Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأسلحة النووية وعقيدة تصدير الثورة الإيرانية

النظام السياسي في طهران من إطلاق الشعار إلى تصنيع الأدوات واختراق الأوطان وتحقيق الهيمنة الأيديولوجية

تصدير الثورة وانتشار الهلال الشيعي سياسة مشتركة تتفق عليها جميع التيارات السياسية داخل الحكومة الإيرانية (غيتي)

قامت حكومة "الجمهورية الإسلامية في إيران"، منذ بداية ثورة 1979، على أساس نظام سياسي عابر للحدود عرف بـ"تصدير الثورة"، وحتى اليوم، أي بعد مرور 42 عاماً، لم يتخلَّ النظام الحالي عن تلك السياسات، بل اغتنم كل فرصة لنشرها. تلك الإجراءات نتجت منها حكومة إيرانية مختلفة عن بقية الحكومات المتعارف عليها في العالم، لا نستطيع قياس سلوكها بالمنطق السياسي الطبيعي المتعارف عليه في العلاقات الدولية.

ووفق المتعارف عليه في السياسة الدولية، تتأسس الحكومات لضمان أمن ورفاهية شعوبها، لكن يبدو أن الحكومة الإيرانية منذ البداية، حددت هدفاً آخر لنفسها، وللشعوب القابعة تحت حكمها، بل وللشعوب الأخرى في البلدان المختلفة. ويعد هدفها هو قيام حركة عالمية على حساب الشعب الإيراني، وتنفق الثروة الوطنية لتحقيق ذلك الهدف.

ذات مرة، قال وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، في مقابلة، عندما سأله أحد المحاورين عن سبب الخلاف بين إيران وبعض الدول، في إشارة إلى هذا الهدف: "الشعب الإيراني قرر أن يعيش بشكل مختلف". وبالطبع، أثارت تصريحاته ردود فعل كبيرة من قبل الإيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي.

دستور تصدير الثورة

لمعرفة كافية عن هدف الحكومة الإيرانية يكفي الرجوع إلى دستور "الجمهورية الإسلامية"، وهنا نقرأ صراحة: "الدستور بحسب المضمون الإسلامي للثورة الإيرانية – التي كانت حراكاً لنصرة المستضعفين على المستكبرين - يفسح المجال لاستمرار تلك الثورة داخل البلاد، وخارجها، وبخاصة في توسيع العلاقات الدولية، فهي تسعى جاهدة مع الحركات الإسلامية والشعبية الأخرى لتمهيد الطريق لتشكيل أمة عالمية واحدة".

كما يوضح الدستور الإيراني مهام الجيش والحرس الثوري: "يتشكل جيش الجمهورية الإسلامية وقوات الحرس الثوري وفقاً للغرض المذكور أعلاه، ليس فقط لحماية وحراسة الحدود، بل أيضاً سيكونون مسؤولين على أساس عقيدة الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل بسط حكم القانون في العالم".

كذلك استخدم الخميني، مؤسس النظام في إيران، منذ الأيام الأولى للثورة، مصطلحات مختلفة عن زعماء وقادة العالم، وشدد الخميني على مفهوم الأمة الإسلامية خارج حدود الوطن، وأطلق عليه أتباعه لقب "إمام المستضعفين" في جميع أنحاء العالم. تحدث كذلك عن نوعين من الإسلام هما "الإسلام المحمدي النقي أو الخالص"، الذي قدم نفسه على طريقه، و"الإسلام الأميركي"، وروج بأن القادة العرب يسيرون على النهج الأخير.

بحسب الخميني، فإن زعماء الدول العربية كانوا بمثابة "ماريونيت" ودُمى بيد القوى المتغطرسة بزعامة أميركا. لهذا السبب كانت إسرائيل عقبة كبيرة أمام تشكيل حكومة عالمية موحدة، وكذلك الحكومات العربية، كان لا بد من إطاحتها. كما اقترح الخميني طريقة لإزالة تلك العقبة. وكان يعتقد أنه مثلما ثار الشعب المسلم في إيران على حكم الشاه الذي سماه الطاغوت، كذلك على الشعوب المسلمة في الدول العربية أن تثور ضد زعمائها.

"حرس" عابر للحدود

جعل الخميني الدعم المالي والعسكري لأعمال الشغب في الدول العربية إحدى الركائز الأساسية لسياسة إيران الخارجية، والتي استمرت حتى يومنا هذا، وهي مدرجة رسمياً في الميزانية السنوية للبلاد تحت عناوين مختلفة. ووصف أعمال الشغب بـ"حركات التحرر". وتنفيذاً لأمره، أنشأ الحرس الثوري وحدة عابرة للحدود، تحمل الاسم نفسه، كان يقودها مهدي هاشمي، الذي كان مرتبطاً قبل الثورة، بجماعات مسلحة في لبنان وليبيا. وبعد سنوات، أعدم هاشمي بسبب خلافات داخلية للنظام، وتغير اسم وحدة "جبهة التحرر" التابعة للحرس الثوري إلى "فيلق القدس".

الحرب العراقية - الإيرانية في البداية فتحت الباب أمام الخميني لتدعيم فكرته عن تشكيل حكومة عالمية. كان يعتقد أنه في هذه الحرب، سيضرب عصفورين بحجر واحد. سيسقط صدام حسين، أحد أقوى القادة العرب في ذلك الوقت، ويقود الحرب إلى تدمير إسرائيل. من وجهة نظر الخميني، لم تكن هناك نهاية للحرب ما لم تغزُ الحكومة الإسلامية تحت قيادته العالم. لهذا السبب، لم يقبل أي مقترحات للسلام - ولا حتى عرض الحكومة السعودية بالتعويض - وشدد على الحاجة إلى القتال.

 

ماكينة الدعاية 

أطلق الخميني ماكينة الدعاية بكل قوة لنشر شعارات مثل "الطريق إلى القدس يمر بكربلاء"، و "الحرب الحرب لإنهاء الفتنة في العالم"، لكنه سرعان ما أدرك أن القوة العسكرية الإيرانية لا تستطيع تحقيق أحلامه، ووصف الحرب بأنها نعمة واستمر فيها حتى أجبر على شرب "كأس السم"، على حد تعبيره، وإنهاء الحرب بتبني قرار مجلس الأمن رقم 598.

بعد انتهاء الحرب، وبداية قيادة خامنئي، وعلى الرغم من استمرار أيديولوجية تصدير الثورة بشكل أكبر، فقد تغير شيئان؛ أحدهما أن خامنئي، كان لديه عديد من المعتقدات الطائفية المتشددة، وصاغ سياسته الخارجية على أساس تفوق الشيعة على السنة. كما عمل على تسخير القومية الإيرانية لخدمة أيديولوجية تصدير الثورة.

 الهلال الشيعي

على الرغم من معاداة الخميني للعرب، فإنه لم يكن مهتماً بالقومية الإيرانية، لكن بعد وفاته، نمت القومية الإيرانية، التي كانت متجذرة في معاداة العرب منذ عهد الشاه، وتدريجياً أصبحت أداة قوية في الدعاية الحكومية. واستطاعت الحكومة مستغلة العرق القومي الشعبي، أن تتقدم في سياساتها لنشر الهلال الشيعي، وما يسميه خامنئي "محور المقاومة".

تصدير الثورة وانتشار الهلال الشيعي سياسة مشتركة تتفق عليها جميع التيارات السياسية داخل الحكومة. كل من المحافظين والإصلاحيين يؤكدون ذلك. علي يونسي، القيادي الإصلاحي، ووزير الاستخبارات في حكومة خاتمي، ومستشار حسن روحاني، قال: "بكل فخر واعتزاز عادت إيران إلى الإمبراطورية، وأصبحت عاصمتها العراق". وأضاف أن إيران تسيطر الآن على أربع عواصم كبرى في الشرق الأوسط هي: (بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء).

ويوصف قاسم سليماني في أوساط الإصلاحيين والمحافظين بأنه بطل قومي، كما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من القوميين المعارضين للنظام الإيراني والنظام الملكي، إذ يرون فيه ما يجلب الفخر لإيران. وقد قارن قاسم سليماني نفسه بمختار الثقفي (القرن الأول الهجري). وقد قاد مختار تمرداً للثأر من مقتل الحسين بن علي بعد سنوات قليلة من حادثة عاشوراء. ورأى سليماني نفسه على أنه النسخة الحديثة للمختار، ورسالته "الدفاع عن الشيعة في العالم".

وعود خامنئي

عندما وصل خامنئي إلى السلطة، أبدى رغبة بالتدخل في الخارج، وتركزت سياساته الإقليمية على تحريض المجتمعات الشيعية في المنطقة، وبخاصة في السعودية والبحرين، وذلك للوقوف في وجه حكوماتهم السنية.

يرى خامنئي أن الوعد الإلهي سيتحقق حينما يستعيد الشيعة سيادتهم على الأمة الإسلامية. وفي وجهة نظره هنالك حق منتهك منذ وفاة نبي الإسلام. وتقول الرواية التي يروج لها النظام الإيراني، إن الشيعة استبعدوا من الحكم لأربعة عشر قرناً، لكن الآن يرى خامنئي نفسه الزعيم الذي استطاع إعادة الحكم، ويسعى لبسط هذا الحكم في العالم.

يعتقد خامنئي أن الولايات المتحدة أصبحت ضعيفة منذ عهد أوباما، ويرى أن هذا الضعف علامة مهمة على قرب تحقيق "وعد الله". بمعنى آخر، يعتبر نفسه الشخص الذي أوكلت إليه مهمة إلهية، وتمكن من الانتصار على أميركا - الشيطان الأكبر - في الأراضي الإسلامية. وهو الأمر الذي سعى إليه سلفه الخميني. على هذا الأساس، قال خامنئي إن "إسرائيل لن تدوم أكثر من 25 سنة مقبلة"، من هذا المنظور فإن تدمير إسرائيل جزء من نفس الوعد الإلهي الموكل لخامنئي وخليفته في المستقبل طبقاً لعقيدة النظام الإيراني.


أيديولوجية "آخر الزمان"

يروج النظام منذ بداية حكم خامنئي لأيديولوجية "آخر الزمان". وتعتبر أيديولوجية آخر الزمان أن العالم مكان مليء بالظلم الذي سينتهي بقدوم المهدي الموعود، وتنتهي بمعركة الحق ضد الباطل، وتقوم القيامة. حتى ذلك الحين، من واجب أنصار النظام الاستعداد لظهور المهدي. وبهذه الطريقة يعتبر خامنئي نفسه قائداً ثورياً وجديراً بأداء هذه المهمة بأفضل طريقة ممكنة.

تعود جذور أيديولوجية "آخر الزمان" إلى ما قبل ثورة 1979. وتعززت هذه الأيديولوجية من خلال منظمة تسمى "جمعية الحجتية المهدوية". واتبعت هذه الجمعية نهجاً غير سياسي في بداية تشكيلها، لكن بعد الثورة، وبسبب الحاجة إلى قوى دينية تكنوقراطية في المكاتب الحكومية، مهدت الطريق لوجودها في السلطة، وشغل أعضاؤها مناصب حكومية مهمة.

أصبح حضور أعضاء "جمعية الحجتية" مشهوداً في أركان السلطة، وبخاصة وزارة خارجية الجمهورية الإسلامية. بطريقة ما، كان معظم وزراء الخارجية السابقين والحاليين في الحكومة - علي أكبر ولايتي، وكمال خرازي، وجواد ظريف - سواء كانوا أعضاء رسميين في الجمعية، أو على صلة بها. بالنظر إلى هذه النقطة المهمة، والتي غالباً ما يغفلها المراقبون الأجانب، فإن الجهاز الدبلوماسي الإيراني يعتبر أيضاً النظام العالمي الحالي مؤقتاً، ويعتبر من واجباته تسهيل الاستعدادات لظهور المهدي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

البرنامج النووي للهيمنة على العالم

بالنظر إلى هذا النهج - في كل من الجهاز الدبلوماسي الرسمي لإيران، وفي الحرس الثوري الإيراني - من الأفضل أن نفهم ما هو هدف الحكومة الإيرانية من برنامجها النووي؟ إذا اعتقدنا للحظة أن البرنامج النووي للحكومة الإيرانية، بأيديولوجيته "آخر الزمان"، هو لأغراض سلمية، فقد ارتكبنا خطأً كبيراً. الخطأ الأكبر من هذا هو افتراض أن الحكومة الإيرانية تسعى لامتلاك سلاح نووي "لردع" أو لتحقيق توازن مع إسرائيل كقوة نووية.
مع هذا، يؤكد قادة النظام الإيراني أن أنشطة البلاد سلمية في المجال النووي.

الفهم الدقيق للأسس الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية المنصوص عليها في الدستور، والذي ينعكس بدوره على السلوك الإقليمي للحكومة، يقودنا إلى قبول واقع خطير ومثير للقلق، وهو أولاً: إن غرض إيران من امتلاك سلاح نووي غرض عسكري، وثانياً: تسعى إيران لامتلاك سلاح نووي بهدف المواجهة من أجل تحقيق مبادئ عقيدتها.

ويحذر الخبراء النوويون من الدول التي تسعى لصنع أسلحة نووية بسبب قدرتها على إيجاد دمار هائل، لكن يجب أن يخشى المرء من يوم يصبح فيه هذا السلاح بيد رجل مجنون لديه رغبة في إنهاء العالم. نحن في وضع خطير الآن، إن النظام الذي يرى مهمته تشكيل حكومة إسلامية عالمية، وأمة إسلامية واحدة، يتجه بسرعة نحو امتلاك أسلحة نووية.

المزيد من آراء