Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أين اختفى الشعر الأمازيغي الشفهي القديم؟

المغربي محمد شفيق في دراسة تتناول 33 قرناً من تاريخ شعب وقضية

يلتف الأمازيغيون حول علم يرمز إلى هويتهم الضاربة في القدم (غيتي)

في كتابه اللافت "ثلاثة وثلاثون قرناً من تاريخ الأمازيغيين"، يذهب محمد شفيق إلى فكرة تبدو غريبة، وهي أن الأمازيغيين لم يتحدثوا عن أنفسهم وتاريخهم وحضارتهم، وتركوا ذلك للآخرين الذين شاؤوا وشاءت لهم مساحة صمت الأمازيغيين، أن يتحدثوا عنهم كما يحلو لهم، ووفق تصورات قد تكون في الغالب غير موضوعية.

والحقيقة أن كلام المؤرخ المغربي ذو أهمية بالغة، فالثقافة الأمازيغية على العموم ثقافة شفهية، ظلت بعيدة من التدوين منذ نشأتها، وعلى مدار قرون عدة. ولنا أن نتساءل مثلاً عن الشعر الأمازيغي المعروف بعراقته. حتى إن من يحضر حفلات الأمازيغيين وأعراسهم قد يحسّ أن الجميع شعراء. أين هو هذا الشعر الذي قيل منذ قرون، والذي تغنّى فيه الأمازيغيون بطقوسهم وأعرافهم وتقاليدهم ورفعوا فيه صوت أحلامهم؟

من يتابع فن "أحيدوس" و"أحواش" مثلاً، ينتبه إلى هذا الكم الهائل من الصور الشعرية التي يتداولها المؤدون في ما بينهم، والتي تكون أحياناً وليدة اللحظة، خصوصاً في قصائد المعارضة. وفي الأطلس حيث تتدفق المواويل مع السيول، لا يمكن حصر البلاغات والأشكال التعبيرية الشعرية التي يبدعها الشعراء والمؤدون الأمازيغيون.

وبالتالي فهذا الإبداع الذي نفاجأ به باستمرار ليس وليد اللحظة، إن لهذه القصائد الشفهية امتداداً كبيراً في التاريخ. ألم تؤكد الأبحاث أن الحضور الأمازيغي كان له إسهام في الثقافة اليونانية والفينيقة؟ ألم ينصب اللاتينيون تمثالاً للأمازيغي يوبا الثاني تقديراً لمكانته الأدبية؟ ألم يكن ترينتيوس الذي أثّر في المسرح العالمي طفلاً أمازيغياً اُستقدم إلى روما، وألّف هناك مسرحيات عدة ومات كمداً بعد ضياع مخطوطاته في البحر؟ ألم تكن أول رواية تصل إلينا كاملة هي "الحمار الذهبي" للكاتب والشاعر الأمازيغي أفولاي/ أبوليوس (القرن الثاني ميلادي) الذي كتب مثل غيره من الأمازيغيين آنذاك باللاتينية؟

فكرة الغناء

إن ما جعل الشعر يبقى حاضراً في الحياة الأمازيغية هو اقترانه الدائم بالغناء. فما يردده الأمازيغ في مناسباتهم الاجتماعية والدينية من أهازيج ومواويل وقصائد، ليس وارداً من خارج ثقافتهم، وليس بالضرورة نتاجاً مشتركاً. فلكل قبيلة ولكل منطقة من مناطق الأمازيغ، التي تمتدّ من شمال المغرب إلى جنوبه، نصوصها الخاصة بها، بعضها متوارث عن الآباء والأجداد، وبعضها من إبداع الأجيال الجديدة. وإذا كانت بعض النصوص بسيطة وخفيفة من حيث القيمة الإبداعية، فإن البعض الآخر يحمل كل مقومات النص الشعري دلالةً وإيقاعاً وتصويراً وبناءً.

ويمكن الوقوف عند أنماط الشعر الأمازيغي، سواء الراهن أو الذي وصلنا مما تبقّى من الكنز المفقود، للتأكيد على إلمام الأمازيغيين بتقنيات التأليف. فنوع النصوص الذي يُطلق عليه "تنضامت" يحيل على الشعر الموزون، على مفهوم القصيدة تحديداً، أو على "النظم" الذي اشتقت منه الكلمة الأمازيغية "تنضامت". ولهذا النوع من النصوص أوزانه الخاصة به. أما نوع "تاقسيست"، فهو يشمل النصوص السردية التي كُتبت شعراً، إذ يُبنى النص دائماً على حكاية ما بكامل تفاصيلها. بينما يحيل نوع "تماويت" على النصوص الشذرية التي لا تتجاوز البيتين في الغالب أو الأبيات القليلة. وغالباً ما تكون هذه النصوص بمثابة مقدمات غنائية يرددها الأمازيغ على شكل مواويل.

إن هذه الأنواع الثلاثة هي من باب التمثيل فحسب، فالشعر الأمازيغي له تقسيمات عدة من حيث الأشكال ومن حيث المتون أيضاً. وإذا كان العرب يطلقون على وزن القصيدة مفهوم البحر، فإن الأمازيغ يسمّونه "أسيف"، أي الواد. بينما تقابل التفعيلة تركيبة وزنية تسمّى "تالالايت".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن الثقافة التي نشأت فيها شاعرة مذهلة مثل مريريدة نايت عتيق لها جذور في التاريخ بالضرورة. إن هذه الشاعرة، التي كانت تشتغل بائعة هوى في ماخور، أذهلت الفرنسي روني أولوج الذي التقاها في ثلاثينيات القرن الماضي بجبال الأطلس، وجعلته يعمّق معرفته باللغة الأمازيغية، ويترجم لها قصائدها إلى اللغة الفرنسية في كتاب قدّمه الشاعر السينغالي المعروف ليوبولد سيدار سنغور.

تقول مريريدة في أحد نصوصها: "أريد أن أحرق جسدي المباع/ المدنّس بسمّ الرجال/ لفرط ما صرت أمجّه/ والعين الشريرة لم تفتأ تتملّكني/ مثلما يمسك الطير الكاسر الحجل بين مخالبه./ إننا لا نهرب من حظ تعيس/ كما لا تهرب حبة القمح من الرّحى".

في مثال آخر يدلّ على عمق الشعر الأمازيغي وتمكّن شعرائه من آليات الكتابة يقول علي صدقي أزايكو (1942-2004): "ليتني أستطيع أن أخاطبك أيتها الشمس/ كي تعطيني أخبار السماء/ أما أخبار الأرض فمؤلمة".

هذه نماذج من شعر القرن الماضي، وثمة فعلاً وفرة في الشعر الأمازيغي في عصرنا الراهن الذي انتقل فيه شعراء هذا اللون الإبداعي من الشفاهة إلى التدوين عبر توثيق النصوص في كتب ومنشورات وأبحاث. لكن ماذا عن الشعر الأمازيغي القديم الذي أبدعه شعراء الأمازيغية وفاتهم وفات الآخرين معهم أن يدوّنوه؟

إن الإحساس بالكمد الذي تملّك ترينتيوس، حين ضاعت منه مخطوطاته في البحر قبل الميلاد، هو ما يتملّك قارئ الأدب الأمازيغي اليوم، حين يدرك أن لهذا الأدب تاريخاً كبيراً ضاعت من الجميع فرصة تدوينه.

المزيد من ثقافة