Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طبيب فلسطيني يعيد أطراف الأصابع المبتورة من دون جراحة

تلك الطريقة بالعلاج لم تنشر حتى اللحظة في أي مجلة علمية أو طبية محكمة

لا يقوى أكرم على تأدية أكثر الأعمال بساطة، مثل تنظيف الأسنان أو استعمال الأزرار والمفاتيح، فأطراف إصبعيه (الإبهام والسبابة) بُترت أثناء عمله في مهنة النجارة، وبات مستقبله المهني على المحك. وبقي الوضع على حاله إلى أن عرض عليه الطبيب الفلسطيني صالح رضوان صوراً لشبان وأطفال، حصلوا على نمو كامل للجزء المبتور من أصابعهم مع عودة الإحساس والبصمة والظفر، وذلك من دون تدخلات جراحية أو تشوّه، ومن دون حتى أن يشعروا بأي ألم. للوهلة الأولى اعتقد أكرم أن الأمر شبه مستحيل وأنه سيقتصر على تضميد الجراح ليس أكثر، فكيف لأصابعه المبتورة حد الظفر، أن تعود كما كانت باستخدام الصابون والنايلون فقط؟

نمو طبيعي

وبعد ثمانية أسابيع فقط من العلاج، عاد أكرم حمايل (25 سنة) إلى عمله بشكل طبيعي، قائلاً "ذهبت إلى الطبيب وأنا غير مقتنع أن أصابعي ستعود كما كانت عليه، وازداد قلقي بعدما باشر بغسلها بصابون عادي، ومن ثم قام بلفّها بنايلون رقيق كالذي نغلف به الطعام، طالباً مني مراجعته كل ثلاثة أيام لتفقدها وتغيير النايلون. كنت أشعر بالذهول مع كل زيارة ألحظ فيها نمواً، مكتفياً بالقول: سبحان الله العظيم".

وعام 2016، بدأ الطبيب الفلسطيني صالح رضوان (42 سنة) من مدينة رام لله (وسط الضفة الغربية)، المتخصص في جراحة العظام والمفاصل واستشاري جراحات اليد والجراحات المجهرية والترميم، العمل على إعادة أطراف الأصابع المبتورة إلى حدّ لا يتجاوز الثلاثة سنتيمترات، من خلال طرق تعتمد على توفير رطوبة عالية والتهاب للجزء المصاب، بحيث تحفّز تلك الالتهابات الجزء المبتور على بناء نفسه بشكل شبه كامل، مع عودة الإحساس إليه بشكل تدريجي.

ويقول رضوان "متعارف علمياً أن يقوم الأطباء في حالات بتر أطراف الأصابع بإعادة الطرف المبتور إلى مكانه، فهو يكون بالعادة صغير الحجم، ولم يسبق لأي من الأطباء أن قام بوصله جراحياً لوجود شرايين وأوردة دقيقة جداً. وبعد مرور أيام عدة، لاحظنا تحوّل الطرف المبتور إلى اللون الأسود، ويبدأ الجسم خلال ثمانية أشهر بطرده بعيداً من الإصبع بما يعرف "إعادة إنماء ذاتية"، لكن النمو الحاصل لم يكن طبيعياً أبداً، فالظفر مشوّه، والندبة الجراحية العميقة مكان البتر واضحة جداً ولونها مختلف، وينتاب المصاب بعد ذلك الشعور بضربات كهربائية مؤلمة جداً".

صابون ونايلون

ويضيف "من الواضح طبياً وعلمياً أن هناك محاولات فعلية للنمو في أصابع اليد، وهذا ما اكتشفه أحد الأطباء البريطانيين أوائل الثمانينيات من القرن الماضي يدعى كولايزن، حين كان يضع مادة للحروق على أطراف الأصابع المبتورة عند الأطفال، ومن ثم يغلفها بقطعة من قفاز بلاستيكي. مبدأ توفير الرطوبة والتسبب بالالتهاب لتحفيز عملية النمو للأطراف المبتورة معروف عالمياً ومثبت بأوراق بحثية وطبية عدة. وهنا كمنت مهمتي كطبيب متخصص في جراحة العظام بإعادة إحياء تلك الطريقة في العلاج لكن بأسلوبي المتواضع، الذي يرتكز على استخدام الصابون لتطهير مكان البتر وتغليف الإصبع بالنايلون الشفاف والشاش الطبي لا أكثر".

وخلال أربع سنوات ساعد الطبيب رضوان 25 مصاباً (بينهم أربعة أطفال) على استعادة أطراف أصابعهم، ليكون بذلك أول طبيب عربي في الشرق الأوسط، يعيد أطراف الأصابع المبتورة مع نمو كامل، من دون تدخلات جراحية، فيما يسعى حالياً إلى التواصل مع جهات عربية وعالمية لتعميم التجربة وتوثيقها، وهي التي لا تزال في إطار محلي فقط.

توثيق علمي

رئيس جمعية جراحي العظام والمفاصل الفلسطينية طارق خلف يقول "نحن نفخر بوجود إنجازات طبية على الصعيد المحلي، خصوصاً في مجال جراحة العظام وترميم الأطراف المبتورة، ونتمنى أن تعمم تجربة رضوان مستقبلاً على كل الأطباء في جراحة العظام في فلسطين وخارجها. لكن المعضلة الأساسية أمامنا في عدم قدرتنا على تبنّي تلك الطريقة (إعادة إنماء أطراف الأصابع المبتورة بالرطوبة العالية والنايلون)، فطريقة رضوان لم تُنشر حتى اللحظة في أي مجلة علمية أو طبية محكمة، من شأنها أن تأخذ تلك التقنية الفعالة لتصبح مرجعية عالمية، كما لا يوجد أي ورقة بحثية توثق الحالات والنتائج التي توصل إليها في مؤتمرات طبية عالمية، ودورنا كجمعية يقتصر على دعم أطباء جراحة العظام وتشجيعهم، ونشر أبحاثهم الطبية العلمية المحكمة فقط".

ويضيف "نحن على يقين بأن الأطباء الفلسطينيين بإمكانهم تحقيق ما حققه أطباء عالميون، ولدينا أطباء محليون دخلوا في تأليف كتب عالمية في مجال جراحة العظام ونشروا في مجلات علمية وطبية محكمة. ومع نهاية عام 2020، سيكون هناك قرابة 200 طبيب جراح عظام في فلسطين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أطراف باهظة

وبحسب متخصصين، فإن أكثر من 70 في المئة من فاقدي أطراف الأصابع في الضفة الغربية، هم من يعملون في مهنة النجارة. فغالبيتهم يتعرضون بنسبة 90 في المئة لمخاطر بشكل دوري لتعاملهم المستمر مع ماكينات الشق والتقطيع، إضافة إلى الأطفال دون العاشرة الذين فقدوا أصابعهم أثناء اللعب بالأبواب وغيرها، ناهيك عن مئات الحالات الأخرى التي تعرضت لبتر كامل في الأصابع أو كف اليد، ولم تتمكن حتى اليوم من استعادتها إلا كأطراف صناعية.

مدير جمعية قلقيلية للتأهيل والأطراف الصناعية صلاح عثمان يوضح أن "هناك ارتفاعاً ملحوظاً بأعداد الذين بُترت أصابعهم أو كفوف يدهم لأسباب مختلفة، منها حوادث سير وعمل، وتشوهات خلقية ومرضى سكّري، ولا يوجد أمامهم سوى الأطراف التجميلية أو الإلكترونية، وغالبيتها باهظة الثمن، بحيث لا يقوى المصاب ذو الدخل المحدود تحمّل تكاليفها، فالكف الإلكترونية الذكية التي تقوم بعدد من الوظائف وتحاكي اليد الطبيعية، يتراوح سعرها بين (2000-27000) دولار، أما الكف التجميلية (السيليكون) بين (500 - 2000) دولار، فيما يتراوح سعر إصبع السيليكون لوحده بين (400 - 2500) دولار، وهي أسعار مرتفعة بالمقارنة مع الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها الفلسطينيون منذ سنوات".

تخصص جديد

ولأن الأطراف الصناعية بمختلف تقنياتها وتكاليفها، باتت حاجة ملحة لعدد كبير من المصابين في الضفة الغربية وقطاع غزة، توجهت الجامعة العربية الأميركية في فلسطين لاستحداث برنامج بكالوريوس (الأطراف الصناعية والأجهزة المساعدة)، الذي يُعتبر الأول من نوعه في فلسطين والشرق الأوسط، باعتماد دولي من المنظمة الدولية العالمية للأطراف الصناعية والأجهزة المساعدة (ISPO).

عميد كلية العلوم الطبية المساندة في الجامعة العربية - الأميركية محمد آسيا يقول "حاجة فلسطين لمتخصصين في مجال الأطراف الصناعية، دفعنا إلى تأسيس مختبر ومصنع لها داخل الجامعة خاص بطلبة البرنامج، الذين ينخرطون فيه بمعدل 60 طالباً سنوياً، يدرسون على مدار أربع سنوات جراحة الجسم وعلم الحركة والميكانيكية للأطراف والأجهزة المساعدة، ومدى مناسبتها لكل إعاقة ومرض من حيث التصميم والتصنيع. فمن المهم جداً أن يتعلم الطالب مهارات قوية إكلينيكية مبنية على البحث العلمي وأساليبه، وأن يواكب التكنولوجيا الإلكترونية في مجال الأطراف الصناعية والأجهزة، وكل ذلك سينعكس على تحسين خدمات الصحة والتأهيل المقدمة للأفراد والمجتمع في فلسطين، وتوفير فرص عمل جديدة في المستشفيات والمراكز الخاصة المحلية والعالمية".