Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سعد البازعي يستنطق رهانات خمسة في نقد الشعر

مقاربات نقدية في كتاب "الفرح المختلس" تطرح منهجا في القراءة

لوحة للرسام ضياء العزاوي تستوحي الشعر (حقوق الصورة تخضع للملكية الفكرية - فيسبوك الرسام)

يضع الناقد السعودي سعد عبد الرحمن البازعي (1953)، وأستاذ الأدب المقارن في جامعة الملك سعود منذ ثمانينيات القرن الماضي، في تصرف القراء العرب كتاباً جديداً، يضاف إلى سجل أعماله النقدية ويطرح أكثر من قراءات وإنما منهج في القراءة، جدير بأن يكون، لبساطته وقرب تناوله من الأفهام، في متناول القراء غير المتخصصين والمتبحرين من اللغة العربية شعراً ونثراً.

ولعله من النقاد القلائل، ممن يملكون قدرة على الإحاطة بموضوع ذي تشعبات كثيرة، بكلام موجز وشامل وتصنيفي دقيق، من دون إطالة ولا استطراد، ولا تعمية، وبشفافية مطلقة في معايير الوصف والتصنيف والحكم على مادة النقد، وههنا هو الشعر العربي الحديث.

كتاب سعد البازعي "الفرح المختلس- رهان الشعر"، المستل عنوانه من عبارة للشاعر "أمل دنقل"، والصادر عن دار "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" (2020)، يحاول الإجابة عما يصنع هذا الفرح المختلس، الذي سرق "من عالم مثقل بالمآسي التي تملأ العالم" (ص:13)، بل يحاول استخلاص الجمالي والدلالي من المشهد الشعري الماثل في النصوص المقروءة بتأن، مشهد المأساة والألم، والتقاط المثال المجهض، والإضاءة على أهم الثيمات أو الموضوعات التي انشغل بها الشعراء العرب الحديثون، لا سيما شعراء السعودية، لمرحلة الحداثة التي أرخها الناقد من 1980 وإلى العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، على أن يجري مقارنة بين ما استخلصه، وما عرفه في الشعر الفلسطيني والأنغلوفوني الذي اختص به الناقد، ونقل بعضاً منه على سبيل الشغف والتثقف والمثاقفة.

ولكن قبل الانتقال إلى الكلام على أهم السمات التي ميزت نوعية قراءات الناقد البازعي، أحاول استنطاق الناقد في أهم الرهانات الخمسة التي شكلت مجمل موضوعات الكتاب، وعنيت بها على التوالي: رهان الحداثة، والسياسة، والمأساة، واللغة، والترجمة.

رهان الحداثة

في الرهان الأول، أي رهان الحداثة، يعتبر الناقد أن "حركة الحداثة الأدبية في السعودية لم تكن أدبية محضة" (ص: 14)، وإنما كانت رداً على التشدد الإسلامي من جهة، بالمزيد من الاعتصام بحبل الوطن (المملكة العربية السعودية)، والإصرار على الإبداع الشعري، على الرغم من الموانع الناشئة من صعود الاتجاه المتشدد في المجتمع، واكتساحه الذوق العام، واعتلائه المنابر الثقافية الكثيرة، وتضمين النصوص الشعرية قدراً من البياض، أو الإشارة إلى الصمت، لإيحاء بحضور الرقابة على تكوين النص الشعري، وفضح دورها السلبي، على نحو ما يثبته لدى كل من "محمد الثبيتي، وعبد الله الصيخان، ومحمد علي علوان، وسباعي عثمان وفوزية أبو خالد"، وغيرهم.

في الرهان الثاني أي "رهان السياسة" يتقصى الناقد، في مدونتي الشعر العربي السعودي الحديث والشعر العربي الفلسطيني والسوري- اللبناني، أهم المواقف حيال السلطة والقوة، بدءاً بمحمد الماغوط ("وعندي شعوب/ شعوب هادئة وساكنة كالأدغال..")، وأدونيس ("وكنت كمن يسبح في شرق تثقبه بحيرات دم/ وشبه لي أنني في مهرجان أعناق تحتفل بذبحها/ دون أن تدري")، أقل ما يقال فيها إنها دالة على الذل والمهانة والرضوخ. وبالمقابل، يجد الناقد البازعي ما يكفي من الشواهد في هاتين المدونتين، على استدعاء الأبطال من التراث التاريخي والأسطوري، لدى كل من "أمل دنقل، ومحمود درويش، وسعدي يوسف، ومحمد الثبيتي، وفوزية أبو خالد"، وعلى مواجهة السلطة بمجرد فضحها، أو مسخها، أو تجريمها.

مثلما يتكشف له أن الشاعر العربي ميال إلى التعبير عن عجزه عن التدخل لرفع الظلم والاستبداد اللذين يعانيهما الناس، في أيامهم، كما كانت حالهم قديماً "إن تكن كلمات الحسين/ وسيوف الحسين.../ سقطت دون أن تنقذ الحق من ذهب الأمراء/ أفتقدر أن تنقذ الحق ثرثرة الشعراء" (أمل دنقل). وإن شاء الناقد استكمال تقصيه، سعياً وراء القواسم الإنسانية في هذا الشعر، اتجه إلى مقارنته بما لدى الشاعر الإنجليزي أودن في مرثيته لوليم بتلر ييتس، إذ يقول ما معناه "لا يستطيع الشعر أن يجعل شيئاً يحدث" .

أودن وييتس

أما الثالث، فكان رهان المأساة، وفيه انطلق الناقد من إعادة تقييمه الفن بعامة والشعر بنوع خاص، بناء على تعريف الشاعر الإنجليزي أودن في رثائه زميله الشاعر الإيرلندي ييتس "إيرلندا المجنونة آلمتك حد الشعر/ والآن ما يزال لإيرلندا جنونها نفسه وكذلك طقسها/ ذلك أن الشعر ليس سبباً في حدوث شيء. يبقى حياً في واد من صنعه حيث لا يود التنفيذيون/ أن يتجولوا...". وأول ركن من أركان المأساة هو شقاء الشعراء العرب في صلتهم بالمال ومنافع الدنيا. في حين أن الركن الثاني والأهم، هو الإدراك أن ثمة بهجة مستفادة من اكتمال العمل الفني الذي يصف فيه الشاعر الفجيعة، سواء أكانت فجيعته الشخصية، أو مأساة شعبه. وفي هذا ما يتلاقى شعر ييتس، والمتنبي:

"أين الذي الهرمان من بنيانه   ما قومه، ما يومه، ما المصرع

تتخلف الآثار عن أصحابها   حيناً ويدركها الفناء  فتتبع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولدى تفصيله في الكلام على الرهان الرابع، وهو اللغة (الشعرية)، يركز الناقد حيناً على تفاعل الشاعر العربي، ونموذجه القصيبي، مع الآخر الغربي، وأثر ذلك على تكوين صوره المدينية، ونقاط الجذب والنبذ التي تستحثها في نفسه، وحيناً آخر يجري عرضاً لأهم مظاهر تجربة كل من حسن السبع الشعرية، وإبراهيم الحسين، وهيفاء الجبري، وأحمد الصحيح، ومحمد عبد الباري، مستدلاً فيها على ملامح الثقافة بل المثاقفة، الماثلة في نصوصهم، ومشيراً إلى نقاط الإبداع والشعرية حتى في قصيدة النثر، ولا يتردد في "تكرار القول بأن النسبة الكبرى من الشعر الحقيقي تضمه قصيدة النثر" (ص:123)، ودالاً على مواطن الصمت فيها، والبياض، والتناص، وغيرها.

إستخلاصات نقدية

في ما يشكل استخلاصاً لقراءة الكتاب النقدي لمؤلفه الأكاديمي السعودي ذي العشرات من الكتب النقدية، من مثل: ثقافة الصحراء (1991)، وإحالات القصيدة؛ قراءات في الشعر المعاصر (1999)، وأبواب القصيدة: قراءات باتجاه الشعر (2004)، واستقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث (2004)، والمكون اليهودي في الحضارة الغربية (2007)، وجدل التجديد: الشعر السعودي في نصف قرن (2009)، ومشاغل النص واشتغال القراءة؛ قراءات في الرواية والشعر (2014)، وغيرها، والحائز جائزة السلطان قابوس للثقافة (2017)، اعتبر أن أهم ما يرسخ في ذهن القارئ المتتبع للمقالات البحثية، ومقالات المقارنة، والمطالعات المقتطفة، تصور للقراءة النموذجية القابلة لمحاكاتها من طرف القارئ، مكون من سمات أهمها:

-اعتماده منهجية في القراءة قوامها الاستناد إلى النصوص، لا المشاعر أو الانطباعات المسبقة عن الشاعر.

- صدور القارئ الناقد عن ثقافة في اللغتين أو التراثين الشعريين، العربي والأجنبي، لكي يتسنى له الحكم

على ظواهر النصوص وقضاياها وأشكالها اللافتة حكماً صائباً.

- إلمام القارئ الناقد بأهم المفاهيم الواصفة الحديثة والمعاصرة، من مثل: المدونة، والتناص، والمثاقفة، والمقارنة، والقياس، وتقصي اللافت، وغيرها.

- وهي الأهم: ابتعاده عن الهوى، وانفتاحه على الجديد، وتعاطفه مع التجارب الإنسانية العميقة والقيم جمالياً في الشعر، من دون أحكام مسبقة.

المزيد من ثقافة