Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في حصاد ولايته: هل "اختطف" ترمب السياسة الخارجية الأميركية لمصلحته؟

محطة عزل الرئيس عكست سعيه إلى تطويع الدبلوماسية لأهداف شخصية

فيما تقترب ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب من نهايتها، بعد فشله في هزيمة منافسه الديمقراطي جو بايدن في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لا تزال سياسات الرئيس الجمهوري القادم من عالم العقارات والأعمال، محل جدل ونقاش داخل أميركا وخارجها.

والرئيس الـ 45 الذي بدأ ولايته في يناير (كانون الثاني) 2017، بتحقيقات موسعة في شأن تواطؤ محتمل بين حملته الانتخابية وموسكو، تبعتها محاولات ديمقراطية لعزله بعد اتهامه بإساءة استخدام منصبه وعرقلة عمل الكونغرس، في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، استناداً إلى مزاعم في شأن سعيه للحصول على خدمات سياسية من السلطات الأوكرانية، كان أبرز ما يميز فترة حكمه الخروج على ثوابت واشنطن داخلياً وخارجياً، رافعاً شعار "أميركا أولاً".

شكلت محاكمة ترمب في إطار عزله محطة تاريخية في البلاد، كرابع مرة يقوم فيها الكونغرس بمحاكمة رئيس ضمن آلية عزل، بعد أندرو جونسون عام 1868 وريتشارد نيكسون عام 1974 وبيل كلينتون عام 1999، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ في 5 فبراير (شباط) الماضي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورأت مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، في مقالة كتبها المؤرخ والأستاذ في جامعة نيويورك تيموثي نفتالي، أن "ترمب عمل على اختطاف السياسة الخارجية لبلاده، لا سيما مع اشتداد إجراءات عزله"، مدللة على ذلك بتعاطيه مع قضايا الشرق الأوسط وإيران والعراق وسوريا وملف الأكراد والصين وغيرها.

ترمب وإدارة الملف الإيراني

يقول نفتالي إنه في تمام الساعة التاسعة مساء من يوم 24 سبتمبر (أيلول) 2019، وعلى هامش فعاليات الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منتظراً على خط آمن للتحدث مع ترمب، في أمر لم يكن ذي صلة بأعمال الأمم المتحدة في تلك الليلة، موضحاً أن المكالمة كانت في شأن أحداث سبقت ذلك التاريخ بـ 48 ساعة.

ويتابع نفتالي، "في الساعات 48 السابقة، كان ماكرون التقى ثلاث مرات الرئيس الأميركي ومرتين الرئيس الإيراني حسن روحاني، وذلك في سياق مساعي تهدئة التوتر بين طهران وواشنطن، والتوسط في أول اتصال مباشر ورسمي بين قادة البلدين الخصمين منذ العام 1978"، لكن الآن بات ماكرون على وشك المغادرة إلى باريس، ولديه أخبار سيئة لترمب، وهي أن نظيره الإيراني أصابه الفتور حيال تهدئة الأزمة.

يقول المؤرخ الكندي إنه وفقاً لمصادر فرنسية، شكر ترمب ماكرون على جهوده وشجعه على مواصلة المحاولة، في حين أن إعصاراً سياسياً كان بدأ بالفعل في الداخل الأميركي، في وقت سابق من ذلك اليوم.

في ذلك التوقيت، وفق "فورين أفيرز" الأميركية، تمثل الإعصار بإعلان رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي (ديمقراطية)، بدء تحقيق رسمي لمساءلة وعزل الرئيس ترمب، على خلفية طلبه في محادثة هاتفية، في 25 يوليو (تموز) 2019، من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن "يهتم" بأمر جو بايدن، نائب الرئيس السابق والمرشح المحتمل حينها لمنافسته في السباق إلى البيت الأبيض عام 2020.

وفي سياق الوساطة الفرنسية لتهدئة التوتر بين واشنطن وطهران، كان الأوروبيون، بحسب نفتالي، يتابعون عن كثب ارتدادات الانسحاب الأميركي عام 2018 من الاتفاق النووي المبرم بين طهران والقوى الغربية، لمصلحة حملة "الضغوط القصوى" التي فرض ترمب عبرها مزيداً من العقوبات الاقتصادية على إيران، بعد أن سارعت الشركات الأوروبية، بما في ذلك "توتال" الفرنسية و"إيرباص"، إلى إبرام شراكات تجارية مع نظيراتها الإيرانية، لكن أصبحت هذه الاستثمارات في خطر بعد الانسحاب الأميركي.

ويوضح الكاتب أن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي دفع طهران إلى انتهاك شروطه التي ألغيت تدريجاً، ومضايقة السفن في الخليج العربي، فضلاً عن اتخاذ خطوات محسوبة نحو تطوير سلاح نووي. وفي 14 سبتمبر (أيلول) 2019، ضربت طائرات إيرانية من دون طيار منشآت نفطية سعودية، وتحولت احتمالات تصاعد التوتر بينها وبين الولايات المتحدة إلى خطر حرب شاملة مفتوحة.

في المقابل، كان لدى الرئيس الفرنسي أمل في تحقيق انفراجة دبلوماسية، فبعد أن فشلت جهوده في أغسطس (آب) في جعل الأميركيين والإيرانيين يتحدثون مرة أخرى في قمة مجموعة السبع في بياريتز، بفرنسا، لم يدخر الفرنسيون جهداً في محاولة تهدئة الأجواء بين البلدين الخصمين لتجنب ويلات التصعيد والحرب المفتوحة في الشرق الأوسط.

كيف استغل ترمب قضية العزل خارجياً؟

وفق "فورين أفيرز"، وعلى عكس محاكمتي الرئيسين الأميركيين السابقين ريتشارد نيكسون (1973-1974) وبيل كلينتون (1998-1999) المرتبطتين بقضايا داخلية، كانت محاولة عزل ترمب نابعة للمرة الأولى في تاريخ البلاد من سلوك الرئيس في الشؤون الخارجية.

ففي حال نيكسون، ارتبطت إجراءات عزله بفضيحة "ووتيرغيت"، المتعلقة بالتنصت على مكاتب للحزب الديمقراطي في يونيو (حزيران) 1972، فيما ارتبطت أزمة كلينتون بقضية مونيكا لوينسكي، واتهام الرئيس بحنث اليمين وتعطيل العدالة، إذ شهد بأنه لم تكن له علاقة مع المتدربة السابقة لوينسكي، قبل أن يتراجع ويعترف بوجود "علاقة غير لائقة" معها.

أما في حال ترمب، فالأمر يتعلق بسوء مفترض في استخدام السلطة، على خلفية محاولته الضغط على نظيره الأوكراني لإطلاق تحقيقات ضد بايدن وابنه بسبب اتهامات بالفساد.

ويقارن المؤرخ الكندي سوابق عزل الرؤساء الأميركيين مع حال ترمب، قائلاً إنه في حالتي نيكسون وكلينتون بحث الرئيسان عن إنجازات في السياسة الخارجية لمواجهة تعرض ولايتهما للتهديد داخلياً، لكن ترمب ذهب إلى الخارج لتعزيز نفوذه وشعبيته في الداخل، وقاده الأمر إلى إجراء تعديلات جذرية على السياسة الخارجية في الشرق الأوسط، وإبرام صفقة تجارية غير مؤاتية مع الصين.

ووفق نفتالي، ألحقت أزمة محاولة إقالة ترمب ضرراً شديداً بجهاز السياسة الخارجية للبلاد، فضلاً عن تحرك الرئيس لإعلان الحرب بشكل خاص وعلني ضد مؤسسة الأمن القومي، بعكس حالتي نيكسون وكلينتون، إذ حافظت السياسة الخارجية الأميركية على نشاطها وصورتها. وأضاف، "ألحق دفاع ترمب ضرراً أكبر بقدرة الولايات المتحدة على إبراز القوة الناعمة حول العالم، إذ جادل الرئيس الجمهوري والمدافعون الرسميون عنه أعضاء الكونغرس من الحزب الديمقراطي ومحاموه، بأنه لا يوجد شيء خاطئ في الأساس في استخدام الرئيس للسياسة الخارجية لدفع أجندته السياسية الشخصية".

وتابع، "قد تكون ديكتاتوريات العالم متقبلة بسخرية لمثل هذا الاعتراف، لكن في حال حلفاء الولايات المتحدة الديمقراطيين لم يكن ترمب الشخص الذي يتطلعون إليه للقيادة العالمية". مضيفاً، "بالنسبة إلى بعض المدافعين عن المثل الثابتة في الإدارة الأميركية، مثل المصلحة الوطنية، كان ترمب يتحرك في اتجاه مغاير تمثّل في سياسة الأرض المحروقة، وهو ما عكسته تغريداته الساخرة والمهددة، التي عملت على تثبيط الروح المعنوية للأمن القومي والبيروقراطية الاستخبارية وتقليص صدقيته في الخارج".

الانسحاب من الشرق الأوسط

بالعودة إلى احتمالات عقد لقاء أول من نوعه بين الرئيس الأميركي ونظيره الإيراني، تقول "فورين أفيرز"، "كان رد فعل ترمب الأوليّ على التهديد بالعزل هو محاولة تقليل احتمالية حدوث مشكلات خارجية، فلم يكن يأمل فقط في عقد اجتماع انفرادي مع روحاني، بل سعى إلى مزيد من الانسحاب من الشرق الأوسط بأكمله".

وتتابع، "في 6 أكتوبر 2019، أي بعد نحو أسبوعين فقط من بدء مجلس النواب الأميركي التحقيق في مكالمة ترمب مع نظيره الأوكراني، صدم الرئيس الأميركي العالم بموافقته على اقتراح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انسحاب واشنطن عسكرياً من منطقة الحدود التركية - السورية من أجل تمهيد الطريق لدخول أنقرة".

ووفق المجلة الأميركية، أثار الاتفاق مع تركيا معارضة أميركية قوية ليس من قبل الديمقراطيين وحسب، بل من متخصصين في الأمن القومي وقيادات عسكرية أميركية أيضاً، فضلاً عن أعضاء في حزب الرئيس ذاته، معتبرين أن واشنطن بانسحابها من الشمال السوري تكون تخلت فعلياً عن شركائها الأكراد، الذين لعبوا دوراً مركزياً في التحالف الذي أنشأه الرئيس السابق باراك أوباما لمواجهة تنظيم "داعش".

وتوضح المجلة، "ربما لم يكن رد الفعل السلبي الحاد هو ما توقعه ترمب، إذ سرعان ما تحرك لمحاولة احتواء التداعيات السياسية، بعد أن شنت أنقرة غارات جوية على مواقع كردية في 9 أكتوبر، أي بعد نحو ثلاثة أيام فقط من القرار الأميركي. وحينها، أرسل ترمب رسالة إلى أردوغان يطالبه فيها بعدم المضي قدماً في الغزو المخطط له".

وبحسب التقرير، لم يكن مستغرباً أن يستغل الجيش التركي الموقف ويدخل إلى سوريا على أي حال، فهذا ما حدث سابقاً في فترة حكم نيكسون المأزومة عام 1974، حين استغلتها أنقرة لغزو قبرص.

ويتابع التقرير، "كان لافتاً أنه على الرغم من التوتر الذي شاب العلاقات الأميركية - التركية على خلفية دخول أنقرة إلى الشمال السوري، شكرها ترمب مع روسيا والعراق والأكراد السوريين، على المساعدة في مقتل زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي (قتل في غارة أميركية في 27 أكتوبر 2019)، قبل يومين من استقبال ترمب أردوغان في المكتب البيضاوي".

استغلال ضعف الرئيس

توضح المقالة أن تركيا لم تكن الدولة الوحيدة التي حاولت استغلال موقف ترمب السياسي الضعيف، فبعد أقل من أسبوعين على موافقة مجلس النواب الأميركي على مادتين من الاتهام الموجه ضده، في 18 ديسمبر (كانون الأول)، أطلق مسلحون مدعومون من إيران صواريخ على قاعدة عسكرية شمال العراق، مما أدى إلى إصابة عدد من الجنود الأميركيين والعراقيين، ومقتل مقاول أميركي.

وتابع، "من المرجح اعتقاد طهران في ذلك الوقت أن الرئيس ترمب كان مشتتاً بسبب إجراءات العزل ولن ينتقم من الخطوة، لكن الأخير لم يضيع وقتاً. فبعد يومين، شنت الولايات المتحدة غارات جوية على منشآت مرتبطة بإيران أو وكلائها في العراق وسوريا، مثل الضربات الجوية لكلينتون ضد زعيم تنظيم القاعد أسامة بن لادن والرئيس العراقي الراحل صدام حسين عام 1998".

ووفق "فورين أفيرز"، كانت هذه الضربات ردود فعل واضحة على أفعال الخصم التي تجاوزت خطاً مفهوماً، لكن ما حدث بعد ذلك في سياق الحرب الباردة المتصاعدة بين طهران وواشنطن، كان تفسيره صعباً من دون الأخذ في الحسبان الاعتبارات السياسية الداخلية في واشنطن.

وتردف، "في 31 ديسمبر، اخترق أنصار طهران في العراق بوابة خارجية للسفارة الأميركية في بغداد، وأشعلوا النار في جزء منها، وهو ما ردت عليه واشنطن لاحقاً باغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس، في ثالث أيام عام 2020".

ويضيف التقرير، "كان من شأن اقتحام السفارة الأميركية أن يمس كبرياء واشنطن والحلفاء، كما حدث بعد اقتحام سفارة طهران عام 1979، ومقتل السفير الأميركي في بنغازي الليبية عام 2012، لكن في حال بغداد، أظهر حلفاء ترمب عدم مبالاة تجاه أي مبادئ دائمة للأمن القومي الأميركي".

المزيد من دوليات