أمطار في موسم الطقس الجاف أكثر من المعتاد، ما جعل ظاهرة الضباب الدخاني تتوارى في عام 2020. وعلى الرغم من ذلك، فإن حرائق الغابات في إندونيسيا ما زالت مستمرة، إذ تشير الإحصائيات إلى "حرق ما يقرب من 207 ألف هكتار من الغابات خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) الماضي". وقالت وزيرة البيئة الإندونيسية، سيتي نوربايا، في تصريح سابق لها، إن بلادها حققت تقدماً ملحوظاً العام الماضي من خلال عدم حدوث كارثة الضباب، غير أن الرئيس الإندونيسي جوكوي حذر خلال الأيام القليلة الماضية، من إمكانية تعرض إقليم كاليمانتان وجزيرة سولاويسي إلى حرقٍ للغابات هذا العام خلال شهري مايو (أيار) إلى يوليو (تموز) المقبلين، مع الوصول إلى الذروة في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول).

مخاطر بيئية وصحية

وتسببت الحرائق وظاهرة الضباب في عدد من المخاطر البيئية والصحية. وأشارت منظمة بيئية إلى وجود مخاطر صحية وآثار كارثية للحرائق السنوية على الأرض والحيوان والبشر، من استنشاق دخانها السام، ما يسهم في زيادة الأمراض المزمنة ومشاكل الرئة والقلب، وتقتل 110 ألف شخص سنويا. كما خلصت دراسة في جامعة هارفرد إلى أن الضباب الدخاني الذي نتج عن حرائق الغابات تسبب في وفاة مئة ألف شخص، 90 في المئة منهم من إندونيسيا، وفي المئة من ماليزيا وسنغافورة خلال عام واحد فقط.
وتوقعت الأبحاث العام الماضي وجود علاقة بين التلوث الهوائي وزيادة الحالات المصابة بكوفيد-19، وحالات الوفاة. ووجدت دراسة أميركية أن الزيادة في تركيز الجسيمات الدقيقة الملوثة بالهواء مرتبطة بزيادة حالات الوفاة بكوفيد-19 بنسبة 15 في المئة، وهو ما تتعرض له الأجواء الآسيوية في أوقات الضباب.
كما أن تفاقم حرائق الغابات زاد الخطر على الحيوانات المعرضة للانقراض، مثل النمور والأورانجوتان (إنسان الغاب)، ورفع من مستويات ثاني أكسيد الكربون، وأسهم في تغير المناخ العالمي. وتشير وكالة "سي أن أي" إلى أن الإجراءات الاقتصادية الجديدة للتعافي من آثار الجائحة في إندونيسيا، مثل قانون العمل الجامع، يمكنها أن تفاقم من أزمة الضباب، حيث يفتقر القانون للتشريعات الاقتصادية من أجل زيادة الاستثمار الأجنبي.

اتهامات متبادلة 

وتسببت أزمة الضباب وحرائق الغابات في عديد من الانتقادات العلنية والرسمية مع إندونيسيا ودول الجوار. وولدت الأزمة توترات في العلاقات الماليزية - الإندونيسية بين حين وآخر، ففي الوقت الذي تشير فيه ماليزيا إلى جارتها إندونيسيا كالمتسبب الرئيس بالضباب الذي يصل إلى سمائها، فإن جاكرتا ترجع الاتهامات إلى الشركات الماليزية والسنغافورية التي تزرع أشجار النخيل على أراضيها. وصرحت وزيرة البيئة الإندونيسية، سيتي نوربايا، بأن أربع شركات سنغافورية وشركة ماليزية، كانت من بين المتسببين بحرائق الغابات. واتهمت وزيرة البيئة ماليزيا بعدم الشفافية في إعلان الأرقام الحقيقية عن بؤر حرائق الغابات التي تجري على أراضيها، فيما عبر رئيس وزراء ماليزي سابق عن انتقاده التعامل الإندونيسي مع حرائق الغابات والأضرار التي لحقت ببلاده.

كما انتقدت ماليزيا جارتها إندونيسيا، وطالبتها باتخاذ خطوات وأفعال فورية لإخماد حرائق الغابات فيها، حيث تدهورت جودة الهواء في أجزاء من ولاية ساراواك الماليزية. وأعلنت وزيرة الطاقة والعلوم في الحكومة الإندونيسية السابقة أن الضباب العابر للحدود هو السبب الرئيسي للدخان المحيط بالبلاد، لكنها أضافت رداً على الوزيرة الماليزية، أن الضباب الذي غطى ماليزيا من فعل ماليزيا نفسها، وأن السلطات الماليزية لا تتحلى بالشفافية، ونشرت صوراً التقطتها قمر اصطناعي ادعت فيها أن بؤر الحرائق لم تعد تشمل إندونيسيا فحسب، ولكنها موجودة في شبه جزيرة الملايو وأجزاء من فيتنام. كما تشير التقارير إلى أن معظم مزارع زيت النخيل في إندونيسيا تمتلكها شركات ماليزية أو سنغافورية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


دعاوى وحلول بيئية

ويجرم القانون في إندونيسيا حرق الغابات بهذه الطريقة. ورفعت وزارة البيئة الإندونيسية دعاوى ضد 17 شركة بسبب حرائق الغابات والأراضي، ربحت 9 منها، في حين تجاوزت الغرامات المالية على تلك الشركات نحو 230 مليون دولار.
واتبعت السلطات الإندونيسية حلولاً للحد من الحرائق واستصلاح الأراضي لزراعتها من دون حرقها، فدشنت برنامج الوقاية المجتمعية من الحرائق واستعادة أراضي الخث، والذي تشارك فيه مؤسسات حكومية إلى جانب المجتمعات المحلية. وتهدف المبادرة لتوعية المجتمعات باستخدام الزراعة الحرجية بدلاً من الزراعة باستخدام النار.
لكن المتخصصين أكدوا أن حل هذه الأزمة المتكررة هو القانون الصارم والاستثمار الأخضر لدعم المزارعين المحليين، فيما أوضح هنري بورنومو، الباحث في مركز البحوث الحرجية الدولية بإندونيسيا، أن السلطات التنفيذية والقانونية في البلاد تسعى حالياً إلى إيجاد حلول جذرية والأخذ بنصيحة المجتمع العلمي للحد من هذه الظاهرة الموسمية.

كما أعلنت إندونيسيا عن دراستها مشروع قانون جديداً يشدد العقوبة على الشركات التي تساهم بحرق الغابات، وتسمح هذه القوانين بمصادرة أرباح الشركات أو الأفراد الذين يستفيدون مالياً من الحرق المتعمد للأراضي، وذلك في مجاراة لقانون نافذ للشركات المتهمة بغسل الأموال في البلاد.
كما أن عدداً من شركات زيت النخيل في سنغافورة أعلنت أخيراً رفضها استخدام ممارسات القطع والحرق في مزارعهم بإندونيسيا في محاولة لمكافحة ورفض الضباب الدخاني.
 

حماية البيئة في "آسيان"

على الجانب الآخر، فإن دولاً في جنوب شرقي آسيا سعت إلى حماية البيئة والمناخ من خلال اتباع سياسات تعزز الاستدامة ومجابهة التغير المناخي. ففي إطار سعي سنغافورة إلى محاربة تلك الظاهرة والحفاظ على مستقبل أكثر نظافة للبيئة، أعلنت عن خطتها البيئية لعام 2030 في فبراير (شباط) الماضي، وجاء فيها التأكيد على العمل على زرع مزيد من النباتات بطول الطرق لتقليل درجة الحرارة المحيطة وتعيين متنزهات طبيعية، كما تتبنى سياسات حازمة قانونياً في حماية نظامها البيئي خاصة بالنسبة إلى المحميات الطبيعية مثل محمية بوكيت تيما، ومحمية مستجمعات المياه المركزية.
وفي فيتنام، أعلنت وزارة الزراعة والتنمية الريفية هذا الشهر عن مشروع لزراعة مليار شجرة جديدة بنهاية عام 2025 لتحقيق نمو البلاد المستدام. وستزرع البلاد 690 مليون شجرة في الأماكن الحضرية والقروية، بينما ستزرع البقية في الغابات المحمية الخاصة والإنتاجية. وتستهدف الحكومة هذا العام زراعة 182 مليون شجرة، ويزيد العدد في الأعوام المقبلة ليصل إلى 205 أشجار كل عام حتى عام 2025. كما دشن الرئيس الفيتنامي، الأسبوع الماضي، احتفال زراعة الشجر، وهي مبادرة كان قد أطلقها الرئيس الأول لفيتنام، هو تشي منه، وهي بمثابة تقليد استمر لمدة 60 عاماً، ويهدف إلى تشجيع التشجير وحماية الغابات والمساهمة في التنمية الوطنية.

وفي الفيليبين، أعلنت مدينة سيبو أنها تستهدف زراعة آلاف الأشجار في مقاطعة ماونتين، وصدرت المبادرة عن الشرطة الوطنية في المنطقة للمساعدة في حماية البيئة. كما زرِعت العام الماضي 8 ملايين شجرة على مدار خمسة أعوام في جزيرة نيجروس الفيليبينية من ضمن مبادرة زراعة عشرة ملايين شجرة خلال عقد كامل.

وأطلقت تايلاند المرحلة الأولى من مشروع حديقة بينجاكيني في فبراير الحالي، وهو المشروع الذي يمتد على نحو مساحة 105 هكتارات لإنشاء غابة حضارية، ويفترض الانتهاء من الخطة الكاملة للبناء في فبراير 2022.

كما أعلنت بروناي عن استراتيجية لتقليل انبعاثات الكربون من خلال زراعة نصف مليون شجرة بحلول عام 2035. وفي يناير الماضي، نظمت وزارة الطاقة أولى الفعاليات الوطنية لدعم الاستراتيجيات لمكافحة التغير المناخي.

المزيد من بيئة وجيولوجيا