Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وحيد حامد ودع جمهوره قبل الرحيل

شيخ كتاب السيناريو المصريين غاب ولديه أعمال كثيرة لم تر النور ونجوم الفن: "حبينا أيامك"

السيناريست المصري الراحل وحيد حامد (غيتي)

وكأنه كان يقدم بروفة كاملة لطريقة وداعه قبل أن يوارى الثرى فعلياً، فقد التقى الكاتب والسيناريست الراحل وحيد حامد الجماهير التي انهالت على دار الأوبرا المصرية من كل حدب وصوب في السادس من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حيث كانت ندوته التكريمية بفعاليات مهرجان القاهرة السينمائي 2020.

لم يكن فقط كبار النجوم هم من حرصوا على الاستماع والاستمتاع، ولكن أيضاً الجمهور العادي الذي تربى على أعماله الممتدة في السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة والمقالات. المؤلف المصري البارز وحيد حامد فارق الحياة، صباح، اليوم السبت، عن عمر يناهز 77 عاماً، فيما كان وداعه الكبير بين الناس قبل أسابيع قليلة، حيث أبدى سعادته بأن يتذكر المسؤولون تكريمه قبل أن يغادر الدنيا، ليرى تلك المحبة بأم عينيه.

بروفة وداع

ندوة وحيد حامد في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بدورته الـ42 كانت رسالة بأن ما صنعه منذ أواخر ستينيات القرن الماضي ذهب تماماً إلى مستحقيه، وحقق هدفه، وعلى الرغم من أن دولابه مليء بعشرات الجوائز والتكريمات من مصر وخارجها "جائزة النيل ودروع من مؤسسات فنية عدة مثل مهرجان دبي، وفالينسيا، وميلانو، وغيرها"، ولكن كما بدا واضحاً من تأثره ومن بكاء حضور كلمته بعد حصوله على التكريم، أن الرجل يحمل امتناناً، خصوصاً لمهرجان بلده السينمائي الأول، ومثلما بكى زملاؤه وتلامذته ومحبوه في تلك اللحظة، أثبتوا أيضاً أن تعلقهم به صادق تماماً بل يفوق كل الإجراءات الاحترازية، فقد حرص كبار النجوم على السير في جنازته حتى مثواه الأخير، على الرغم من أزمة انتشار كورونا، وبينهم "منى زكي، وأحمد حلمي، ولبلبة، وعزت العلايلي، والمؤلف بشير الديك"، كما حضرت أيضاً وزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم.

يوسف إدريس غير حياة وحيد حامد

قصة وحيد حامد مع الكتابة كان لها أكثر من بداية، حيث ولد بمحافظة الشرقية في الأول من يوليو (تموز) عام 1944، ثم جاء شاباً إلى القاهرة ليدرس علم الاجتماع، ثم بدأ في كتابة القصص وأصدر في الستينيات مجموعته الأولى "القمر يقتل عاشقه"، وكان يمكن أن يتفرغ للأدب ولكتابة الروايات، ولكن القدر حدد له موعداً فارقاً مع أستاذه الكاتب الراحل وأبرز من كتبوا القصة القصيرة في العالم العربي الأديب يوسف إدريس الذي نصحه بأن يتفرغ لكتابة الدراما. لم يجامله إدريس ويخبره بأنه سوف يكون علامة في كتابة القصة القصيرة، وقرأ التلميذ وحيد حامد حينها النصيحة جيداً، ليربح العالم العربي مؤلفاً سينمائياً من طراز استثنائي، وأحد أعمدة السينما المصرية.

أدخل حامد المناقشات الجادة حول القضايا الكبرى والأزمات المجتمعية إلى البيوت العربية، وكان مبشراً بخطورة التطرف والتعصب، كما انتقد بقسوة الأوضاع المجتمعية والسياسية أيضاً بذكاء وحنكة وفصاحة، قافزاً فوق الحواجز الرقابية بطرق كثيرة بينها، أن يضع مشهداً جريئاً في نص السيناريو ليجعل الرقباء ينشغلون بالتعليق عليه ويطلبون حذفه ولا ينتبهون للرسائل التي يرغب في تمريرها حقاً، وهي حيلة تحدث عنها في ندوته الأخيرة على هامش تكريمه بالمهرجان.

 

 

صانع النجوم ومكتشف المخرجين

الفلاح الفصيح الذي يفتخر بأصوله الريفية بمركز منيا القمح بالشرقية، بدأ مشواره مع سحر الدراما من خلال ميكرفون الإذاعة أولاً فقدم 15 مسلسلاً، ثم قدم بعدها عدة مسرحيات بينها "كباريه"، و"الرجل الذي يريد أن يضحك"، و"يا عالم نفسي أتسجن"، وكان أبرز الأبطال حينها "سناء جميل، وسعيد صالح، وعبد المنعم إبراهيم، وأمين الهنيدي".

وفي عام 1977 بدأ مشواره اللامع مع السينما بفيلم "طائر الليل الحزين" مع "محمود عبد العزيز، ومحمود مرسي، ونيللي"، وهي الرحلة التي لم تسر بسلاسة في البداية حيث توقفت قليلاً ليقدم خلال تلك الفترة عدة مسلسلات هي "أنا وأنت ورحلة العمر" لنور الشريف، و"أحلام الفتى الطائر" لعادل إمام، و"سبع صنايع" ليونس شلبي، و"أوراق الورد" لوردة، فقد كان وحيد حامد غزير الإنتاج، وهي الصفة التي لم تؤثر يوماً في جودة صنعته، حيث قدم 85 عملاً، بينها اثنان قيد الإنتاج، ومنها الجزء الثالث من مسلسل "الجماعة" حول تاريخ جماعة الإخوان المسلمين الذي لم يعرف مصيره حتى الآن، وفي درج مكتبه أيضاً سيناريوهات عدة لم يبدأ حتى الآن العمل عليها، فطوال الوقت كان في حالة كتابة.

بالنسبة لجيل السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات في السينما يعتبر وحيد حامد الأب الروحي الأبرز، حيث وضع بصمة خاصة على مشوار كبار نجوم تلك الحقبة، وأسهم في مسيرتهم بقوة، ومن أبرز ما قدمه مع أحمد زكي مثلاً "البريء"، و"معالي الوزير"، و"اضحك الصورة تطلع حلوة". أيضاً قدم أعمالاً لا تنسى مع محمود عبد العزيز بينها "الدنيا على جناح يمامة"، و"سوق المتعة"، ومسلسل "البشاير"، ومع نور الشريف "غريب في بيتي"، بمشاركة السندريلا سعاد حسني، و"آخر الرجال المحترمين"، و"كل هذا الحب"، و"دم الغزال".

وتعاون مع عشرات النجوم الكبار أيضاً بينهم "ليلى علوي، ويحيى الفخراني، ويسرا، وفاروق الفيشاوي، ومحمود حميدة، ونادية الجندي، ونبيلة عبيد"، ويعد فيلمه "الراقصة والسياسي" عام 1990 مع الأخيرة من أكثر الأعمال العالقة بالأذهان، سواء لجرأة قصته أو لأفكاره وجمله الحوارية التي تتردد على ألسنة الجمهور دوماً.

أما مشواره مع عادل إمام فيعتبر الأكثر تميزاً سينمائياً، حيث كانا عنواناً لحقبة سينمائية قليلة السنوات، ولكنها تمثل قمة إبداعهما معاً، حيث قدما منذ مطلع التسعينيات وحتى منتصفها أفلام "اللعب مع الكبار"، و"المنسي"، و"الإرهاب والكباب"، و"طيور الظلام"، و"النوم في العسل"، قبل أن يعودا ويلتقيا مجدداً عام 2006 في "عمارة يعقوبيان" الذي كتب له الراحل السيناريو والحوار، فيما الإخراج كان لنجله مروان حامد.

الجماهيرية لم تخاصم وحيد حامد يوماً، يعرف أصول اللعبة جيداً، يقدم عملاً مهماً وخاطفاً ينال الإشادة النقدية، ويحقق الشعبية والنجاح في شباك التذاكر ونسب المشاهدات، حتى باتت جمله الحوارية في أفلامه بمثابة أمثال شعبية تتردد بسلاسة على الألسنة بعد ما أصبحت جزءاً من التكوين والتراث الفكري، ولم تغب اللمحة الكوميدية عن أعماله أيضاً على الرغم من جدية القضايا، وتبقى قضيته الأكثر حضوراً في أعماله هي التحذير من التطرف، فبخلاف أفلامه ظهرت تلك القضية أيضاً في مسلسلاته مثل "العائلة" و"أوان الورد" و"بدون ذكر أسماء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومثلما كان له يد في صنع أسماء كبار نجوم السينما، أسهم أيضاً في مشوار الجيل الأحدث، ولم ينفصل يوماً عن التطورات التي تحدث، فكما تعاون مع "عاطف الطيب، وشريف عرفة، ويحيى العلمي"، تعاون أيضاً مع شباب المخرجين حينها، الأمر الذي أسهم في تقديمهم للساحة مثل محمد ياسين وتامر محسن، بالتوازي مع نجوم هذا الجيل بينهم "منى زكي، وهند صبري، وروبي، وحنان ترك، ودرة، وهاني سلامة، وهاني رمزي"، فقد كان كاتباً عابراً للأجيال يعرف كيف يصل مباشرة لرجل الشارع، ومع ذلك لم تكن تملي عليه الجماهير ما يكتب، كان يعرف أن مسؤوليته في أن يقوم هو أولاً بالحديث إلى المسكوت عنه.

نجوم الفن يبكون أيامه

حرص عدد كبير من مشاهير الوسط الفني على نشر رسائل النعي بعد وفاة وحيد حامد وأغلبهم علقوا على عبارة "أنا حبيت أيامي"، التي ذكرها في تصريحاته قبل الوفاة، وبينهم ليلى علوي التي كتبت عبر صفحتها الرسمية على "فيسبوك"، "أحببت السينما بقدر كبير من الإخلاص والتفاني وأحببت أيامي، ‎كلمات من المشهد الأخير أو الوداع الكبير أثناء تكريمه بمهرجان القاهرة السينمائي، وكأنه كان يشبع من جمهوره ومحبيه ويلقي عليهم نظرة الوداع الأخيرة. رحلت جسداً، لكن المواقف والمبادئ والأعمال لا تنسى ولا تمحى ولا ترحل. شعور يتجاوز الألم ومرارة الفراق إلى أبعد الحدود، شعور بفقدان جزء كبير من الذكريات والتاريخ والفن المصري كله".

وذكرت منى زكي عبر حسابها الرسمي بـ"إنستغرام"، "فقدنا اليوم واحداً من أهم كتّاب السينما المصرية، صاحب تأثير عظيم في أجيال كثيرة مضت وأخرى مقبلة تتعلم منه على الصعيد الفني والثقافي والسياسي والإنساني. كان له تأثير كبير في مسيرتي الفنية، علمني الفن وكيف أرى الدنيا بطريقة ثانية".

وكتبت الفنانة درة، "قبل رحيلك قلت أثناء تكريمك (حبيت أيامي) ونحن أحببنا أيامك حتى التي لم نعشها، وعشناها في أفلامك ومن خلال رؤياك الفنية، فقدنا اليوم السيناريست العربي الأبرز منذ السبعينيات إلى اليوم. ستبقى أعماله خالدة في ذاكرة السينما المصرية والعربية".

المزيد من فنون