Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فرجينيا وولف تخرج من غرفتها لتزور مي زيادة في صالونها المصري

سعاد العنزي تكتب دراسة مقارنة عن نقاط الإلتقاء والإختلاف بين كاتبة انجليزية وأخرى عربية

الكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف (غيتي)

ذهبت الكاتبة الكويتية سعاد العنزي في كتابها الجديد "نساء في غرفة فرجينيا وولف" نحو تقديم دراسة نقدية مقارنة، ما بين فرجينيا وولف ومي زيادة، على مستوى الحياة الشخصية، والجهود النقدية النسوية المبكرة. ورصدت أستاذة النقد الأدبي في جامعة الكويت نقاط التقاء عديدة بين الكاتبتين في أكثر من جانب، لعل أهمها ما يخص معاناتهما الإنسانية، ورؤاهما النقدية النسوية المبكرة، والتي لم تُجمع في سياق نقدي واحد كما تشير العنزي. ففي الواقع كان ثمة تشابه كبير بين الكاتبتين، لدرجة دفعت المؤلفة للتساؤل عن مدى معرفتهما بعضهما ببعض، فكلتاهما قدمتا فكراً متقارباً، وأثراً مختلفاً في الفضاء الذي تنتمي إليه كل واحدة منهما.

وتعود الناقدة الكويتية في كتابها الصادر، أخيراً، في دمشق عن "دار نينوى" إلى العديد من المراجع والمصادر والدوريات الأدبية والنقدية، المكتوبة منها بالعربية أو المترجمة إليها أو حتى تلك المكتوبة باللغتين الفرنسية والإنجليزية، معتبرة أن التقاء مي زيادة بفرجينيا وولف سابقة فريدة من نوعها، لكون النساء يملكن حكايات مشتركة من قهر وحرمان وعزلة، وصولاً إلى حواف الجنون والموت انتحاراً.

تذهب الأكاديمية الكويتية لمقاربة جهود وولف وزيادة، والحديث عن أهم عوامل الالتقاء بينهما، فهما كاتبتان تنتميان لعصر واحد. فقد ولدت فرجينيا وولف في 25 يناير (كانون الثاني) 1882، وتوفيت في 28 مارس (آذار) 1941، أما مي زيادة، فقد ولدت في 11 فبراير (شباط) 1886، وتوفيت عام 1941 في العام ذاته لوفاة وولف، وهذا يعني أنهما عاشتا في الفترة الزمنية نفسها، بكل ظروفها السياسية وحروبها العالمية، والتغييرات الاجتماعية والاقتصادية المهمة آنذاك، سواءً في المملكة المتحدة، أو في مصر. ففي هذه الفترة الزمنية - كما تشير العنزي - طرأت مفاهيم جديدة على الثقافة، أتاحت فرصة التفكير في صورة المرأة والهوية الإنسانية بطريقة مختلفة عن المألوف.

وتقارن الكاتبة من ناحية الطبقة الاجتماعية عند كل من الأديبتين، ففرجينيا وولف نشأت في أسرة غنية، من علية الطبقة المتوسطة، والأمر ذاته نجده عند مي زيادة، فهي كذلك من أسرة ميسورة الحال، لأب مثقف وكاتب، أعطاها امتياز إحدى الصحف. وهذا ما تطرق إليه الكتاب مقاطعاً ظروف حياتهما، وصولاً إلى الذروة التراجيدية المؤلمة؛ وذلك في الموت انتحاراً بالنسبة لوولف، وشبه الانتحار بالنسبة لمي زيادة. فإذا أراد قوم فرجينا وولف إنقاذها من الموت والجنون بكل ما أوتوا من قوة، فالظروف الاجتماعية والعزلة والتجاهل الثقافي قادت مي إلى الموت؛ مثلما قادتها مشاعر الخيبة والخذلان والصدمة النفسية القاسية إلى الانهيار، والانعزال عن كثر من المحيطين بها، إلى أن وصلت إلى الموت كمداً وخيبة من محيطها الثقافي وذويها على حد سواء.

وتشير الكاتبة إلى أن كلاً من الكاتبة الإنجليزية والكاتبة اللبنانية - المصرية بحثتا في تناقضات الثقافة الذكورية، ونقدتاها نقداً عقلانياً، موضحة التحيزات الذكورية ضد المرأة، ووضع المقارنات والمفارقات الحادة التي أنتجتها أفكار الفلاسفة، مثلما قوضت أفكار أفلاطون وأرسطو المرأة. ومن أهم أمثلة التشابه الدقيق فيما بينهما - كما تورد المؤلفة الكويتية - أن فرجينيا كتبت عن أخت شكسبير المتخيلة، وفي المقابل كتبت مي عن فيلسوفة في القرن الرابع الميلادي، قامت بدور مشابه، فقوبلت بالجحود والنكران.

المسكوت عنه

وكانت كل من فرجينيا وولف ومي زيادة، مهتمتين بتوظيف كتابتهما لخدمة المرأة وقضاياها، لدرجة أنهما تدخلان موضوع المرأة في أي قضية أدبية، وهذا يعني محاولة تأكيدهما موضوع المرأة في كل سياق. الأمر اللافت، أن كلاً من وولف وزيادة، لم تتعرضا لأي قهر ذكوري بسبب البيئة المنفتحة التي تنتمي إليها كل منهما، مما أعطى كتابتهما سمة أنها ليست نتاج رؤى واقعة تحت وطأة التجربة الشخصية والمعاناة.

فرجينيا وولف من خلال أعمالها مثل "غرفة تخص المرء وحده" و"القارئ العادي" و"ثلاثة جنيهات"، ومي زيادة في ثلاثيتها النسوية الشهيرة "عائشة تيمور"، و"باحثة البادية" و"وردة اليازجي"، وبقية رؤاها النسوية المنتشرة في مقالاتها الصحافية ومؤلفاتها المتعددة. وبالنسبة للدراسات النقدية والثقافية في العالم العربي، تؤكد الناقدة الكويتية أنه لو أعيدت قراءة مي زيادة في ضوء المعطيات النقدية الحديثة، فسنجد أنها لا تقل أهمية عن أي كاتبة غربية، قدمت إنجازاً حيوياً مهماً في الفترة التي ظهرت فيها، مثلها مثل فرجينيا وولف، وسيمون دي بوفوار، وسيلفيا بلاث، وغيرهن من الكاتبات والمفكرات، اللاتي أضفن كثيراً للثقافة الإنسانية اليوم.

تلفت العنزي إلى أن طبيعة التنميط للدراسات التي تناولت مي زيادة، واختزالها بشكل انطباعي مبتسر لجهودها تثير الاستغراب والذهول، على الرغم من تأثر النقد الأدبي العربي في عصر زيادة وما بعده بتيارات ومناهج نقدية أدبية متقدمة. فالمسكوت عنه - كما تشير المؤلفة - في حالة مي يعري ويفضح هذا التجاهل النقدي الذي عوملت به كتبها وجهودها الفكرية، فلم تقارب نقدياً بما يليق بمنجزها الفكري والنقدي قط عن قصد وعن غير قصد.

ويثير كتاب "نساء في غرفة فرجيينا وولف" قضية عدم اطلاع الأجيال الجديدة على أدب مي زيادة، لتجاهل النقد الأدبي لها، ولتجاهل المؤسسات العربية الرسمية لها. فحتى مؤلفة الكتاب تعترف بأنها تعاملت شخصياً مع مي زيادة بهـذه الطريقة، وذلك عن جهل بما يجب أن تكون عليه طبيعة تلقي مي زيادة في السابق. فكلما ذكرت مي، كانت العنزي تعتقد أنها دُرست بشكل جيد، وأشبعت درساً وتحليلاً، لدرجة لا يمكن أن يكون عندها مجال لباحث متأخر، أن يضيف شيئاً على ما تمت دراسته. ولكن، وبعد إصدار رواية واسيني الأعرج "ليالي إيزيس كوبيا" - الاسم المستعار لمي زيادة، والذي سلط فيه الأعرج الضوء على معاناة زيادة، أسهمت روايته في إعادة قراءة تجربتها، وكشف أسرار تنشر لأول مرة، بعد رحلة بحث مكوكية، ومغامرة أدبية بوليسية، من أجل العثور على المخطوطة الضائعة لمي زيادة، والتي حملت عنوان "ليالي العصفورية". ومنها اشتق واسيني عنوان كتابه "ليالي إيزيس كوبيا... ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية".

وتوضح فصول هذا الكتاب، كيف تكونت عندهما الرؤية الفكرية، بأن نهلتا من المنابع الفكرية والثقافية، ورموز الفلسفة والفكر العالمي نفسها، على الرغم من انتماء كل من وولف وزيادة لعالمين مختلفين. كما يركز كل فصل من فصول الكتاب، على أهم طرق تلقي الأديبتين الفكر والثقافة، وتمكنهما اللغوي من حيث اللغات المتعددة التي أتقنتها كل منهما، والكتب والإنجازات والمدارس الفكرية، التي انتميتا إليها، وعلى التزام كل من الكاتبتين الفكري والأخلاقي، تجاه قضايا الوجود.

الغرفة الإنجليزية والصالون العربي

يلقي الكتاب الضوء في الباب الثالث منه على موضوعات نسوية، ناقشتها كل من وولف وزيادة، واعتمدت الكاتبة الكويتية على كتاب "الغرفة" لفرجينيا وولف، ووقفت على أهم النقاط المشتركة بين المرأتين، التي تتركز على حقوق المرأة بشكل عام، وقضايا الكتابة الإبداعية بشكل خاص، محللة جهودهما الفكرية المتنوعة، وكتاباتهما النسوية الخاصة بأدب المرأة. تناولت الدكتورة العنزي في دراستها اللافتة كتاب "غرفة تخص المرء وحده" بترجمة السوري عهد صبيحة، وكتب النسائيات، التي كتبتها مي زيادة. وتبع ذلك تحليل لإشكاليات كتابة المرأة، وكيف نظرت لها كل من فرجينيا وولف ومي زيادة؛ مثل غياب المرأة عن التاريخ، وصورة المرأة في الأدب، والكتابة بأسماء مستعارة.

ومثلما انتقدت فرجينيا وولف الثقافة الأبوية، التي كانت مهيمنة في القرن الثامن عشر، من خلال بعض العادات، كمنع المرأة من التحصيل الجامعي، أو المشاركة في الاجتماعات العامة بالمقاهي والنقاشات الفكرية التي كانت تحدث آنذاك، كانت مي شعلة من النشاط، سواء في الكتابة أو في الترجمة ونشر المقالات، والمشاركة في المحاضرات، إضافة إلى صالونها الأدبي في القاهرة، والذي كان ظاهرة ثقافية لافتة في ذلك الزمن. فإلى جانب التزامها النسوي، كانت مي أيضاً ملتزمة التزاماً اجتماعياً وسياسياً، وتأخذ مواقف الالتزام، والذي تمثل وقتها بمقاطعة المنتجات الفنية، وغيرها، للدول المعادية للسامية والقيم الإنسانية.

وذكرت مي في يومياتها التزامها القضايا الإنسانية، ومعاداتها للمنتجات الألمانية قائلة "إني منذ إشهار الحرب أتحاشى كل ما هو ألماني، من مؤلفات وموسيقى وفنون. إن ألمانيا التي تدوس حقوق الضعفاء، وتتبختر على الأقوياء، وتفتك بالأطهار والأبرياء، ألمانيا الضخمة، التي تحاول هدم مدنية شيدتها مدنيات، لا تستحق أن تكرم الآن بأفرادها، مهما كان أولئك الأفراد عظماء وأبرار".

مثلها كتبت فرجينيا وولف ملاحظات عابرة في مذكراتها ورسائلها، معبرة عن كراهيتها للحرب وعدتها وعتادها، ولا معقولية العقلية العسكرية. ففي فترة الحرب علقت وولف على الغارات الجوية، وإطلاق نيران البنادق، والتقت السجناء الألمان. الأمر الذي كان تجربة، أسهمت بإحداث موجة اكتئاب في رواياتها. ففي عام 1919، قامت وولف بالمشاركة بحملة معلنة فيها شعار "الحرب العظيمة من أجل المدنية" لإنشاء مدينة بمفاهيم جديدة، إذ كان هناك اعتقاد شهير في جماعة بلومزبري، والذي أعلن في بيان لها عن انهيار المدنية بمفاهيمها القديمة، ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. أما في ما يخص الكتابة عن الحرب، فلقد تحدثت وولف عن عدم قدرتها على الكتابة عما لا تعرف شيئاً عنه، لكنها استطاعت خلال كتابتها، خلق رواية مؤثرة عن صدمة أوجنون الحرب بعنوان "مسز دالواي" تمثيلاً لا حصراً.

في المقابل، من يطلع على إنتاج مي زيادة في مقالاتها الصحافية على وجه الخصوص، سيجد لديها فكرة تكوين الأمة العربية وبنائها، ودفاعها عن قضايا الإنسان العربي بشكل عام، والمرأة بشكل خاص. فإضافة إلى مقاطعة زيادة لمنتجات الدول المعادية للسلام، اتضح التزامها السياسي في عدد من الأوجه، أولها: رسائلها لأعلام عصرها من الرموز السياسية ورواد الحركات الإصلاحية، ورواد الثقافة في الوطن العربي. وتخبرنا العنزي أن من يقرأ رسائلها التي جمعتها سلمى الكزبري في كتاب، سيلتقط فورياً، أنها كانت على صلة وثيقة بقضايا القومية وحركات التحرر ومناهضة قوى الاستعمار، مثل مراسلاتها مع المجاهد السوري شاهين الخازن. ولعل أحد أهم أوجه أنشطتها الثقافية، هو صالونها الأدبي، الذي بدأ في ليلة 24 أبريل (نيسان) عام 1913، وكان يقام، الثلاثاء، من كل أسبوع. ويذكر الكتاب وصف الكاتب اللبناني جميل جبر أهمية صالون مي زيادة "مساء، كل ثلاثاء، يتحول منزل والدها إلياس أفندي زيادة، صاحب جريدة المحروسة إلى منزل فخم في باريس".

ولقد استمر صالونها الأدبي عشرين سنة، وكان يجتمع فيه المثقفون، ويناقشون عدداً من القضايا الفكرية والثقافية، وكان مكاناً، يتم فيه التشاور والترتيب، بشأن الفعاليات الثقافية العامة في مصر، مثل ترتيب الاحتفال بالعيد الخمسين لجريدة "المقتطف".

ولعل إحدى أبرز سمات صالونها الأدبي، أنه كان صالوناً ديمقراطياً - على حد وصف طه حسين له - ومن ينظر لرواد صالون مي، يجد أنه كان صالوناً عربياً وكونياً إنسانياً بامتياز. فرواده كانوا سوريين ولبنانيين ومصريين، وكذلك من المستشرقين الأوروبيين، ومن أشهرهم: الأب انسطاس الكرملي، وماسينيون المستشرق الصوفي. وكانوا يتحدثون فيه بلغات مختلفة، ولهجات عربية متعددة، ما يعني، أنه كان مكاناً حمل سمات الكونية، ومن بين أهم موضوعاته التي ناقشها، هو طريقة تطوير اللغة العربية، وتجسير الفجوات بين الفكرين الغربي والشرقي من خلال الترجمة، وبحث موضوع المرأة وسبل تحررها ونهضتها.

وفي جانب الالتزام السياسي، تبرز الكاتبة العنزي كذلك التزام مي زيادة وارتباطها العضوي بقضايا المرأة. إذ انضمت إلى الحركة النسوية، وهي التي بادرت بالانضمام إلى حركة هدى شعراوي النسوية ومبادراتها اللافتة فيها، ومن ثم، وعلى وجه الخصوص، مقالاتها الصحافية في النقد الاجتماعي الإصلاحي، وكتاباتها الطليعية في النقد النسائي. فكانت أول ناقدة نسوية في العالم العربي، ولعل من أهم الأمثلة على ذلك، ترؤسها القسم النسوي في صحيفة "البلاغ".

وتشبه الكاتبة مشهد الحراك النسوي الإنجليزي بالمناخ الفكري والثقافي، والذي تحركت فيه الناشطات النسائيات في العالم العربي عشرينيات القرن الماضي، وترأستهن كل من هدى شعراوي، ونبوية موسى، ومي زيادة، وغيرهن من الناشطات، اللاتي كن يطالبن بالقضايا نفسها تقريباً، وفي فترة زمنية متقاربة نوعاً ما.

رجل من ضباب اسمه جبران

وفيما كان من الطبيعي لشخصية مثل مي زيادة اتسمت بالتفرد والنبوغ والفكر الحر الجريء، أن تحول نظرها ومشاعرها إلى فارس يمتلك قيم الفروسية، كما النبوغ والاختلاف. وأن يكون الالتقاء بهذا الفارس غير ممكن ولا متأت بسهولة، لكي يزداد الشوق وتتألق المشاعر، وتعيش الحب الرومانسي في ذرى عذوبته وعذابه، ووصله وفراقه، بعده وقربه. والمعادلة الصعبة هنا أن تكون مي محبوبة شاعر النساء المحاط بكثيرات، وأن يحب شاعر دون جوان موهوب، كاتبة عشاقها كثر، مثلما تفسر غادة السمان هذه العلاقة الملتبسة: "إن العزلة الداخلية المروعة لمي، جعلتها تهرب من المناخ الروحي الخانق للمعجبين بقشرتها، إلى عالم حقيقي خيالي في آن معاً. فأحبت رجلاً من وهم وضباب ومسافات كان اسمه جبران خليل جبران".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بإمكان المرء، أن يقابل بين صورة فرجينيا وولف، التي وصل بها الحال إلى أن تكون مريضة عقلياً بشكل رسمي، فصبر عليها مجتمعها وزوجها وأسرتها، وتحسنت حالتها، لتنتج روائعها الأدبية، وبين الوضع الذي اقتيدت إليه مي زيادة، وهي في أربعينياتها، وفي كامل قواها العقلية، وذروة إنتاجها الأدبي، مع أثقال روحها المحملة بالحزن والفقد إلى المصح العقلي لإعلان جنونها، والحجر عليها من ذويها، وقتل ما تبقى لها من مشاعر وأحاسيس الكرامة والإباء، التي عاشتها كل عمرها، وهي تدافع عنها وتحافظ عليها. مفارقة، تكشف أزمة عالمين، عالم متطور ومتقدم، يحترم نساءه، وعالم آخر يقتاد نساءه إلى قاع البؤس، ومتاهات الجنون، ومهالك القسوة والظلم والاستبداد.

تدرس الكاتبة العنزي المرحلة الأخيرة من حياة كل من وولف وزيادة، وأثر اضطرابات ما بعد الصدمة على حياة كل منهما. فرغم اختلاف الظروف الاجتماعية، التي صنعت أزماتهما الشخصية، وقادتهما لاختيار الموت الحقيقي، أو الموت الرمزي والصمت الثقافي، إلا أنهما في نهاية المطاف، واجهتا المصير ذاته، حيث شكل الجنون مرحلة مهمة من حياة وولف، وتألف من مجموعة من الأحداث الحزينة. ومن جانب آخر نستطيع عد حادثة اعتداء أخيها غير الشقيق، واحدة من المحطات المؤثرة على نفسيتها، وعلى نظرتها للحياة الجنسية، ولوضعية المرأة الدونية في المجتمع الذكوري.

هنا يسلط الكتاب الضوء على تأثير حادثة اغتصاب وولف من قبل إخوتها غير الأشقاء جورج وجيرالد دونكثرون، فبعد هذه التجربة المؤلمة، حاولت أن تتبنى هموم المرأة بشكل عام، والأخطار التي تداهم المرأة بشكل خاص. ويوضح الكتاب سبب صداقتها العميقة مع النساء، وارتباطها بهن، مثل صديقتيها سالي وفيتا ويكسلن، إذ قامت بتشخيص الألفة بين النساء، سواء من حيث موضوع الحساسية الجنسية، أو من خلال تحالفات الصداقة، والتحول الذاتي والسياسي. وكانت كل هذه الأساليب، طريقة استخدمتها وولف، لمعارضة أي شكل من أشكال القيود الاجتماعية المفروضة على حياة المرأة.

وبسبب الحرب العالمية الثانية وازدياد الظروف سوءاً، كانت هناك مجموعة من المخاوف المقلقة لفرجينيا وولف، وقد سيطرت عليها في الفترة الأخيرة قبل وفاتها، وشعرت أن حياتها وحياة زوجها مهددتان بالخطر، بسبب الهجمات النازية، لدرجة أن أخاها أعطاهما كمية من المورفين ليتناولاها، إذا ما تعرضتا لهجمة من النازيين بعد أن دُمر بيتهما في لندن.

المزيد من ثقافة