Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تصبح اللقاحات الضوء في نفق الاقتصاد العالمي؟

"فايزر" و"موديرنا" و"أسترازينيكا" قد تنهي معاناة الأسواق لكن التداعيات ستبقى طويلاً

مضى ما يقرب من عام على تفشي جائحة "كوفيد-19" الذي دمر الاقتصاد العالمي وكان الأكثر إيلاماً للعالم منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي. ويبقى المسار الوحيد الواضح لتحسين الثروات وإنقاذ الاقتصاد العالمي هو احتواء الفيروس. ومع معاناة الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، من أكثر حالات العدوى عالمياً، ومع استمرار إغلاق الدول الكبرى في أوروبا، تظل الآفاق قاتمة لتحقيق انتعاش عالمي ذي مغزى قبل منتصف العام المقبل، ولفترة أطول في بعض الاقتصادات، فيما قد يستغرق نمو الوظائف الكبير وقتاً أطول. 

ومع بروز آمال كبيرة في شكل ثلاثة لقاحات مرشحة لهزيمة الوباء، تراجعت حدة المخاوف من تعرض البشرية لسنوات من الإغلاق المتقطع الذي يدمر الثروات، ولكن تظل هناك عقبات كبيرة قبل أن تعيد اللقاحات أي مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، التي قالت إن هناك حاجة لإجراء مزيد من الاختبارات، وتصنيع إمدادات ضخمة، وضرورة أن يتخطى العالم تعقيدات توزيع دواء منقذ للحياة وسط موجة من القومية المتفشية. وتضيف الصحيفة أن مفهوم الحياة الطبيعية أصبح مفتوحاً للتساؤل، فحتى بعد أن يُروّض الفيروس إلى شيء مألوف يمكن التحكم فيه مثل الإنفلونزا، تبقى التساؤلات قائمة، هل اعتاد الناس على الابتعاد عن الآخرين والعودة إلى المطاعم ومراكز التسوق وأماكن الترفيه بالأرقام نفسها؟ ومع إنشاء مؤتمرات الفيديو كبديل لسفر العمل، هل ستهجر الشركات المؤتمرات والمعارض ومعها قطاع السفر والفنادق؟ 

وترى الصحيفة أن حساب آفاق الانتعاش الاقتصادي يستلزم مواجهة مسائل الطبيعة البشرية. وتقول إن الكساد ربما قد طبع جيلاً يميل نحو الاقتصاد والنفور من المخاطرة، وحذرت من أن استمرار النفور ستكون له عواقب اقتصادية عميقة ودائمة، إذا علمنا أن الإنفاق الاستهلاكي يمثل ثلثي النشاط الاقتصادي في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. 

بن ماي، الاقتصادي العالمي في "أكسفورد إيكونوميكس" في لندن قال للصحيفة "إذا كنت تعمل في مجال الأعمال التجارية، فقد تكون أكثر حذراً بشأن إعادة تعيين الموظفين". وأضاف "قد تكتفي بالعمل الإضافي لفترة من الوقت. قد تتصرف الأسر بحذر أكبر، وإذا كانت هذه هي الحال، فإنك تخاطر بإحداث ندوب اقتصادية أخرى". 

من شأن الأضرار طويلة المدى بالإضافة إلى الدمار الاقتصادي الأخير، أن تزيد عدم المساواة التي كانت سمة أساسية في العقود الأخيرة، فقد حصد الأشخاص ذوو التعليم العالي والمهارات المتقدمة، وإمكانية الوصول إلى أسواق الأسهم والعقارات مكاسب التوسع، في حين تسبب فيروس كورونا اليوم بآلام تتجاوز في حدتها عدم المساواة بتوجيهها ضربة قاتلة للعمال من ذوي الياقات الزرقاء، الذين يعتبرون التفاعل البشري ضرورة بالنسبة إليهم، وضربت الأشخاص الذين يعملون في المستودعات والمرافق الطبية، أي من يعملون في الخطوط الأمامية، بينما حافظ المحترفون القادرون على العمل من المنزل على سلامتهم. 

الصناعات تواجه أكبر تحديات التعافي 

وتواجه الصناعات أكبر التحديات في التعافي (بما فيها شركات الطيران والفنادق والمطاعم والتجزئة)، حيث أرباب العمل الرئيسين هم من ذوي المهارات المنخفضة، وبخاصة النساء. 

وفي الوقت الذي تتعرض فيه الشركات لضغوط لجعل قواها العاملة أكثر تنوعاً، فإن احتمال استمرار عديد من الأشخاص في العمل من المنزل يهدد بعرقلة دخول النساء والأقليات وترقيتهم. فاقتحام الرواتب الراسخة وتغيير الثقافة ليست أفضل عملية تجرى عبر تطبيق "زووم". ويقول إيان غولدين، أستاذ العولمة والتنمية في جامعة أكسفورد، مؤلف كتاب "مئة خريطة للنجاة في 100عام المقبلة"، إن "حصة صغيرة من اقتصادك قادرة على شراء سلعك وخدماتك". ويضيف أن "تزايد عدم المساواة أمر مروع بالنسبة إلى الاقتصادات لأن الاستهلاك ينخفض". 

وتقول الصحيفة إن أكثر ما تم تحديه بشكل مباشر هو الفكرة الشائعة القائلة بأن الاقتصاد العالمي يمكن أن يتحمل ببساطة تجميداً عميقاً لاحتواء الوباء، قبل إعادة إحيائه، كما لو أن شيئاً لم يحدث. كانت الفكرة أن السخاء العام يمكن أن يدعم العمال ويبقي الشركات على قيد الحياة خلال فترة الانكماش القصير الحادة المطلوبة لخنق الفيروس، قبل أن تتعافى الحياة التجارية. كان هذا النوع من التفكير هو الأساس للتنبؤات بما يسمى الانتعاش على شكل حرف (V)، وكان من المفترض أن يتبع الانهيار المذهل للاقتصادات الكبرى في النصف الأول من العام انتعاش مذهل بالقدر نفسه. 

صدمة عالمية أكثر حدة من الأزمة المالية العالمية  

لكن الاقتصاد العالمي لا يأتي مع مفتاح تشغيل وإيقاف، فبعد التحسن الملحوظ في أواخر الصيف، دمرت زيادة حالات الإصابة بالفيروس السيناريو المأمول، ومن المحتمل أن تستمر توترات الكارثة، التي طالت الشركات ومعدلات البطالة المرتفعة إلى التعليم المتقطع لسنوات. 

عندما جذب فيروس كورونا الانتباه لأول مرة في الصين في وقت مبكر من هذا العام، أثار مخاوف كبيرة بشأن حدوث صدمة عالمية، حيث إن الصين وهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كانت مشترياً شرهاً للسلع والخدمات، من المواد الخام مثل فول الصويا وخام الحديد إلى أحدث الأدوات من "أبل"، كما تنتج المصانع الصينية الإلكترونيات والملابس والمواد الكيماوية ومستلزمات البناء وقطع غيار السيارات والأجهزة، بالتالي كان من المؤكد أن الاضطراب في الصين سينتشر إلى الخارج. ومن ثم اشتد التهديد مع انتشار الفيروس في أوروبا، ما أدى إلى إغلاق الحياة التجارية في قلب إيطاليا الصناعي، ثم انتشر إلى المصانع في جميع أنحاء القارة. ومع انتشار الوباء في أوروبا ثم أميركا الشمالية والجنوبية، وأمر الحكومات للشركات بإغلاق أبوابها لوقف الفيروس، ثبت أن الانهيار الاقتصادي أكثر حدة من الأزمة المالية العالمية التي حدثت قبل 12 عاماً. 

إطلاق العنان لتريليونات الدولارات  

 مع تفشي الوباء، أطلق قادة العالم العنان لتريليونات الدولارات من الائتمان عبر البنوك المركزية والإنفاق الحكومي المباشر. وأممت الدول الأوروبية بشكل فعال جداول الرواتب لمنع تسريح العمال. وقدمت الولايات المتحدة إعانات بطالة موسعة. كل هذا خفف من حدة المخاوف من سلسلة متتالية من حالات الإفلاس وأزمة مالية محتملة. 

وتضيف الصحيفة أنه بعد التستر على الوباء في البداية، وحشد الصين قوتها لاحتوائه. عادت مصانعها إلى الحياة، واستأنف سكانها البالغ عددهم 1.4 مليار شخص الإنفاق، ما جعلها محركاً نادراً للنمو في الاقتصاد العالمي. 

وفي أوروبا، أدى الاحتواء الواضح للفيروس في أشهر الصيف إلى جانب رفع القيود الحكومية إلى دفع الناس للخروج من مخابئهم وقضاء العطلات والخروج لتناول الطعام وإثارة التفاؤل بالتعافي. 

بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول)، توسعت معظم الاقتصادات الرئيسة بشكل كبير. نمت الولايات المتحدة بأكثر من 7 في المئة مقارنة مع الربع السابق، وألمانيا بأكثر من 8 في المئة، وتوسعت المملكة المتحدة بنحو 16 في المئة، وفرنسا بنسبة هائلة بلغت 18 في المئة. استخدم البعض أرقام النمو تلك كدليل على أن الاقتصادات ستعود بمجرد زوال الفيروس. 

بدت هذه الظروف مهيأة للإنفاق القوي. لكن على عكس ما حدث في أعقاب الأزمة المالية العالمية، عندما كانت الأسر تتعامل مع ديون معطلة، بخاصة في الولايات المتحدة، فإن العديد من الأسر في الاقتصادات الكبيرة هذه المرة مليئة بالنقد، نظراً لنظام الادخار المطبق لعمليات الإغلاق. 

قال كيجرستي هوغلاند، كبير الاقتصاديين في "دي إن بي ماركتس"، وهو بنك استثماري في أوسلو، "لديك كثير من الأموال المكبوتة"، "هذا بالتأكيد سيناريو للارتداد". 

"ومع ذلك، يبدو أن وفرة الصيف جعلت السكان عرضة للخطر. احتشد الفرنسيون في المقاهي وعاد البريطانيون إلى الحانات. واحتقر الأميركيون الأقنعة باعتبارها إهانة مفترضة للحريات المدنية، وبدأ الفيروس في الانتشار،  ما أدى إلى جولة جديدة من عمليات الإغلاق التي دمرت آمال التعافي هذا العام". 

انكماشات متوقعة في الربع الأخير

يفترض معظم الاقتصاديين أن أوروبا ستسجل انكماشاً خلال الربع الأخير من العام. ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد البريطاني بأكثر من 11 في المئة هذا العام، وفقاً لـ"أكسفورد إيكونوميكس"، وسيكافح من أجل تحقيق انتعاش كامل قبل عام 2022. ومن بين الاقتصادات الرئيسة الأسوأ أداءً الهند، حيث تقلص اقتصادها بنسبة 7.5 في المئة في الأشهر الثلاثة الماضية.

وتوقع صندوق النقد الدولي، في أحدث تقييم له، انكماش الاقتصاد العالمي بنسبة 4.4 في المئة هذا العام. ووفقاً لتقييم صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فإن التجارة العالمية في طريقها للانخفاض بنسبة تصل إلى 9 في المئة هذا العام.  

5.2 في المئة النمو المتوقع للاقتصاد العالمي في 2021 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في العام المقبل، من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 5.2 في المئة، وفقاً لصندوق النقد الدولي، أي أكثر من 0.6 في المئة فقط مما كان عليه في عام 2019. وستظل البطالة مرتفعة. وستظل البلدان الفقيرة تعاني من انخفاض الدخل الذي يرسله العمال المهاجرون إلى أوطانهم، بالتالي سوف يرتفع سوء التغذية. 

في الولايات المتحدة، أدت هزيمة الرئيس دونالد ترمب على يد جو بايدن إلى تفاؤل بشن هجوم مستمر وخطير على الوباء. لكن احتمال أن تكون الإدارة القادمة مقيدة بسيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ، في انتظار إجراء انتخابات الإعادة في جورجيا، يقلل من احتمالية أن توافق الحكومة على حزمة قوية من تدابير الإنفاق لتحفيز الاقتصاد. 

سيتركز محور الأسئلة حول العام المقبل، حول مدى سرعة وصول اللقاحات إلى مجرى دم الشعوب، فقد قدمت الشركات ثلاثة لقاحات مرشحة وهي، "بي فايزر" و"موديرنا" و"أسترازينيكا" لإنهاء معاناة العالم، لكن الألم الاقتصادي أصبح شديداً لدرجة أن آثاره قد تستمر. 

الوباء الدافع لنماذج اقتصادية جديدة 

دفعات الإغاثة من البنوك المركزية دعمت الشركات القوية والضعيفة على حد سواء. وسوف يستسلم عديد من الشركات الضعيفة في نهاية المطاف، لا سيما مع سحب المساعدات مما يكلف الوظائف. لقد أدى الوباء إلى تسريع وتيرة مواجهة العولمة، التي قد تلهم الشركات متعددة الجنسيات لإنتاج مزيد من السلع في أسواقها المحلية، مع خفض التكاليف من خلال الأتمتة، ما يحد من نمو الوظائف والأجور. 

ومع دخول البلدان الفقيرة والنامية في حلقة الوباء، فهي تواجه مستويات تنذر بالخطر من الديون. في حين أثبتت المساعدات الموعودة من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أنها مخيبة للآمال، في وقت امتنع الدائنون من القطاع الخاص عن تخفيف عبء الديون. 

ويجادل البعض بأن الوباء يجب أن يكون الدافع لنماذج اقتصادية جديدة تخلق فرص عمل من خلال الانتقال إلى الطاقة الخضراء مع توزيع المكاسب بشكل أكثر إنصافاً.