Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الطلاق في موريتانيا يهدد مستقبل الأطفال

ظاهرة خطيرة تسبب تفكك الأسرة وأسبابها كثيرة

لا يوجد شعب عربي يحتفي بالطلاق ويرفع شأن المطلقة مثل الشعب الموريتاني. (أ ف ب)

يمكن أن نعرف الطلاق بأنه تحلل الرجل والمرأة من عقد الزواج، وهو تصرف له انعكاسات سلبية في الغالب على الأبناء، لأنه يحرمهم مزايا العيش في كنف أسرة متماسكة، يبذل طرفاها الجهد في رعاية الأبناء ويمدانهم بدفء الحنان والعطف، والطلاق غير محبب في الديانات والثقافات، وما زال للعادات والتقاليد في المجتمعات العربية تأثير قوي في عملية الطلاق.

الطلاق في المجتمع الموريتاني

لا يوجد شعب عربي يحتفي بالطلاق ويرفع شأن المطلقة مثل الشعب الموريتاني، إذ لا تقل الاحتفالات والتكريمات التي تحظى بها المطلقة في البلاد عن تلك التي تحاط بها العروس، إذ تستقبل من طرف أسرتها بالتبجيل والتكريم والزغاريد، وفي المثل الشعبي، "انظيرو فكصير"، أي نظير الزوج المطلق الراغب في الزواج من المطلقة موجود.

 وحين تنتهي عدتها تنظم حفلاً تشارك في إحيائه صديقاتها، وكان من العادات السائدة أن يمول هذا الحفل رجل يسمى "لمحرش" أي المتحرش بالمرأة، والساعي لإغاظة زوجها السابق، وقد يقدر له أن يتزوج منها. ومن المفارقات الغريبة أن المرأة الموريتانية تعتز بفشلها الاجتماعي، وتفخر بتعداد زيجاتها، لأنها ترى ذلك مؤشراً على رغبة الرجال فيها، فتقول مثلاً "أنا أم تسعة طبول"، أي ضرب الطبل تسع مرات بمناسبة زواجي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن بعض المطلقات أصبح لديهن الوعي الكافي بالحقوق المترتبة على الطلاق، ولم يعد لديهن حرج في مقاضاة أزواجهن السابقين، فإن غالبية النساء ما زالت ضحية التخلف والانصياع للتقاليد، إضافة إلى أن شروط الطلاق في المدونة القانونية الموريتانية ضعيفة جداً، سواء في جانبها المتعلق بحقوق الأطفال أو حق المطلقة في التمتع، لأن الدولة لم تضع ملف الطلاق ضمن مشروعها المجتمعي إلا في وقت متأخر، إذ ظهر أول حديث جاد عن مخاطره ومعالجة آثاره ضمن مدونة الأحوال الشخصية التي صدرت عام 2001، أي بعد استقلال البلاد بـ 40 عاماً.

فضيحة اجتماعية

ويعتبر المجتمع استدعاء المطلقة الرجل أمام القاضي للحصول على الحقوق المترتبة على الطلاق فضيحة اجتماعية، كما أن العرف الاجتماعي يقضى بأن يبقى الأطفال مع أمهم التي تتولى أسرتها نفقتها ونفقتهم، وهذه العوامل كلها شجعت الرجل على الطلاق، وجعلته يمارسه لا باعتباره مسؤولية واستقراراً وتربية أطفال، وإنما باعتباره وسيلة لإشباع رغباته الشخصية.

سلطان قوي

تقول رئيسة مصلحة النزاعات الأسرية بوزارة المرأة والشؤون الاجتماعية، دليت بنت هدو، إن الطلاق في موريتانيا وصل حداً مخيفاً باعتبار ما يترتب عليه من حضانة وحقوق للأطفال ومتعة للزوجة، ولأن عادات وتقاليد المجتمع لا يزال لها سلطان قوي، فإن معظم النساء لا يلتزمن بالمسطرة التي تضمن لهن حقوقهن وحقوق أبنائهن، وتلك المسطرة هي أن أي زوج رغب في الطلاق عليه أن يصرح بذلك أمام القاضي بحضور الزوجة، وعلى القاضي أن يلزمه بنفقة الأطفال، وغالبية النساء لا تعي أهمية هذه المسطرة، أو تعتبرها مخالفة لمنظومة العادات، فتضيع بالتالي حقوق المطلقة والأطفال أيضاً. وتضيف أن حالات الخلاف الزوجي التي تصلنا في مصلحة النزاعات الأسرية تراوح نسبة الطلاق فيها بين 39 و41 في المئة.

وتقول رئيسة مصلحة الإعلام بوزارة المرأة والشؤون الاجتماعية مريم موسى، "إنه مع عدم امتلاكي أرقاماً دقيقة حول الطلاق، فإن كل المؤشرات توضح أن موريتانيا تتفوق على كل الدول العربية في هذه الظاهرة الخطيرة التي تسبب تفكك الأسرة وضياع الأطفال، ومن أهم أسبابه أن الزوج لا يشعر برادع يحول بينه وبين التسرع في الطلاق، والمؤخر لم تنص عليه مدونة الأحوال الشخصية الموريتانية، والثقافة السائدة في كثير من مكونات المجتمع تعتبر مطالبة المرأة بحق التمتع ونفقة الأطفال فضيحة".

وتوضح بنت هدو أن تخلف النساء وعدم وعيهن بحقوقهن يضيع عليهن الفرص، "لأن أي حكم بالطلاق صدر عن قاض يشكل بالنسبة إلينا سنداً قانونياً، ونرسل نسخة منه لإدارة الموازنة لتقتطع من راتب الزوج إن كان موظفاً نفقة الأطفال، لكن عدم وعي المرأة وتقاليد المجتمع تعقد المعالجة".

العنوسة والطلاق

يختلف مقياس العنوسة في موريتانيا من شريحة اجتماعية لأخرى، ففي حين تعتبر بعض الفئات الاجتماعية كل امرأة تجاوزت سن الـ 25 ولم تتزوج عانساً، فإن فئات أخرى تحدد سنّ العنوسة بـ 30 سنة، والعنوسة في موريتانيا حاضرة بقوة، وهناك عوامل تسهم في انتشارها وتفاقمها، ومنها تكاليف الزواج الباهظة التي تشكل حاجزاً اقتصادياً يحول من دون زواج كثيرين، وهذا العامل له تأثيره القوي في مجتمع المدينة، وله سلطانه القوي في مجتمع البادية والريف، وهو انحسار الزواج في دائرة أبناء العم.

 ومن العوامل أيضاً سعي المرأة إلى الحصول على زوج مكتمل الشروط، فنراها ترفض كل من تقدم لخطبتها لأنه لا يحمل صفات الكمال المطلق التي صاغها خيالها، ومع مرور الوقت يحجم عنها الرجال، ثم تتقدم في السن لتدخل دائرة العنوسة .

وباء

ومن الملاحظ أن المطلقة أكثر حظاً من العانس، إذ تجد امرأة تجاوزت الرقم السابع في عدد الأزواج، في حين أن من تجاوزت الـ 30 في الغالب تبقى في دائرة العنوسة، وإن بلغت الـ 40 سنة يبدأ المجتمع في تشويه سمعتها من خلال بعض الأساطير التي تخوف الرجال منها، فيقولون مثلاً إن عفريتاً من الجن تزوجها وهو يحتكرها لنفسه، ومن تجرأ على الزواج منها عرض نفسه لمعادات ذلك الجني الخطير.

ويشعر قادة المجتمع الموريتاني وسياسيوه ومثقفوه بما يعانيه الأطفال الموريتانيون من تشرد وفشل ذريع في الدراسة، مرجعه الأساس التفكك الأسري الناتج من الطلاق. وقد دقت وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التهذيب الوطني ناقوس الخطر، وبدأ الكل يشعر بضرورة معالجة الداء قبل أن يتحول إلى وباء.