ملخص
يرى مجموعة من الاقتصاديين أن هذه الخطة تفتقر إلى الطابع الإصلاحي البنيوي، مؤكدين أن تطبيق نظام ثلاثي الأسعار للبنزين لا يسهم بصورة كبيرة في خفض الاستهلاك أو الحد من التهريب، وإنما يمثل استجابة لعجز موازنة الحكومة.
بعد تأخير دام أسبوعاً واحداً، دخلت خطة تسعير البنزين في إيران بثلاثة أسعار حيز التنفيذ رسمياً اعتباراً من الدقائق الأولى من فجر السبت الـ13 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وبموجب هذا القرار انتقل تسعير الوقود في محطات التوزيع من نظام السعرين السابقين إلى ثلاثة أسعار 1500 تومان (0.2 دولار) لحصة شهرية تبلغ 60 لتراً، و3 آلاف تومان (0.4 دولار) لحصة ثانية قدرها 100 لتر، و5 آلاف تومان (0.66 دولار) للاستهلاك الحر، وهو قرار تصفه الحكومة بأنه إصلاح تدريجي لسياسات الدعم، لكنه في الواقع أثار موجة من الغموض والقلق والانتقادات في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
وبعد أشهر من الجدل والتأجيل والتعديلات المتكررة، بررت حكومة الرئيس مسعود بزشكيان تنفيذ هذا القرار بالحاجة إلى خفض اختلالات قطاع الطاقة وتحويل الموارد من النقد الأجنبي المخصص لاستيراد البنزين إلى مجالات دعم المعيشة، غير أن التغييرات المتعددة في نص القرار، وغياب الشفافية في بعض الافتراضات الإحصائية، إلى جانب تحذيرات الخبراء من تداعياته التضخمية، أحاطت هذا المشروع منذ بدايته بظلال كثيفة من الشك.
ادعاء تغطية 80 في المئة من الاستهلاك وغموض المعطيات الإحصائية
تؤكد الحكومة أن الإبقاء على الأسعار والحصص السابقة يجعل الحديث عن ارتفاع أسعار البنزين غير وارد عملياً، وأن احتياجات الغالبية العظمى من مالكي المركبات ستلبى عبر الحصص نفسها المعمول بها سابقاً.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الحكومة إن "80 في المئة من المواطنين تلبى احتياجاتهم بالكامل عبر 160 لتراً بسعري 1500 و3 آلاف تومان (0.2 و0.4 دولار)". غير أن هذا الادعاء، في ضوء بيانات الاستهلاك اليومي للبنزين في البلاد واتجاهه التصاعدي، قوبل بتشكيك جدي من خبراء، وسط غياب توضيح دقيق للأسس الإحصائية أو قواعد البيانات التي استند إليها هذا التقدير.
في الوقت نفسه، يعد إعلان عدم إمكان ادخار الحصة الثانية البالغة 100 لتر بسعر 3 آلاف تومان (0.4 دولار) مؤشراً على الخطوة التالية للحكومة في مسار تعديل نظام الحصص، ولا سيما أن الطابع الموسمي للسعر الثالث يعزز احتمال أن تشهد نهاية الفترات الفصلية الثلاثية ليس فقط زيادة في سعر 5 آلاف تومان (0.66 دولار)، بل أيضاً تقليصاً تدريجاً للحصص باعتباره أداة للحد من الاستهلاك، وهو مسار سبق طرحه في بعض المقترحات الصادرة عن مركز أبحاث البرلمان.
تعديلات اللحظة الأخيرة والضغط على مالكي المركبات المتعددة
أحد أبرز التغييرات التي أقرت في الأيام الأخيرة قبيل التنفيذ تمثل في حصر تخصيص حصة الوقود بمركبة واحدة فقط لمالكي أكثر من سيارة، ووفقاً لتوضيحات مسؤولين حكوميين، يلزم هؤلاء خلال مهلة شهر واحد بتحديد إحدى مركباتهم باعتبارها المركبة الأساسية، على أن يقتصر تزويد بقية المركبات بالوقود على السعر البالغ 5 آلاف تومان (0.66 دولار).
وفي هذا السياق، أعلن المتحدث باسم نقابة أصحاب محطات الوقود يوم الجمعة الماضي أن مالكي مركبات عدة لديهم مهلة شهر واحد فقط لتحديد إحدى سياراتهم للحصول على حصة الوقود، وإلا فإن شركة التوزيع الوطنية ستقوم تلقائياً بتفعيل الحصة لمركبة واحدة فحسب.
وبالتوازي، شكل موضوع إلغاء حصة الوقود للمركبات ذات اللوحات الجديدة محوراً آخر للجدل المصاحب للقرار، ففي الصيغة الأولى أعلنت الحكومة أن جميع المركبات التي تسجل أو ينقل ملكيتها بعد تنفيذ الخطة ستخضع لسعر البنزين البالغ 5 آلاف تومان (0.66 دولار)، غير أن المخاوف من انعكاسات هذا القرار على سوق السيارات ومبيعات الشركات المحلية دفعت الحكومة إلى تعديل المصادقة، بحيث قصرت هذه القيود في النسخة اللاحقة على المركبات التي تتجاوز قيمتها مليار تومان (13.5 ألف دولار).
حد المليار تومان الغامض والتفاوت في الأسعار
أدى هذا التعديل إلى إثارة تحد جديد، إذ شهدت أسعار السيارات المحلية خلال العامين الماضيين تقلبات حادة، بحيث يتم تسعير عدد من السيارات عند حد المليار تومان (13.5 ألف دولار) بمجرد تغيير بعض التجهيزات أو نوع ناقل الحركة، في سيارات "بيجو 207" على سبيل المثال لا الحصر، تقف بعض منتجات "إيران خودرو" على أعتاب هذا الحد السعري، بينما تتجاوز بعض أنواع السيارات الأخرى المليار تومان (13.5 ألف دولار)، وينطبق وضع مماثل على مجموعة سيارات "تارا".
وفي هذه الظروف، أصبح نوع ناقل الحركة أو مستوى التجهيزات عاملاً حاسماً في تحديد استحقاق أو عدم استحقاق حصة الوقود بالسعرين الأول والثاني، ويعتبر النقاد هذا التوجه مثالاً واضحاً على التمييز، معتبرين أن معادلة السيارات المحلية متوسطة الفئة مع السيارات المستوردة تضغط بصورة مضاعفة على الطبقة المتوسطة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويخصص جزء آخر من القرار للسيارات العاملة في خدمات التاكسي عبر الإنترنت، في البداية، وعدت الحكومة بأن يحصل هذا القطاع على الوقود وفق النظام السابق لتجنب زيادة تكاليف التنقل الحضري، إلا أن تعديلاً واضحاً قلص الحصة إلى زيادة 100 لتر فقط بالسعر الـ3 آلاف تومان (0.4 دولار)، وهو ما يجعل ارتفاع كلفة خدمات النقل الحضري أمراً حتمياً نظراً إلى الاستهلاك العالي لهذا الأسطول.
كما أثار تقليص حصة الوقود الثانية للسيارات مزدوجة الاستخدام جدلاً واسعاً، فعلى رغم أن الهدف المعلن هو تشجيع استخدام الغاز الطبيعي المضغوط (CGN)إلا أن المشكلات التقنية المرتبطة بهذا الوقود في عدد من السيارات تثير مخاوف من أن تؤدي السياسة إلى نتائج عكسية وتقليل الإقبال على السيارات مزدوجة الاستخدام، التي تقع غالباً ضمن الفئة السعرية دون المليار تومان (13.5 ألف دولار).
التحديات التنفيذية وبطاقات الوقود
في الساعات الأولى لتطبيق الخطة، لم يسجل الوضع في محطات الوقود تغيراً كبيراً مقارنة بالماضي، ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أن التأخير لمدة أسبوع في تنفيذ الخطة نجم عن مشكلات في البنية التحتية وتحديث أنظمة المحطات، إذ إن تفريق الأسعار وفق حجم الاستهلاك ونوع البطاقة يزيد من احتمال وقوع أخطاء، وتعطل عمليات التعبئة، وتشكل طوابير طويلة.
ويعتمد التنفيذ الدقيق للقرار على استخدام بطاقة الوقود الشخصية، بينما تظهر الإحصاءات أن 43 في المئة من عمليات التعبئة لا تزال تتم باستخدام بطاقة المحطة، كما أن نسبة كبيرة من السيارات لا تمتلك بطاقة وقود نشطة.
ويحذر أصحاب المحطات من أن تعقيد النظام الجديد قد يزيد الضغط العملياتي عليهم، في حين يرى الخبراء أن غموض الخطة لن يكون له تأثير ملموس في الحد من تهريب الوقود، كما يحذر بعض الخبراء من تأثير تطبيق السعر الثالث الموسمي، معتبرينه أرضية محتملة لزيادة تدريجية في سعر البنزين.
ويعتقد هؤلاء أن الحكومة قد ترفع السعر من 5 آلاف تومان (0.66 دولار) إلى 7 آلاف (0.92 دولار) بعد ثلاثة أشهر استناداً إلى معدل التضخم البالغ نحو 50 في المئة، وهو ما قد يؤدي خلال عام واحد إلى رفع سعر الاستهلاك الحر إلى مستويات أعلى بكثير، ويترتب على هذا السيناريو زيادة متعددة الأضعاف في كلفة الوقود خلال فترة قصيرة، وهو أمر لا يتوافق مع مستوى التحمل الاقتصادي للمجتمع.
عديم التأثير في الاستهلاك وتهريب الوقود
يرى مجموعة من الاقتصاديين أن هذه الخطة تفتقر إلى الطابع الإصلاحي البنيوي، مؤكدين أن تطبيق نظام ثلاثي الأسعار للبنزين لا يسهم بصورة كبيرة في خفض الاستهلاك أو الحد من التهريب، وإنما يمثل استجابة لعجز موازنة الحكومة، ووصف الاقتصادي مجيد شاكري هذه السياسة بأنها ذات هدف واحد وميزاني فقط، محذراً من أن آثارها التضخمية ستقع على عاتق المجتمع.
كما انتقد نشطاء عمال زيادة أسعار البنزين الموسمية، معتبرين أنها تتناقض مع سياسة رفع الأجور السنوية. ولفت الناشط العمالي نادر مرادي إلى الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، قائلاً إن أسعار السلع الأساسية ترتفع واحداً تلو الآخر، وما يترتب على ذلك هو انحناء ظهر الفقراء والمحرومين، ضغوط لم تشهدها السنوات الماضية.
وفي صباح الـ13 من ديسمبر الجاري، وعلى رغم عدم تشابه الوضع مع صباح الـ19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، تصاعدت المخاوف من الآثار التضخمية لهذا القرار في تكاليف النقل وأسعار السلع النهائية، وتشير التقديرات الأولية إلى أن هذه الخطة قد تؤثر بسرعة في أسعار السلع الاستهلاكية والأساسية، وهو تأثير من المرجح أن ينعكس في مؤشرات التضخم لفئة الأغذية والخدمات خلال الأشهر المقبلة.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"