Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي السويدي باتريك سفينسون يصطاد ثعابين البحر

المشاهد البحرية الحية تشكل منطلقاً للتأملات المجردة وسيرة مفتوحة على مغامرة الصيد

البحر وما يخفي وراءه (غيتي)

لعل السؤال الأول الذي يطرحه كتاب "تراتيل ثعابين البحر" للروائي السويدي باتريك سفينسون، الصادر عن دار المنى، بتعريب علاء الدين أبو زينة، هو سؤال النوع الأدبي. هل هو سيرة ذاتية أم تاريخ طبيعي أم رواية؟ والأنواع الثلاثة تتجاور فيه، وتتحاور، بشكل أو بآخر. ولأن النوع الأخير حمّال أوجه، ومفتوح على سائر الحقول المعرفية، سأبيح لنفسي تجاوزاً اعتبار الكتاب رواية، ولا يمنعني من ذلك طغيان الوقوعات التاريخية والعلمية فيه على الوقائع السيَرِية، فهذا الطغيان يتم في شكلٍ سرد ـ روائي، والرواية مسألة شكل قبل أن تكون مسألة مضمون.

بمعزل عن التصنيف النوع ـ أدبي، يقع الكتاب في ثماني عشرة وحدة سردية تشغل مئتين وثلاثاً وخمسين صفحة، وينتظمها سلكان اثنان، يروي أحدهما راوٍ عليم، ويروي الآخر راوٍ مشارك. والسلكان يتناوبان الحضور، في إطار جدلية الظهور والاختفاء، لتشكيل جديلة الكتاب/ الرواية. السلك الأول موضوعي، يتناول التاريخ الطبيعي لثعابين البحر في مراحله المختلفة، ويمتد على تسع وحدات سردية، تشغل مئة وثمانياً وسبعين صفحة، أي ما نسبته سبعون في المئة من الرواية، في حين أن السلك الثاني ذاتي، يتناول تجربة الكاتب/ الراوي الذاتية مع هذه الكائنات في مراحله العمرية المختلفة، ويمتد على تسع وحدات سردية بدوره، تشغل خمساً وسبعين صفحة، أي ما نسبته ثلاثون في المئة من الرواية. وبذلك، يستوي السلكان في عدد الوحدات، ويختلفان في عدد الصفحات. وبكلمة أخرى، يطغى الموضوعي على الذاتي في الكتاب، والعلمي على الأدبي، والتاريخي على الماضي القريب. وهذا، لا يتنافى مع روائيته الآنف ذكرها. فالكتاب هو رواية تاريخ طبيعي بامتياز.

السلك الذاتي

في السلك الذاتي، يروي المؤلف/ الراوي المشارك، فيما يشبه السيرة الذاتية، علاقته بثعبان البحر، مذ كان طفلاً يصطحبه أبوه إلى النهير المجاور لمنزله، في بلدة سكونة السويدية، لاصطياد هذه الحيوانات. ويصف طقوس الصيد وأدواته وآلياته. ويذكر أنواع الطعْم، وأنواع الثعابين، وطرائق طهوها، ومهارات الأب في التعامل معها، وتدريبه الابن على امتلاكها موقظاً فيه روح التحدي. ويروي لجوء الأب إلى المناورة والخداع للإيقاع بها، وتجاوز المنطقة القانونية للصيد، واضطراره إلى قتل أحدها متجاوزاً أدبيات الصيد التي كان حريصاً على الالتزام بها. ويتوقف عند تاريخ أسرته بدءاً من جدته لأبيه، مروراً بمهارات الأب واهتماماته وعمله، وعمل الأم في الرعاية النهارية، وصولاً إلى الانتماء الطبقي للأسرة إلى الطبقة العاملة. ويعرج على وقائع صيد غريبة، تتعلق بعودة بعض الثعابين التي ظنها ميتة إلى الحياة بعد وضعها في الماء، فينطلق من هذه الوقائع الملموسة إلى الإيمان الديني، ويقارن بين عودة الثعبان إلى الحياة والقيامة من الموت التي يؤمن بها المسيحيون. وهو يلجأ إلى المقارنة في الوحدة السردية الأخيرة حين يقارن بين موت والده بسبب المرض وعودة الثعبان إلى بحر سارغاسو، موطنه الأصلي، للموت فيه بعد طول اغتراب.

وهكذا، تشكل المشاهد الحية منطلقاً للتأملات المجردة، ولعل الخلاصة الأبرز الناجمة عنها تكمن في المقارنة بين الإنسان وثعبان البحر؛ فالأول يُولَد في مكان معين، ويضرب في الآفاق، ويطارد أحلامه، حتى إذا ما نجح أو فشل في تحقيقها، يعود إلى مسقط رأسه ليموت فيه. والثاني يُولَد في بحر سارغاسو، شمال غربي المحيط الأطلسي، ويمتطي التيارات البحرية إلى السواحل الأوروبية أو الأميركية، ويُمضي هناك عشرات السنين، حتى إذا ما اكتمل نموه، واجتاز مراحله العمرية المختلفة، يجتاز آلاف الأميال عائداً إلى موطنه الأصلي ليتكاثر، ويموت بعد ذلك مباشرة.

هذه الوقائع المسرودة يتم معظمها، في إطار العلاقة بين الأب والابن، منذ طفولة الثاني حتى وفاة الأول. فالأب الذي يحب الملاكمة، ويستخدم المقلاع، ويمارس الرياضة، ويهتم بالتاريخ والعلوم، ويشغف بالحياة البحرية، ويعمل في رصف الطرقات، ويتقن الصيد البحري، يحرص على نقل ثقافة الصيد إلى ابنه مباشرة بالتجربة الحية، لا سيما أن مثل هذه الثقافة لا توفره الجامعات والكتب. وهنا، ينقلب المفهوم الفرويدي لقتل الأب من قِبَل الابن، بالمعنى المجازي للكلمة، ليصبح إحياء الابن من قِبَلِ الأب، بتزويده بآليات الصمود في صراع البقاء، وفي طليعتها آلية تأمين لقمة العيش.

السلك الموضوعي

في السلك الثاني، يقوم المؤلف/ الراوي العليم بدور المؤرخ الطبيعي، فيروي تاريخ ثعابين البحر في مراحله المختلفة، بدءاً من موطنه الأصلي، مروراً بالأماكن التي يستوطن فيها، وصولاً إلى عودته، بعد عشرات السنين، للتكاثر والموت. ويتمحور هذا التاريخ الغريب حول أسئلة ثلاث هي: كيف يتوالد؟ أين يتوالد؟ ولماذا يختفي؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، يقوم المؤلف/ الراوي بعرض آراء مؤرخي التاريخ الطبيعي، ومواكبة بحوث علماء الأحياء، ومتابعة الجهود الدولية لحفظ نوعٍ آيلٍ إلى الانقراض. ويقارن بين الخلاصات المختلفة التي توصلوا إليها للوصول إلى فرضيات ليست قاطعة علمياً، بل هي نتيجة المزج بين الملاحظة التجريبية والتسير الإيماني. فثعبان البحر طالما كانت لغزاً عصياً على الحل، لآلاف السنين، لا سيما أنه موجود، منذ أربعين مليون سنة، على الأقل، بحسب مؤرخي الطبيعة البحرية.

في الإجابة عن السؤال الأول المتعلق بكيفية التوالد، يعرض الكاتب وجهتي نظر مختلفتين، ويخلص إلى ترجيح إحداهما على الأخرى؛ الأولى يعبر عنها أرسطو في كتابه "تاريخ الحيوانات"، بعد دراسة مستفيضة لثعابين البحر، في ليسبوس أو أثينا، قام خلالها بتشريحها، ودرس أعضائها الداخلية، والبحث عن بيوضها وأعضائها التناسلية. ويخلص بنتيجتها إلى أنها لا جنس لها، ولا تتناسل، بل تولد من الطين. وفي عام 1876، يلتقط سيغموند فرويد، ابن التاسعة عشرة، القفاز الأرسطي، ويقوم بشريح أربعمئة ثعبان، خلال شهر، في مدينة ترييستي، شمال شرقي البحر الأدرياتيكي، في محاولة منه لحل لغز التكاثر. غير أن فشله في ذلك يدفعه إلى مغادرة العلم الطبيعي إلى علم النفس حيث يحقق فتوحاته العلمية.

في المقابل، تقول وجهة النظر الثانية بتناسل ثعبان البحر، ويخلص إليها الكاتب بعد عرض تاريخي لنظريات تكاثره، منذ القرن السابع عشر، تنتهي، مع أستاذ التشريح البولوني كارلو مونديني في عام 1777، إلى رفض نظرية النشوء التلقائي للثعبان. ويأتي العثور على ثعبان بحر ناضج جنسياً، بعد عشرين عاماً من محاولة فرويد، قبالة ساحل فينيسيا في صقلية، ليعزز هذه الوجهة، ويشكل إجابة عن سؤال التوالد المطروح منذ بداية العلم الطبيعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في السؤال الثاني المتعلق بمكان التوالد، يبذل عالم الأحياء الدنماركي يوهانس شميدت جهوداً ضخمة، طيلة ثلاثة عقود، للإجابة عنه، فيشرف، بين عامي 1911 و1914، على مهمة بحث عن اليرقات الصغيرة الشفافة، شاركت فيها ثلاثون سفينة شحن كبيرة. ويتمكن من حل لغز المكان في عامي 1920 و1921 بالتقاط أكثر من ستة آلاف يرقة في الجزء الغربي من المحيط الأطلسي. ويُطلق فريق بحث أوروبي سبعمئة ثعبان بحر فضي مزودة بأجهزة تعقب، في مواقع بحرية مختلفة، لرصد عودتها إلى بحر سارغاسو.

لماذا تختفي؟

في الإجابة عن السؤال الثالث المتعلق بأسباب اختفائها، يشير الكاتب إلى بدء مشكلة تقلص ثعابين البحر منذ القرن الثامن عشر، وتفاقمها في الخمسينيات من القرن العشرين والعقود الأخيرة الماضية. ويعيد ذلك إلى الأنشطة البشرية، الأمراض والفيروسات، التغير المناخي، والصيد. وينعى الجهود الدولية التي بُذِلت للحؤول دون هذا التقلص، مُبدياً خشيته أن يكون مصيرها كمصير طيور الدودو في جزيرة موريشيوس عام 1598، أو كمصير بقرات البحر في جزيرة بيرينغ التي اكتشفها جورج فلهلم ستيلر في عام 1741.

إلى الإجابة عن الأسئلة الثلاثة، يعقد الكتاب مجموعة من المقارنات بين مجموعة ثنائيات يشكل ثعبان البحر الطرف الثابت في كل منها. ويشتمل على كثير من المعلومات التاريخية والعلمية والأنتروبولوجية. ويحفل بالتفاصيل والدقائق والغرائب. ويخلص إلى نتائج معينة، بعضها قاطع، وبعضها الآخر يحتاج إلى المزيد من الدرس. وذلك كله يغذي الجانب المعرفي فيه. وعليه، إذا كان السلك الذاتي الروائي/ السيَري في الكتاب هو الإطار، فإن السلك الموضوعي المعرفي هو المحتوى. وبهذا المعنى، يجمع الكتاب بين روائية الإطار ومعرفية المحتوى. وهذا يعود بالفائدة على كليهما؛ يغتني الإطار بالمحتوى المعرفي، ويسلس المحتوى بالإطار الروائي. ويصيب الكاتب عصفوري الفائدة والمتعة بكتاب واحد.

المزيد من ثقافة