Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البيروقراطية في الجزائر معاناة المواطن والمسؤول

"حرمت أبناءنا من تجسيد أعمالهم وتحقيق أحلامهم ودفعت كثيراً منهم إلى الهجرة"

وصف رئيس الوزراء الجزائري عبد العزيز جراد البيروقراطية بـ "العدو الأول" للإدارة (اندبندنت عربية)

تعددت الأوصاف بين المرض، والعدو، والاستعمار، واللعنة، والمتهم واحد، وهو البيروقراطية التي لا تزال تنخر مفاصل الأجهزة الإدارية في الجزائر، وتكبل مصالح العامة، وتحول دون تطور البلد، ما يمكن استقراؤه في تصريحات مسؤولين رسميين، باتوا يشتكون من هذه الآفة إلى جانب المواطن البسيط.

قتل للوقت

ارجع غداً، الملف غير مكتمل، المسؤول ليس هنا، عبارات شائعة ومتوقعة، بات يصطدم بها جزائريون في ممارساتهم اليومية، وهم يركضون بين مختلف الإدارات لاستخراج وثائق أو قضاء خدمة معينة، وتنتهي في مرات كثيرة بملاسنات كلامية.

وفي السياق ذاته، يقول المواطن الثلاثيني عبد المؤمن "تجربة استخراج الوثائق الإدارية البسيطة في الجزائر ليست جيدة، فما بالك بمشوار الإجراءات الإدارية اللازمة لتأسيس شركة أو للحصول على اعتماد من جهة ما لممارسة نشاط تجاري مقنن". وعن تجربته في تأسيس شركة ناشئة، أضاف "في البداية عليك أن تسأل أكثر من مرة عما يجب عليك فعله بالضبط، وهناك قصور في الاتصال، وشح في المعلومة المتعلقة بالإجراءات الإدارية، على الرغم من الجهود المبذولة في هذا الشأن من خلال رقمنة بعض الإجراءات وإتاحة المعلومات عبر مواقع رسمية على الشبكة، للاختلاف الموجود بين ما هو منشور على المواقع الرسمية وبين ما هو معمول به على مستوى الإدارات، أو حتى بين إدارة وأخرى". ويتابع "بعد ذلك، عليك أن تكون جاهزاً دائماً لمفاجآت كثيرة مهما كنت متأكداً من اكتمال أوراقك الإدارية، والشبابيك كثيرة هنا، بدلاً من الشباك الواحد المعتمد في هذا المجال في دول أخرى، والأمل يبقى في نجاح مسعى المضي قدماً في تعميم رقمنة عمل الإدارة وتوسيع المعاملات عبر الخط والدفع الإلكتروني أيضاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التذمر الجماعي

معوقات بيروقراطية ألقت بظلالها على كل القطاعات وحركتها، وبات الرسميون لا يخفون سخطهم من هذه الممارسات، ولم يخرج تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن هذا السياق عندما قال إن "العراقيل البيروقراطية حرمت أبناء الجزائر من تجسيد أعمالهم وتحقيق أحلامهم، ودفعت كثيراً منهم إلى الهجرة"، وذلك في لقائه مع مستثمرين شباب شاركوا في مؤتمر سنوي للمؤسسات الناشئة. ويعتقد تبون أن أشكال البيروقراطية والإجراءات البطيئة عرقلت الاقتصاد الوطني، موجهاً دعوة إلى الحكومة لرقمنة التعاملات الإدارية في كل القطاعات الاقتصادية والمالية لإزالة ما سماه "الضبابية المفتعلة" في هذه القطاعات، وتكريس الشفافية للنهوض بالاقتصاد الجزائري.

وضمن هذا السياق، وصف رئيس الوزراء الجزائري عبد العزيز جراد، البيروقراطية بـ"العدو الأول" للإدارة، في أحد لقاءاته مع رؤساء المحافظات، متحدثاً عن صدور قرارات عن الرئاسة والحكومة، لكنها لم تطبق على أرض الواقع، مستدلاً في ذلك بعدم صرف المنح المقررة لفائدة فئات من العمال الذين يقومون بجهود في مكافحة وباء كورونا، وهذا بسبب البيروقراطية، على حد تعبيره. ويذهب جراد إلى أكثر من ذلك في اعترافاته بالقول إن الاقتصاد لن يكون ناجحاً في ظل تفشي البيروقراطية التي تبقى من أكبر المشكلات التي تواجه البلد وترهن تطوره.

سلوكيات مريضة

على الجهة المقابلة، أقر وزير الدولة الجزائري، كريم يونس، أخيراً، بأن "هناك بيروقراطية معطلة وسلوكيات مريضة في الإدارة الجزائرية تتسبب في معاناة كبيرة للمواطنين"، مضيفاً "علينا أن نعترف بالنقائص الموجودة. المواطن الجزائري يمكنه أن يلتقي في بعض الأحيان وزيراً أو والياً، ولا يستطيع أن يلتقي عوناً إدارياً بسيطاً".

وتتمثل مهام الوسيط في الربط بين المواطن ومؤسسات الدولة، باستقبال شكاوى المواطنين والمشاكل التي يعيشها ورفعها للسلطات العليا للعمل على حلها.

وفي آخر بيان لها أصدرته بتاريخ 15 يناير (كانون الثاني)، وظفت نقابة قضاة الجزائر مصطلح "القهر البيروقراطي" احتجاجاً على تأخير وزير العدل، بلقاسم زغماتي، الذي يترأس المجلس الأعلى للقضاء، بتأخير الحركة السنوية للقضاة "من دون مراعاة مصالح القضاة الشخصية والعائلية". وأشار البيان إلى بقاء 53 قاضياً من دون مناصب منذ أغسطس (آب) 2019، ما يمثل إهداراً للموارد البشرية والمادية.

ووجدت البيروقراطية موطئ قدم حتى في أزمة كورونا، ففي مراسلة وجهها إلى الحكومة الجزائرية، دعا النائب نور الدين بلمداح، وهو ممثل الجالية بالمنطقة الرابعة (أميركا، وروسيا، وتركيا، ما عدا فرنسا)، إلى تسليم سلطة القرار في ضبط قوائم المسافرين العائدين إلى أرض الوطن، لتمثيليات الدبلوماسية أو الإقرار بتكفل مكاتب شركة الخطوط الجوية الجزائرية بالخارج بالعملية، وقال بلمداح "الجالية وبقية العالقين ينتظرون بشغف قرارات مهمة وعاجلة من الحكومة لتسهيل تنقلهم إلى وطنهم من دون هذه البيروقراطية الموجودة التي تفرض عليهم التسجيل في القنصليات، التي ترسل بدورها القوائم لوزارة الخارجية، بعدها الداخلية قبل أن تسلم القوائم النهائية للقنصلية، ثم تحول لشركة الخطوط الجوية".

إجراء معقد

أضاف البرلماني الجزائري "هو إجراء معقد وطويل، وليس عملياً، وتسبب في تسيير بعض الطائرات نحو الجزائر بعدد معتبر من المقاعد الفارغة على الرغم من الطلب الكبير على هذه الرحلات".

وتذهب تحليلات سياسية إلى توجيه أصابع الاتهام إلى "الشبكات النفعية" التي باتت تشكل إدارة موازية تعمل في الخفاء من أجل تعطيل البلد، وهو ما تحدث عنه تبون في أحد تصريحاته عندما قال "العصابة ما زالت تحاصر مختلف مشاريع التنمية في الجزائر"، لافتاً إلى أن هناك "مجموعات داخل النظام"، تعمل على إيقاف عجلة التغيير.

الاقتصاد المتضرر الأول

على الجانب الآخر، أثرت العراقيل الإدارية على مناخ الاستثمار في الجزائر بشكل كبير، وهنا يقول متخصصون إن شح تدفق الاستثمارات إلى الجزائر راجع إلى إجراءات تنظيمية وقانونية تمنع إقامة استثمارات جدية، بينما يذهب آخرون إلى التأكيد أن الحكومة، تعتقد بفتحها للاستثمارات أمام الأجانب، ستتخلى عن جزء من سيادتها الوطنية، ما يفقدها حرية اتخاذ القرار الاقتصادي، على اعتبار أن الدول الأجنبية تسعى دائماً للحصول على المزيد، وبإمكانها التدخل في القرارات السياسية الكبرى واستخدام مشاريعها الاستثمارية كورقة ضغط كما هو حاصل في عدد من الدول.

وفي سياق متصل، لفت المحلل الاقتصادي صالح صالحي إلى أن "القضية مرتبطة ببعضها البعض، إذ لا يمكن أن تكون للدول النامية إدارة حديثة ومتطورة في مناخ اقتصادي، واجتماعي، وثقافي يعاني الفساد والاضطرابات".

ويعتقد أن معدل الأرباح في الاستثمارات الاقتصادية يتأثر بمعدلات الفساد، والتي يمكن قياسها أو مقارنتها بمدة الاستثمار والإجراءات التي تعطل المشاريع، فضلاً عن عوامل أخرى، مبرزاً أن الحل يكمن في إحداث إصلاح جذري وشامل للاقتصادات النامية حتى ينعكس ذلك على مناحي هذا القطاع الحيوي والحياة بشكل أوسع.